الثلاثاء، مارس 01، 2011

ربما تكون وصية مودع، الجيش يلعب بالشعب

إني أقول لنفسي وهي ضيقة ... وقد أناخ عليها الدهر بالعجب

سيفتح الله عن قرب بنافعة ... فيها لمثلك راحات من التعب

(علي بن أبي طالب)

***

لست أثق في الجيش لإدارة المرحلة الانتقالية، وفقدان الثقة هذا يزيد في كل يوم، وقد بلغ الحال أني لا أستطيع النوم هذه الأيام من شدة القلق.. ربما كنت متشائما، لكنني في هذه السطور أعدكم أني لن أذكر تخوفات وإنما الحقائق المعروفة لكم جميعا.. وهي حقائق يحب البعض أن ينساها، ويحب البعض أن يثير الغبار عليها، ولست أتذكر الآن من الذي قال "أحيانا تكون المهمة أن تعيد التذكير بأن الشمس تشرق من الشرق"!!

الجيش –في أحسن الأحوال، وبنسيان كل شيء- مؤسسة مجهولة، وهم –كما هو معروف طبعا!- مجموعة من البشر، ليسوا فوق مستوى الشبهات، وبالتالي فادعاء الملائكية ساقط، والعشق غير المبرر للجيش وكأنه "الساحرة الطيبة" يعبر عن طفولية أو سذاجة أو محاولة للهروب من الواقع إلى الخيال.

وحيث أنهم بشر، وبفرض ضمان الوطنية الكاملة في كل الأفراد، فالخطأ في التصرف قائم ومحتمل في كل البشر، ولا أحد معصوم من الخطأ، ولهذا توصل البشر إلى فكرة الشفافية والرقابة الشعبية حتى يتجنبوا الهوى الذي يسكن كل البشر، والانحراف الذي لم يُعصم منه أحد.. وألزموا الحكام بأن يعملوا في النور.. ولم يعد أحد يحترم نفسه في هذا العالم يقبل بأن يحكمه الحاكم بمنطق الأب الذي يجب على الابن أن يثق فيه ويفوض إليه كل مصالحه ولا يسأله عما يفعل!!

إن أي عمل لا يتم في النور وتحت رقابة شعبية مثير للقلق.. وهذا هو الحال الآن مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة.. فهو يُصَرِّف البلاد ويتعامل مع الداخل والخارج دون أن يعلم المصريون أي شيء عن هذا الذي يتم في بلادهم، وهنا.. ليس من حق أحد أن يحدثنا عن الثقة التي يجب أن تسكننا لأن البلد في "يد أمينة".. هكذا قيل لنا من قبل!

من الحقائق أيضا أن المجلس الأعلى كان جزءا من النظام البائد، هذه حقيقة واضحة لا نحتاج أن نناقشها، لكن هل كان المشير مؤمن آل فرعون يكتم إيمانه؟ أم أنه كان كغيره من أبناء النظام؟ هذا ما لا نعرفه على وجه التأكيد، فلا يملك الاطلاع على الصدور إلا الله.. كما أننا لا نحكم على أحد إلا بالأفعال.. ولمرة أخرى: بعيدا عن الأفعال لا نريد من أحد أن يستخدم مفردات الثقة والتطمين.

ربما لا يعرف كثير من الناس أن سعد زغلول قبل ثورة 1919 كان محسوبا على القوى الموالية للاحتلال الإنجليزي وكانت مواقفه البرلمانية غير وطنية بالمرة، يمكن للقاريء أن يُحهد نفسه قليلا في مطالعة تاريخ الرافعي، وهذا التاريخ لسعد فيما قبل الثورة هو الدليل القوي الذي يملكه من يتحدث عن أن سعد زغلول قتل ثورة 1919 عمدا وبالتنسيق مع الإنجليز من خلال إدخالها في نفق المفاوضات.

لا أحب الآن خوض حديث في التاريخ، إنما الخلاصة المقصودة أن مطالعة تاريخ الشخص قبل اللحظات الفاصلة مهم في تفسير مواقفه فيها وبعدها.. وما نملكه من حقائق يشير إلى أن المشير ومجلسه العسكري لم يحاولوا التمرد على حسني مبارك، ولم يظهر منهم انحياز للشعب طوال الثلاثين عاما الماضية التي أفرزت هذه "المطالب المشروعة" باعترافهم أنفسهم، ولا حتى في أمر المحاكمات العسكرية للمدنيين.. ومن غير الطبيعي، أو دعنا نتهذب ونستخدم لفظا أكثر أدبا فنقول: ليس من الحكمة وضع مصير الثورة في أيديهم وحدهم!

لكن.. هل حقا إن الجيش مؤسسة مجهولة بالنسبة للمصريين؟

الحقيقة –أيضا، ولمرة أخرى، ولن أسأم من تكرار هذه اللفظة- أنه لا يكاد يوجد بيت في مصر إلا وخدم بعض أفراده في الجيش، فالجيش هو المعروف المسكوت عنه، الذي يعرفه المصريون لكنهم لا يناقشونه لا في صحافة ولا في إعلام.

فلماذا يحاول البعض الآن تسويق الصورة الملائكية للجيش وكأنه نزل من السماء على براق؟؟

إن لدى كل بيت قصة أو قصص عن الفساد وإهدار المال والتسلط غير الإنساني الذي يمارسه الرئيس على المرؤوس، والرعب الذي يتضاعف كلما زادت الفجوة بين الرتب.. إذا كانت المؤسسات المدنية التي تتسلط عليها الصحف والفضائيات بهذا القدر من الفساد فكيف يكون الحال في مؤسسة يعد الحديث عنها خطا أحمر؟!!.. كارثة، أليس كذلك؟

كثيرون جدا، وإن كانوا بدأوا يتناقصون والحمد لله، يحاولون ألا يفكروا في احتمال أن يسرق الجيش ثورة الشعب، ذلك أنه احتمال مخيف وكارثي.. لكن منذ متى كان التغاضي عن الشيء ينفيه أو يعالجه؟ أحسب أنه لا يوجد عاقل –فضلا عن أصحاب ثورة- يتغافل بإراداته عن الشيء الذي لا يحب له أن يحدث، أو أن يفقد ذاكرته بنفسه.

من الحقائق أيضا أن انقلاب 23 يوليو كان انقلابا عسكريا، إنني أراه كارثة وقعت لهذه البلاد، كارثة أدخلتها تحت حكم فردي عسكري ديكتاتوري، لكن.. لئن اختلفت معي حول وطنية أو علاقات عبد الناصر، فأظنك لن تختلف معي حول أنه أدار البلد بالديكتاتورية التي أحلت قيادات عسكرية على رأس المؤسسات العلمية والتعليمية والصناعية وغيرها، كما أنه خالف وعده بتسليم السلطة إلى مدنيين.. أي أن الجيش ليس ملائكيا ولا منزها على الخطأ ولا هو فوق المساءلة والحساب.

كذلك فإن من الحقائق القريبة أن موقف الجيش من هذه الثورة لم يكن نقيا ولا خالصا، بل نستطيع أن نعدد المواقف التي كان الشعب فيها ضد الثورة:

1. معركة البلطجية: حيث التزم الجيش "الحياد السلبي"، وهو لفظ إخباري محايد، ومعناه في عالم البشر الوقوف متفرجا أمام قاتل مسلح يقتل الضحية الأعزل.. هل في هذا شك؟!

2. مصادرة الأغذية والأدوية في وقائع ثابتة حين تدفقت على ميدان التحرير بعد معارك البلطجية، أو الوقوف متفرجا على مصادرة البلطجية لهذه الأدوية والأغذية على بعد أمتار من الجيش الذي مارس لمرة أخرى "الحياد السلبي".. ياله من لفظ مهذب!!

3. اعتقال بعض النشطاء وتعذيبهم، وهو ما قالته تقارير لمنظمات حقوقية، ونفاه الجيش بإصرار.. كنا نتمنى أن نصدق الجيش لولا أن بعض النشطاء الذين نعرفهم كان من بين هؤلاء المعتقلين والمعذبين!

4. محاولة الجيش أكثر من مرة إنهاء الاعتصام، من خلال زيارتين للمشير نفسه، وبعض الكلمات لقيادة الجيش، لن أنسى أن قائد المنطقة المركزية الوسطى وقف وقال للمتظاهرين: "في ناس بتاجر بيكم" طالبا منهم الانصراف لولا هذا الإصرار من المعتصمين.

5. ثم هذا الفض الأخير لاعتصام الجمعة ليلا، وهو الذي لا تفهمه بشكل أدق إلا إذا قرأت لشهود العيان، وكلما كانت الشهادات التي قرأتها أكثر تكون الصورة لديك أوضح، إن ثمة مشاهد مما حدث خطيرة بالفعل وأخطرها ليس استخدام القوة والضرب بالعصي المكهربة بل اعتبار المعتصمين من الخونة وأعداء البلد!!!

لا أقول أن هذا هو موقف الجيش من الثورة، إنما أشدد على ضرورة ألا ننسى هذه الحقائق حين نحلل موقف الجيش، وندخل في موال عشق درامي.

شخصيا، لم أثق بالجيش أبدا، إلا أنه مرت علي فترة انخدعت فيها بحديث من التقوا بالجيش ممن يوثق فيهم مثل بلال فضل وضياء رشوان وإبراهيم عيسى، كذلك ما كانت تكتبه وتصر عليه نوارة نجم (وتحيل قناعاتها لوثائق ويكيليكس التي ترجمتها)، ثم بعض خطوات وإجراءات أهمها اختيار طارق البشري لرئاسة لجنة تعديل الدستور..

إلا أنه يجب ألا ننسى أن جمال عبد الناصر من قبل قد خدع عبد القادر عودة وحسن الهضيبي وحسن العشماوي وغيرهم من قيادات الإخوان، رغم أن هذه الأسماء الثلاثة من العقليات القانونية المرموقة والعالية.. ويجب أن لا نعتمد إلا على ما نراه بأعيننا.

دعونا لا ننسى أيضا أن النوادي العسكرية ما زالت تمنع الملتحين والمنقبات من دخولها أصلا؟

دعونا لا ننسى أيضا أن الحصار الوحشي على غزة ما زال مستمرا، وهو حصار غير مقبول لأنه ينتهك حقوق الناس في الحياة والطعام والعلاج، بعيدا عن كونهم عربا أو مسلمين أو محتلين.. إنها جريمة في حق الإنسان.

ويتعلق بهذا أيضا مسألة المعتقلين الفلسطينين في السجون المصرية، وهم الذين اعتقلوا بغير محاكمات، وقد دخلوا إضرابا عن الطعام منذ أيام، ويتحدثون عن استمرار التعذيب كما كان أو أشد.. والسؤال الواضح البسيط: لماذا نعتقل أصلا، ولماذا نعذب أصلا، وما هو المعقد في الإفراج عن هؤلاء الذين اجتمعت عليهم هموم الدنيا فلا عدوهم يرحمهم ولا شقيقهم يشفق عليهم؟!!!

وما الذي يعطل المجلس الأعلى من الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وبالضرورة عن الذين أخطأ الجيش في حقهم حين سجنهم بأحكام عسكرية.. لعله من الواضح الآن أن هؤلاء المسجونين هم الرواد الأوائل للتغيير، قبل أن يكون الإعلام والفضائيات والانترنت والفيس بوك، وهم الذين تحملوا بطش النظام أيام كانوا قلة ولا بواكي لهم.. إن هؤلاء هم جذور هذه الثورة، فما الذي يعطل الإفراج عنهم، ما هو المطلوب من المظلوم حتى يُرفع الظلم عنه، ما الذي ينتظره المجلس الأعلى أمام هذا المطلب؟

وسؤال آخر: لحساب من يعمل جهاز أمن الدولة الآن؟

إن كان يعمل لحساب النظام البائد فهو خطر على الشهب وعلى الجيش، وإن كان يعمل الآن لحساب الجيش فيجب علينا أن نخشى من الجيش نفسه.. كلا الاحتمالين مخيف، وكلاهما يستدعي الاستمرار في الثورة.

الخلاصة:

إذا كان الجيش وضع نفسه كالمتعهد والحامي لتنفيذ "مطالب الشعب المشروعة"، فإن من حقنا أن نسيئ الظن حين نراه مصرا على بقاء وجوه بعينها من النظام القديم يطالب الشعب برحيلها.. ولا حاجة للتعذر بضيق الوقت أو ضرورة التمهيد لكل قرار، إن خلع شفيق ومرعي ووجدي وأبو الغيط ليس أصعب من خلع مبارك وسليمان والشريف وسرور وعزمي (هذا إن كانوا قد خُلعوا فعلا، فكل الأمور ضبابية)..

وبمناسبة الضبابية ثمة موقفان لم أفهمهما، وإن كنت لا أعارضهما: وجود عضو إخواني في لجنة صياغة الدستور، ذلك أني أعرف أنه لا ود متبادل بين الجيش والإخوان، بل إن الشاب الإخواني يُحرم من الخدمة بالجيش أساسا، كذلك فإن السماح للشيخ محمد حسان بأن يخطب في مسجد النور القريب من الكاتدرائية غير مفهوم، ذلك أن محمد حسان نفسه ممنوع من دخول اي مكان تابع للقوات المسلحة حتى لو كان نادي لأنه "ملتح".. فلماذا؟!!! هل تخويف الأقباط أو الخارج داخل في الحسابات؟!!

الأمل..

في الحقيقة ينبغي هنا أن أسجل احتراما للمناضلين غير المتدينين، لا أدري من أين تأتيهم الطاقة النفسية التي يستمدها المؤمنون من أديانهم وثقتهم بالله، عن نفسي: ربما كنت قد انتحرت لولا أني أؤمن أن هذه الدنيا بيد الله، وتحت عين الله، ولا يحدث فيها شيء إلا بإرادة الله.. وأن الله يظل دائما الملجأ الأخير الذي نستمد منه الأمل، ويظل دائما القدرة المطلقة التي نؤمن بأنها تعلو على كل قدرة فنستمد منه الأمان.

لولا الإيمان بمثل هذه الآيات لكان بطن الأرض خيرا لنا من ظهرها (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)، (ويُضِلُّ الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء)، (ومكروا مكرًا، ومكرنا مكرًا، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم: أنا دمرناهم وقومهم أجمعين)، (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا جاءهم نصرنا)، (ألا إن نصر الله قريب)، (وما كان الله ليضيع أعمالكم)... وغيرها وغيرها.

لولا هذه الآيات التي تسكب الطمأنينة في القلب لكان الأمر كارثيا.. ومع تقديري لمن يستطيع أن يناضل دون أن يستمد طاقته من هذه الآيات إلا أنني أسأل الله أن ينعم عليهم بالإيمان، فالحياة –بعد كل شيء- إلى زوال.

ثم تظل الثقة بعد الله في هذا الشعب، وهو الشعب كسر التوقعات، فخرج فجأة، وقاوم ببسالة غير متوقعة، وظل ثابتا رغم الحرب الإعلامية والأمنية الرهيبة.. وأثبتت كثير من الوقائع أنه كان صابرا عن غير غفلة، متجاهلا عن غير جهل، منتظرا للحظة فلما جاءته لم يُفلتها.. هو إيمان بالإنسان، المخلوق الذي كرمه الله فجعله رافضا للظلم والذل والمهانة.

وأخيرا، أنصحك بقراءة هذه المدونة: ahmedsaed.blogspot.com

ولا أقول ثق بكل ما فيها، إنما فائدتها أنها تفتح الباب الذي لا يريد كثيرون فتخه، فإن أعجبك ما فيها فبها ونعمت، وإن لم يكن فلا أحسبك خسرت شيئا.