الاثنين، نوفمبر 23، 2009

الحركات الإسلامية؛ انسحاب وتراجع أم عودة للتربية 1/3

موضوع متشعب، لا يكاد ينحصر في عبارات، فكل عبارة تحتاج مزيدا من الشرح وإثباتها بالأدلة، وكل كلمة تكاد تصطدم بحركة إسلامية عاملة على الساحة، بما يجعل الخوض فيه يُفقد الأصدقاء والأحباب جميعا..

وبداية، فلا يخفى أن الساحة الإسلامية، والسنية تحديدا، تعيش أزمة بالغة، وأبلغ تعبير عن هذه الأزمة هي اختلاف الاتجاهات والتيارات فيها، لا أقول أن كثرة التيارات دليل سوء، ولكنها بلاشك دليل أزمة، إذ لا يملك أحدها أن يثبت بشكل عملي واقعي أن منهجه هو الأنفع والأنجح والأصلح، إذ الواقع يثبت عكس هذا على طول الخط، ولذا فالكل يعد أتباعه ويمنيهم ويذكرهم بالصبر والثبات وطول الطريق وبعد الشقة .. وكلهم متعلق بأمل النصر الموعود، وإن كانوا جميعا يصرحون بأن الجيل الحالي ليس هو الجيل المناسب المهيأ لهذا النصر.

***

دار حوار طويل وصل إلى الاشتباك في صفوف الإخوان حول الدعوة والسياسية؟ هل نفصل بينهما أم لا؟ وهل الأولى في المرحلة الحالية أو القادمة الاهتمام بالتربية أكثر أم بالسياسة أكثر؟ وأحسب أنه حوار لن ينتهي لظروف الإخوان الموضوعية على الأقل، ثم لظروفهم الداخلية إذ أن أي إجابة صريحة على هذا السؤال كفيلة بانشطار الجماعة. ولذا فالوضع الأفضل أن نتحرك نحو التربية أو نحو السياسية كيفما تسمح الظروف الخارجية دون إجابة صريحة عن أيهما أولى؟

الحركة السلفية لتشعبها وعدم اندراجها في شكل واحد، يصعب معاملتها كطائفة واحدة، غير أن التصنيف العام، الذي لن يخلو من أخطاء، يضعنا أمام ثلاثة اتجاهات تتقاطع في الاختيارات العقدية والفقهية، وتتباعد في الفتاوى الواقعية والرؤى السياسية.

لدينا سلفية جامية وادعية مدخلية، نسبة إلى الشيوخ محمد آمان الجامي، ومقبل بن هادي الوادعي، وربيع بن هادي المدخلي، على الترتيب .. هذه الطائفة لا أتردد لحظة في أن أقول إنهم عملاء الأجهزة الأمنية والأنظمة الحاكمة، وبالتالي فهم عملاء اليهود والصليبيين والملحدين، وهؤلاء يمثلون خطرا حقيقيا على المسلمين وعلى الحركات الإسلامية جميعا، ولا ينجو منهم داعية إلى الله إن لم يسبح بحمد الطواغيت ويقول بالسمع والطاعة لولي الأمر ولو كفر.

وهذا على مستوى المحصلة والواقع وقراءة ما يحدث على الأرض، أما أن الأتباع يفعلون هذا بحسن نية أو بعمالة مقصودة فذلك أمر ندعه لله تعالى يفصل فيه، وهو خير الفاصلين، لكنهم في النهاية إما عملاء وإما أغبياء.

ثم الطائفة الأوسع، وهي السلفية العلمية، ومنهجهم في العموم ينحو إلى التربية والإعداد بتصحيح العقيدة والعبادة وتعلم العلم الشرعي، رافعة شعار “كتاب وسنة بفهم سلف الأمة” و”لا يصلح آخر الأمة إلا بما صلح به أولها” .. وتلك الطائفة أطياف كثيرة، يقترب منها طيف نحو الجامية والمدخلية في شأن ترك السياسة والولاء لولي الأمر المتولي بالغلبة، وربما كانت جماعة التبليغ والدعوة وجماعة أنصار السنة أوضح الأمثلة على هذا. وطيف آخر يبتعد، على هذا المستوى، حتى يصل في اهتمامه السياسي والواقعي إلى جماعة الإخوان المسلمين، مع مواقف بدأت تتغير وتتأرجح بشكل ما حول شرعية أولياء الأمر المتغلبين في بلاد المسلمين اليوم (وبالمناسبة فموقف الإخوان الشرعي متأرجح أيضا لكنما الواضح هو الموقف السياسي)، وبعض المواقف السياسية التي تمثل نقلة في مسار الحركة السلفية، وأوضح الأمثلة على هذا الحركة السلفية في الإسكندرية.

هذا التيار العام من السلفية العلمية توظفه الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين، يدعمهم في هذا الحقيقةُ المؤسفة المتمثلة في كون أغلب رموز هذه المدرسة ذوي مستوى مؤسف سياسيا وواقعيا، وإن كانوا عمالقة أحيانا في تخصصهم الشرعي لا سيما علم الحديث، وطيبة الشيوخ دائما في التاريخ وفي الواقع كثيرا ما يستطيع أن يُسَخِّرها ويلعب بها لؤم ودهاء أجهزة الأمن. (بالمناسبة: كثير منهم ذوي مستوى فاضح في السياسة وفي العلم الشرعي معا)

كذلك لدينا السلفية الجهادية، وهذا حديث آخر خارج الموضوع إذ الكلام الآن عن منهج التربية الذي لا تعتمده السلفية الجهادية.

بالوسع أن يُقال إن المدرسة السلفية العلمية لا تملك، أو بالأحرى، لا تقدم طريقا واضحا للإصلاح والتغيير، ولم يصدر عنها –على حد علمي- منهج إصلاحي عملي ((مرة أخرى: عملي)) للانتقال بأحوال المسلمين من النكبة الحالية إلى النصر المنشود.

والإخوان من بعد ارتفاع الضغط الأمريكي الذي وفر لهم انتخابات نزيهة ذات يوم، عادوا –بشكل عملي- أدراجهم نحو التربية والإعداد من جديد، فبعدما صدرت تصريحات في يوم من شتاء 2005 بأنهم الآن في مرحلة “الحكومة المسلمة” (وهي المرحلة الرابعة في منهجهم الإصلاحي)، تشير التصريحات والأوضاع الحالية إلى أنهم في مرحلة “المجتمع المسلم” (المرحلة الثالثة) مرة أخرى.

وإذا، فقد التقى التياران الكبيران على الساحة الإسلامية في مرحلة العمل، أو في عنوان مرحلة العمل (التربية)، وخلافهم هو في “كيفية” هذه التربية.

لا يمنع هذا من أن الإخوان يخوضون معركتهم السياسية مع الأنظمة الفاسدة والمستبدة، حتى وإن كانوا يخوضونها بلا أوراق ضغط إطلاقا، بل وبأجنحة مقصوصة، وغاية ما يبلغونه أن يمارسوا الاحتكاك بالإطار المسموح به الذي يضعهم فيه السلطان.. وفي النهاية هم لا يستطيعون أكثر من إخراج مظاهرات كبيرة وبعد حسابات دقيقة ونوع من تفاهمات.

ولا يمنع هذا من أن السلفيين يخوضون معركتهم ضد الشيعة والتشيع، وضد القرآنيين، وضد الأشاعرة والقائلين بتأويل الصفات، وضد الإخوان أيضا .. إذ لابد لكل حركة من معركة أو نوع نشاط تمارسه وتحترق فيه وتضحي له، وتبرر به وجودها وتصنع منه رسالتها في الحياة.

أما الاشتباك مع الأنظمة أو محاولة تغيير الوضع السياسي فغاية ما فيه، عند السلفيين، كلمة نصح ( لا كلمة حق) مغلفة بأنواع الأدب لولي الأمر (لا للسلطان الجائر)، ولقد كانت حرب غزة حدثا كاشفا وفارقا، وما يزال حصار غزة وتهديد المسجد الأقصى ومحاولات توريث البلاد كواشف أخرى لا تساوي عند هذه المدرسة المساس بـ”فرضية النقاب”.

والخلاصة أن الساحة السنية الآن في “عصر التربية”.

اقرأ:

الحركات الإسلامية؛ انسحاب وتراجع أم عودة للتربية 2/3

الحركات الإسلامية؛ انسحاب وتراجع أم عودة للتربية 3/3