الأحد، ديسمبر 27، 2020

كلمة عن كتاب "حياتي في رحاب الأزهر"

 


لكم وددتُ أن تطول هذه المذكرات، وتكون أكثر تفصيلا، وما ذلك إلا لأحاول فهم شخصية صاحبها، فإنه أحد الشخصيات المُحَيِّرة.
إنه محمد البهي..
المفكر الإسلامي الكبير الذي فاضت ألسنة الكثيرين من مشايخنا في مدحه والثناء عليه، وأولئك الذين مدحوه أبعد من أن يُتَّهموا بنفاق، فمنهم القرضاوي وأحمد العسال وعبد الجليل شلبي وأنور الجندي ومحمد عبد الله السمان وغيرهم.
وهو مع ذلك الوزير في عصر عبد الناصر، في أشد حقبة عبد الناصر ظلاما، إذ كان وزيرا لشئون الأزهر، وكان واحدا من رجال قانون "تطوير الأزهر"، أو بالأحرى تحطيم الأزهر، وهو الذي نَفَّذ بنفسه تحجيما لشيخ الأزهر لم يجرؤ عليه أحد من قبله، حتى لم يجد شيخ الأزهر (محمود شلتوت) حينها إلا أن يرفع شكايته لمجلس الدولة يحاول أن يسترد شيئا من كرامته، فإذا بمجلس الدولة ينصر الوزير عليه (وهذا هو المتوقع في ظل قانون وُضِع أصلا لتحطيم شيخ الأزهر)، فلم يجد شلتوت إلا أن يعتكف في بيته مريضا حتى مات!
ثم هو مع ذلك الرجل الذي لما سأله عبد الحكيم عامر عن رأيه في كتاب سيد قطب "معالم في الطريق" قال: تمنيت لو أنني كتبتُ هذا الكتاب، فإن فيه رأي القرآن.. متعرضا في ذلك لدهشة عبد الحكيم عامر -الرجل الثاني، ربما الأول في ذلك الوقت- وغضبته!
محمد البهي..
الرجل الذي فاض لسانه وقلمه في التحذير من المستشرقين، وهضم الفكر الغربي، حتى إن سيد قطب حين أراد تلخيص هذا الفكر لم يجد خيرا من أن ينقل من كتاب البهي "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار".. وهو كتاب فاخر جميل يوصى به. ومع ذلك لا تجد مستشرقا يناقش انحدار شأن الأزهر إلا وهو جذل أو مستغرب من دور البهي في إمضاء قانون الأزهر المشؤوم عام 1961.
الرجل الذي لا يُشَكُّ في صدق همّه وهمته لاستئناف الحياة الإسلامية، وإعادة المكانة للشريعة الإسلامية، ولكنه كان حريصا على تطبيق القانون الوضعي تطبيقا صارما كأنما هو الشريعة، أثناء حياته كأستاذ وكرئيس للجامعة وكوزير!
الرجل الذي كانت له من الجرأة أن يحاضر ويكتب ضد الشيوعيين في ذروة قوتهم بمصر في مطلع الستينات من القرن العشرين، ثم لا يقترب منه أحد، إلا أن تُمْنَع كتبه من الطبع، أو تُصادر إذا طُبِعت خارج مصر. ومع ذلك فهو يحظى بحماية عبد الناصر نفسه في مقابلة عبد الحكيم عامر وزوجته برلنتي عبد الحميد!!
الرجل الذي شُهِد له بالنزاهة ونظافة اليد والنفور من أية مكاسب، حتى أنه لم يستطع أن يشتري مسكنه.. كيف لهذا أن يكون وزيرا في عصر عبد الناصر الذي كان وزراؤه أمثلة نموذجية في الفساد والانحلال؟!
لكم تمنيتُ أن تحل هذه المذكرات لغز هذه الشخصية، ولكن اختصارها وأخبار شذراتها لم تشفِ غليلي.
لقد مرَّ بسرعة على قانون تطوير الأزهر، ولم يُشر إلى دوره في إقراره إلا بكلمات بسيطة.. ولا مَدَح القانون ولا أثنى عليه (مع أنه كان مستبشرا به كثيرا في خاتمة كتابه: الفكر الإسلامي الحديث).. ومرَّ على الأحداث الفاصلة في عصره دون أن يشير إليها. لقد انصب اهتمامه على توضيح مواقف شخصية ونزاعات بينه وبين أساتذة الجامعة أو مسؤولي الوزارة!
لا أجد تفسيرا لهذه الشخصية إلا أن هذا الرجل المستقيم في نفسه، البعيد الهمة والكثير الهمّ، إنما كان مصابا بما أسميه "فيروس الدولة"!!.. وهو الفيروس الذي يصيب صاحبه بالشغف بالخضوع والنظام وتنفيذ القانون حرفيا مهما كان القانون جائرا، والسعي للإصلاح بقدر ما تتيحه السلطة من مساحة، وبحسب ما تتيحه السلطة من أدوات. فإن اعترض على شيء لم يكن له أن يكافح أو يناضل بل أن يكتم غيظه في نفسه، مستمرا في تأدية مهمته على الوجه الأمثل كما يفعل "المواطن الصالح"!
ترى هل يكون غيظ هذا "المواطن الصالح" منبعثا من انتهاك الدولة للعدل والحق؟ أم من انتهاكها لقانونها الذي وضعته؟!.. في مثل حالة الشيخ محمد البهي: لا أستطيع الإجابة.
لقد تفتحت حياة الرجل في ألمانيا، حيث كان في بعثه، وذلك في زمن هتلر، في السنوات التسع الذهبية التي عادت فيها ألمانيا كماكينة عمل هادرة، وتلملم شتاتها وأشلاءها من الحرب العالمية الأولى لتتحول فيما يشبه غمضة العين إلى قوة فظيعة تكاد تلتهم أوروبا كقطعة من الحلوى!
تضرب ألمانيا، منذ بسمارك وحتى الآن، مثلا نموذجيا في الدولة القوية التي تهيمن على شعب نشيط، كأنما هي مصنع كبير مُحْكَم التصميم، وتقدّم نموذجًا يُدرَّس في العلوم السياسية عن السلطة التي تستطيع إنشاء شعب على وفق مثالٍ منضبط. ومن خلال مذكرات من عاشوا ذلك الزمن، نرى أن هذا النموذج قد بلغ ذروته في هذه السنوات التسع (1930 - 1939م).. وتلك هي السنوات التي عاشها صاحبنا هناك.
هل يصلح هذا لتفسير ما يبدو كتناقضات لدى محمد البهي؟!
هل يكون إيمانه بالإصلاح السلطوي، والتنفيذ الحرفي لتوجهات السلطة، هو الذي دفعه لما يُعاب عليه من العنف الشخصي والقسوة الإدارية والسعي نحو قانون تطوير الأزهر على هذا النحو؟
لقد كان مؤمنا أن الأزهريين لن يُصلحوا من أنفسهم أبدا، وكان مؤمنا أن الحل كامن في إجبار الأزهريين على تعلم اللغات الأجنبية والعلوم الحديثة.
وهو في قسوته الإدارية وعنفه في موقع المسؤولية يُذَكِّر بما قيل عن ابن خلدون، الذي كان إذا تولى القضاء بدا عنيفا شديدا، فإذا عُزِل عنه بدا سهلا رقيقا رفيقا.
إلا أنه في هذا يخالف محمد عبده، فمحمد عبده رغم قربه من السلطة الإنجليزية التي كانت تحتل مصر، ورغم تشوقه الكامل لإصلاح حال الأزهر بما قد يقترب من رؤية محمد البهي (بالمناسبة: محمد البهي يرى نفسه من مدرسة عبده) إلا أنه حين كان يقع الاختيار بين "إصلاح" يفرضه الإنجليز فرضا على شيوخ الأزهر لم يكن يسعى في هذا بل كان يتوقف عنه، كان عبده في نهاية الأمر يريد أن يحتفظ للأزهر بهيبته ومكانته وألا يكون شأنه في متناول السلطة، لقد كان عبده مدركا أن الأزهر لم ينحط إلا حين سيطرت السلطة على أوقافه وشيوخه منذ محمد علي، وكان متحسرا على هذه الأزمة: فلا أهل الأزهر يرغبون في تطوير حاله، ولا إصلاحه سيكون على يد العدو المحتل، وقد روى رشيد رضا عنه في هذا الأمر ما يُصَوِّر حجم حسرته.
فارق محمد البهي محمدًا عبده في هذا النهج، وكان ذراعا للسلطة في ضرب الأزهر.
على كل حال، إن هذيْن القرنيْن، هما عصر الهزيمة.. وهو عصر تلتبس فيه الحلول على أهل العقول، عصر يصير فيه الحليم حيرانا، لا يدري ماذا يفعل.. والقاعدة عندي أن من ثبت ولاؤه للإسلام وهمّه في العمل له يوسع له في الإعذار ويُغَلَّب في شأنه حسن الظن، ولا يمنع هذا من الإنكار عليه والإشارة لما وقع فيه.
ونسأل الله أن يهدينا إلى أرشد الأمور، وأن يخرجنا من هذا الضعف والوهن.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق