الأربعاء، أكتوبر 03، 2018

مصانع الخيانة


روى الدكتور وليد سيف في مذكراته[1] أنه حين كان طالبا في لندن تعرف على عجوزٍ كان في شبابه جنديا بريطانيا خدم في فلسطين، يقول عنه: "صار بوسعه الآن بعد أن تحرر من التزامات الوظيفة أن يعبر عن تعاطفه مع الشعب الفلسطيني ويقر بدور بريطانيا في خلق نكباته ومآسيه... وإذ أجزم بصدق مشاعره في تلك اللحظات، فإني أجزم كذلك أنها ما كانت لتردعه أيام خدمته شابا في فلسطين عن النهوض بواجبات وظيفته بإخلاص وإتقان، مهما تكن جائرة بحق الشعب الفلسطيني. فالإنجليزي يُحسن الفصل بين عواطفه ومواقفه الفردية الذاتية من جهة، وبين مقتضيات وظيفته مهما تكن متعارضة مع الأولى من جهة أخرى. فالإخلاص لدولته ولعمله فيها مُقَدَّم على أي اعتبار ذاتي. وحديث الضمير مؤجل إلى ما بعد إنجاز المهمة. وليس عليه أن يلوم نفسه فيما لا يدخل في نطاق إرادته ومسؤولياته وتخصصه. فسياسة الدولة وقرارات الحرب والسلم من عمل الزعماء والساسة. واحترام الاختصاص والتراتب الوظيفييْن من عقائد الدين المدني. وكل ذلك نتاج حداثة غربية اندمجت فيها مفاهيم العقلانية (أو الترشيد) بالبيروقراطية (ومعناها الأصلي: التجرد من الاعتبارات الشخصية وتحكيم اللوائج والنظم في العمل والإدارة. وذلك بخلاف ما آل إليه المعنى عندنا إذ يفيد التعقيدات الإدارية المفرطة)، والاحترافية، والتخصص الوظيفي المجتمعي. وبقدر ما أسهمت هذه المفاهيم مجتمعة في تقدم المجتمع الغربي وقوته، أسهمت كذلك في قسوته وجفوته ووحشته. فمطلب الكفاءة في الإنجاز يمكن أن يُضَحِّي أحيانا بالاعتبارات الإنسانية والأخلاقية التي تلابس المهمة"[2].

هكذا طوَّرت "الحضارة" الغربية نظاما يمكن فيه للجندي أن يرتكب المذابح بكل وحشية (أو: بكل كفاءة) ثم إذا بلغ سنّ المعاش سمح لنفسه أن يتعاطف مع من ذبحهم بكل إخلاص (أو: بكل إنسانية)!!

***

هذه الصورة على بشاعتها وقبحها قد تبدو مفهومة في ميزان النظرة المادية المتجردة من كل اعتبار أخلاقي، لكن كيف يمكن أن يُقبل في أي ميزان أن يكون صاحب هذه المذابح رجل من أهل البلد نفسها، يعمل في خدمة المحتلين بكل وحشية (أو: بكل كفاءة؟!).. فلئن كان الإنجليزي يسمع ويطيع لحكومة هو انتخبها واختارها وهي تجعله في عافية ورفاهية وتؤمن له مستقبله ومستقبلا لأولاده، فما هي حجة وعذر من يفعلها من أبناء البلد المحتل؟!!

ما هي حجة فلسطيني يفعلها خدمة للإنجليز؟ أو جزائري خدمة للفرنسيين؟ أو مغربي خدمة للإسبان؟!.. وأيضا: ما هي حجة أي إنسان يفعلها خدمة لنظام جاء بالقهر والعنف والدبابة ومن ورائه جاء برغبة النفوذ الأجنبي المهيمن على بلادنا؟.. ثم ما هي حجة أي إنسان يفعلها وهذا النظام لا يُؤَمِّن له ولا لأبنائه طعاما نظيفا ولا تعليما مفيدا ولا طبا صحيحا ولا حياة طبيعية؟!

أحسب أني أعرف الإجابة: لقد فعلها هؤلاء جميعا لأن "الدولة" استطاعت صناعة عقيدة غرستها في النفوس.. لا يخلو الأمر من مكاسب يتمتع بها الخونة على سائر الناس لكن مجرد المكاسب لا تفسر وحدها هذا الإخلاص وتلك الوحشية (أو: الكفاءة) في خدمة النظام المحتل أو النظام المستبد.

لم يعد أولئك الذين يفعلون هذا يرون أنهم يخونون أو يظلمون، بل صاروا يحسبون أنهم يقومون بالواجب الوطني.. ومنهم من تفانى فيه حتى أهلك نفسه، وهو مقبل غير مدبر!!

***

هذه الصورة رواها د. خليل حسن خليل في مذكراته الروائية، وقد سُجِن في عهد عبد الناصر من بعد ما كان يعطي المحاضرات لعناصر الاتحاد الاشتراكي بل ومن بعد ما كان منتدبا للعمل في رئاسة الجمهورية، فسجل حوارا بينه وبين ضابط السجن الذي كان تلميذا له من قبل، سأله:

- هل تشترك في تعذيب المعتقلين؟
بهت الضابط عند سماع السؤال. تردد في الإجابة. ثم قال بصوت لا انفعال فيه ولا حسرة:
- طبعا!
-أنت؟! الإنسان الرقيق. التلميذ النجيب، ابن صديقي الحميم. لقد رباك أبوك تربية مهذبة طيبة.
- كل هذا اختفى أثناء تدريبنا في الكلية. ثم تلاشى تماما حينما وضعوا النجمة على كتفي!
- هل لا يدمى ضميرك، هذا التعذيب البشع الذي تباشره على الإنسان؟
- وهل يتعذب ضمير عشماوي حين يقصف برقاب المحكوم عليهم بالإعدام؟
- عشماوي يعدم الذين قضت المحاكم بإعدامهم.
- الفرق ليس كبيرا!
- ألهذه الدرجة؟
- نحن ضباط، نأكل العيش والجاتوه من هذه الوظيفة، ونتيه بها على الخلق. ونؤمر بالتعذيب فنستجيب.
- أتنفذون أوامر التعذيب بالضبط، أم تضيفون إليه؟
- أنا أنفذ العلاج الذي يضعه القادة بالضبط. أعطي للمريض الجرعة والحقن دون زيادة أو نقصان.
-كم أنت عادل!
- أنا أؤدي واجبي.
- وزملاؤك؟
- لا شأن لي بهم.
- علمت أن بعضهم ينهش لحم المعتقل، ويمصمص نخاعه، وكأنه وحش يستمتع بالوليمة.
- لا أريد أن أتحدث عن غيري. إنما لأنك أستاذي، وكنت تعطيني دروسا خصوصية بالمنزل مجانية، بحكم صداقتك لوالدي، سأقول لك:

التعذيب يثير في الإنسان غريزة غريبة. فبعض المعذبين يتشفى في المعتقل وكأنه عدوه، وكلما ألهب ظهره أو نفخ أحشاءه، كلما تملكته هذه الغريزة الحيوانية، وكلما اقترب من حرفة الجزارة! بفارق واحد، أن الخروف أو العجل يذبح ثم لا يحس بتقطيع أعضائه. وتبلغ الوحشية ذروتها، إذا بدت من المعتقل إشارة أو احتجاج أو تأفف. هناك يعتبر المعذب أنه أهين إهانة شخصية! لحقت بكرامته وعظمته وعظمة أسرته. فيتملكه سعار بربري، يصب أواره على المعتقل، وقد نفق كثير من المعتقلين بهذه الطريقة!
-  أنت تستخدم كلمة "نفق"؟
- في مثل هذه البيئة يستوي الحمار والإنسان[3].

***

خطر لي مرة وأنا أقرأ التحقيقات مع الثائر البطل أحمد عرابي أن أفتح ملفا لأحفظ فيه أسماء الخونة الذين حققوا معه، فقد كانوا يبذلون في التحقيق جهدا واضحا في المحاصرة والتضييق وانتزاع الأقوال! فما أكملت لحظة حتى عرفت أن المهمة ثقيلة والأسماء طويلة وكثيرة..

لقد صار الظلم والخيانة مؤسسة وجهازا ودولة، منذ عهد الطاغية الجبار محمد علي، حتى صارت وظائف كالشرطة والعسكر والقضاء والمخابرات والإعلام هي بنفسها معاقل لتفريخ وإنتاج وتصنيع الخيانة والعمالة للاحتلال الأجنبي والاستبداد الداخلي.. حتى إن النادر القليل منهم مَنْ لم يتلوث بالمشاركة في هذه الأوحال! وأندر منهم من استقال من تلك المؤسسات فنجا بنفسه، وأندر من كل هؤلاء من فكر في المقاومة والإصلاح..

ذلك أن هذه الدولة وهذه المؤسسات جعلت الخيانة والعمالة والتعذيب والتزوير والبشاعة مدرسة فكرية، وجهة نظر، فلسفة ومنهجا، دينا متبوعا.. لقد أنتجت هذه الدولة ومؤسساتها عقيدتها التي جعلت كل هذا ينتقل من معنى الخيانة والعمالة والظلم إلى معنى الواجب الوطني والنظام والشرف!
نعم.. صارت مهمة ثقيلة طويلة أن نتتبع أسماء من قبضوا على الوطنيين ومن حققوا معهم ومن حاكموهم ومن عذبوهم ومن شوهوا صورتهم بالأشعار والأغاني والمقالات.. قائمة لا تكاد تحصى ولا تُحصر ولا تنتهي..

وإن بعض العزاء أن التاريخ يصحح سيرته بعد سنين طويلة، كما قد أبقي اسم عرابي علما على الثورة والجهاد، وأبقى اسم الخديوي توفيق علما على الخيانة والعمالة!

***

لقد أنشأ الاحتلال وما زرعه في بلادنا من أنظمة تابعة له، أنشأ أجيالا تؤدي واجبها في حرب أبناء البلد دون هوادة، وبعض أولئك يقرأ الآن هذه السطور، لا بغرض التأمل في معانيها بل بغرض رصد وتحليل ما تحمله من أغراض ورسائل! ولقد ضرب الله مثلا بكلماته وله المثل الأعلى فأخبرنا أن الآية نفسها يضل بها كثيرا ويهدي بها كثيرا، وأن القرآن ينزل على بعض الناس هداية ويزيد الآخرين كفرا وفجورا. وما ذلك إلا لأن البعض نظر فيها يطلب منها الهداية والآخر نظر فيها يبحث عن مواضع الجدل ويلتمس النقص والعيب وإثارة الشبهات.

في لحظة كتابة هذه السطور تشن حرب محلية على أبسط مظاهر الدين، أغلقت السلطات في موريتانيا جمعية تكوين العلماء التي أنشأها الشيخ محمد الحسن ولد الددو، وهي جمعية تخرج من يتأصلون علميا بحفظ القرآن والسنة ومتون العلم، وبعدها بساعات صدر قرار من الحكومة الليبية التي لم يستقر لها قرار ولا تملك توفير رواتب للناس بعدم استقبال طلاب الابتدائي لمدراس التعليم الديني، وقبل ذلك عصف محمد بن سلمان بسائر الأنشطة العلمية والدعوية في مساجد بلاد الحرمين.. وأنى نظرت إلى بلد رأيت مثل هذا أو شيئا منه.

هذه الغارات العنيفة يقوم بها من يقولون بأنهم مسلمون، تحت عنوان مكافحة الإرهاب والتطرف، هذا مع أن سائر هذه الأنشطة والمؤسسات تبتعد تماما عن كل ما قد يثير حساسية الأنظمة والحكومات وأوليائهم، بل هي لم تنشأ أصلا إلا بموافقات وتصاريح أمنية ولم تمارس عملها إلا برقابة وتشديدات أمنية أيضا، أي أنها أبعد ما تكون عن هذه التهمة. وعندئذ لا يبقى لنا إلا تفسير من اثنين: إما أن هؤلاء القوم (تذكر دائما أنهم منتسبون للإسلام) يرون القرآن نفسه كتاب تطرف وإرهاب، وأنه مادة يجب مطاردتها وملاحقة تدريسها وتحفيظها. أو أنهم لا يفكرون في هذا أصلا وإنما يقومون بعملهم (بكفاءة) كما أُمِروا به، وطالما أنهم يقومون بوظيفتهم بكفاءة فلا معنى لأن يفكروا في شيء، ومن كان ينوي التفكير فليؤجله إلى لحظة سن المعاش كي يتعاطف مع من سجنهم وضربهم وآذاهم!

قبل أن ينشأ في بلادنا "صنم الدولة"، كان أهل العلم والفقه أصحاب مكانة وهيبة وتوقير، لا يجرؤ عليهم إلا من انخلع عامدا من الدين والأدب، ولا يتجاسر عليهم إلا من عرف من نفسه وعرف الناس منه السقوط والانحطاط.. أما حيث جاء صنم الدولة وانتصب معبودا فوق كل شيء، فلا ريب أن رغباته أوامر، وأن كل فرد في جهاز هذه الدولة إنما هو "عبد المأمور"!

إن أمام المجاهدين عملا طويلا ثقيلا لكسر هذا الصنم، وإعادة المرجعية العليا لتكون لله ورسوله، والعلماء هم أوائل المسؤولين عن إرجاع حجم "الدولة" لتكون خاضعة لله ولرسوله ولشريعته، وعليهم بذل المجهود كله في إفهام الناس أن كل ما خالف الدين هدر لا قيمة له ولا كرامة ولا احترام ولو صدر من الدولة، ولو قرره برلمانها ولو طبل له إعلامها..

إن حقيقة الصراع في كونه صراعا على السيادة، على المرجعية العليا، هل تكون لله أم لغير الله! وسيظل أهل العلم والدين والجهاد يتعرضون لإيذاء هذه الدولة مهما حاولوا الابتعاد عنها، فإنها تعرف أن عملهم في حقيقته هو تعظيم الدين ليكون مرجعية فوقها، ولتكون هي خاضعة له.. وهذا أمر لا يسمح به صاحب الباطل إلا مضطرا!

وهذا هو حقيقة التحرر والتحرير، وحقيقة الإخلاص والتوحيد.. أن يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، وألا يكون أحد من الناس عبدا لنظام أو ملك أو رئيس أو وظيفة، يضطر معها إلى إلغاء عقله وتجميد ضميره لتنفيذ الأوامر بكل كفاءة!! أو يضطر معها للإيمان بأفكار رؤسائه وابتلاع كلامهم كي لا يعيش تعذيب الضمير وإلغاء العقل إذ ينفذ أوامرهم بكل كفاءة!!

حقيقة التوحيد والتحرر ألا يصرف الإنسان طاعته إلا لله.. وإعادة غرس هذا في الناس مهمة عظيمة بعد تضخم أجيال آمنت "بالدولة" حتى حاربت في سبيلها أخلص أبنائها وصفوة عقولها.

***

لئن كان بعض العزاء أن التاريخ سيصحح مسيرته بعد تبدل القوى وتغير الحال، إلا أن العزاء كله، وهذا هو ما يشفي الصدر حقا، أن الحساب الأخير عند الله تعالى، الله الذي لا يغفل ولا ينام ولا تخفى عليه خافية ولا يفلت منه أحد ولا تغيب عنه هفوة.. فهذا هو العزاء حقا.. وهذا هو شفاء الصدر حقا.. وتلك هي الطمأنينة حقا!

فسبحان الله.. الحق العدل المبين..

سبحان الذي قال:

{أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا، وأنكم إلينا لا ترجعون؟}
{ووضع الكتاب، فترى المجرمين مشفقين مما فيه، ويقولون يا ويلتنا، مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها}
{يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون * يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق، ويعلمون أن الله هو الحق المبين}
{عالم الغيب، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين}

ألا إنه لولا الله ولولا الدار الآخرة لكان نعيم هذه الدنيا في الانتحار والخروج منها.. فلله الحمد الذي جعل لعباده آخرة وحسابا وميزانا دقيقا، فلا يفلت منه عقوبته ظالم ولا من عدله ورحمته مظلوم.



[1] وهو لمن لم يعرف أفضل من كتب في الدراما التاريخية على الإطلاق، وهو قبل هذا أستاذ جامعي وأديب وشاعر ومفكر، وهو فلسطيني من
[2] وليد سيف، الشاهد المشهود، ص404، 405.
[3] د. حسن خليل حسن، الوارثون، ص369، 370.