الأربعاء، سبتمبر 05، 2018

العوائق الأربعة أمام عقل التحرر والمقاومة

نحن في صراع مع النظام العالمي الذي بناه الغرب، وهذا النظام أنتج أفكاره وقيمه ومعاييره وجعلها ثقافة عالمية غالبة، يرسخ لها بسلاحه ونفوذه السياسي كما يرسخ لها بقوته الإعلامية والفكرية، وبقدر ما تترسخ أفكاره بقدر ما يترسخ نفوذه وسلاحه، وبقدر ما يترسخ نفوذه وسلاحه بقدر ما تنتشر وتهيمن أفكاره.

والمحنة التي يعانيها الفكر الإسلامي منذ مائتي سنة (التي هي عمر التفوق الغربي وهيمنته على بلادنا) هي محنته مع هذه الثقافة الغربية الغالبة، وانقسام المدارس الفكرية الإسلامية هو في الواقع انقسامها في استجابتها لهذا التحدي، فهناك من سعى للتوفيق والمصالحة وهناك من سعى للرفض والمواجهة، وفي كلٍّ درجات ومنازل وأطياف من الثبات ومن الانحراف.

وإن أمر التحرر والمقاومة هو من صميم هذه المحنة العاتية.. فإن أقصى ما تريده الثقافة الغربية الغالبة أن يعتنقها أولئك المهزومون الضعفاء ليكونوا من أبنائها (أو بالأحرى: عبيدها)، ومن ثم فلن يفكروا في المقاومة أصلا بل سيعتبرون لحظة احتلالهم هي لحظة الفتح الغربي لبلادهم! كذلك فإن أقصى ما تريده الثقافة الإسلامية أن تعود الأمة إلى دينها الصافي الأول كما نزل على نبيها دون شوائب ودون تأثر بالمكونات الأجنبية الدخيلة التي جاءت من عصور التخلف والاحتلال..

لهذا كله فإن المقاومة والتحرر والثورة هي في النهاية علامة على مدى نجاح المعركة بين الثقافتين والحضارتين: الغالبة والمغلوبة، فما دامت الأمة تقاوم وتسعى للتحرر فهي لا تزال وفية لنفسها ودينها وتاريخها، أما حيث فقدت روح المقاومة والتحرر فإنها تعبر عن مرحلة احتضار مفزعة.

لكن الأمر ليس دائما بهذا الوضوح، ليس المشهد منقسما بين متغربين يمارسون الدعوة للحضارة الغربية وإسلاميين يمارسون الكفاح والمقاومة والتحرر، لقد وُلِد من رحم المدرسة الفكرية التي سعت للإصلاح وبفعل أزمنة الاستضعاف ظواهر من دعاة ومفكرين ونخبة محسوبة على المدرسة الإسلامية لكنها تعتنق أصول الحضارة الغربية، بل وتمارس ما ترى أنه "تجديد" في الفقه والتراث الإسلامي، وهي في صف الثورات عموما، وفي صف المعارضة للأنظمة الحاكمة، لكن البديل الذي تدعو إليه والمجتمع الذي تنشده هو صورة من البديل والمجتمع والنظام الغربي.

أولئك لا يرون مشكلة أمتنا في الاستضعاف والاحتلال وحكم العملاء بقدر ما يرونها في تراثنا الفقهي ومسيرتنا التاريخية وإنتاجنا الحضاري، وأشد ما يزعجهم ويسيطر على كتابتهم هي المسائل التي تمثل تناقضا بين الحضارتين كقضايا المرأة وأحكام الجهاد وأحكام أهل الذمة والحدود (وبالذات: حد الردة وحد الرجم)، ويرون أن أصل المشكلات إنما هي ما فعله معاوية، وبعضهم يمدها إلى الحسن بن علي باعتباره أول من تخلى عن الشرعية السياسية تحت وطأة الضرورة (رغم أن النبي مدح فعل الحسن!!)، وبعضهم يمدها إلى سقيفة بني ساعدة، وبعضهم انصب تجديده على الأصول يحاول تفكيك المناهج الإسلامية المستقرة التي اجتمع عليها العلماء في الاستنباط والتعامل مع النصوص، وبعضهم يجدد اللغة لتفكيك معاني ومفاهيم المصطلحات القرآنية والنبوية المستقرة ليُخرجها من دلالاتها التي استقر عليها فهم المسلمين وبُنيت عليها الأحكام، وبعضهم يحاول التفلت برفع راية المقاصد التي لا تستنبط من الأحكام بل تهدر الأحكام وتخرقها، فكأن المقاصد فوق الأحكام وليست ثمرة لها!

النقاش مع هؤلاء يطول في المجال الفكري، لأن لهم آثارا فكرية مريعة ومدمرة، وقد ذكرنا في مقال سابق كيف أن مهمتهم فاشلة، إلا أن الذي يهمنا الآن هو آثارهم المدمرة في باب المقاومة والتحرر والكفاح الذي تخوضه الأمة.
أولئك يجمع بينهم القول بأن الأمة ضلت في باب السياسة منذ معاوية أو منذ الحسن أو حتى منذ أبي بكر، وهم بهذا لا تفصلهم عن العلمانيين المتغربين سوى خطوة فكرية واحدة، كما لا تفصلهم عن الشيعة سوى نصف خطوة، فالعلمانيون يقولون ليس في الإسلام نظام سياسي وهؤلاء يقولون فيه نظام سياسي لكن لم يُطبَّق أبدا أو لم يُطبَّق سوى خمس عشرة سنة! والشيعة يقولون: كفر الصحابة وغيروا وبدلوا وأولئك يقولون: لم يكفروا ولكن غيروا وبدلوا وانتصرت عليهم شهوات النفس ومطامع الدنيا.. كذلك يجمع بينهم التعامل مع الديمقراطية والمنتج السياسي الغربي باعتباره أرقى ما توصلت إليه البشرية في تطورها، فهو إن لم يكن الحكمة التي علينا طلبها من أي أحد فهي على الأقل الحكمة التي فاتت صحابتنا وفقهاءنا وتراثنا وفارقت تاريخنا منذ بدأ وحتى الآن!!

وهذه النتيجة أفتك ما يصيب روح أمة وهي في مرحلة التحرر والكفاح والمقاومة، فليس يكافح إلا الذي ينطلق من إيمان جازم بأنه على حق وأنه يملك البديل الأحق لهذا الظلم الذي انطلق يواجهه، وحيث ليس لدينا نظام سياسي فإن غاية ما نفعله حتى لو انتصرنا أن نطبق النظام الغربي ونستورده. أي أن هذه المدرسة (وهي بالمناسبة أكثر المدارس "الإسلامية" تمتعا بالأموال والشهرة الإعلامية الآن) تضرب عقيدة المقاتل وثقته بنفسه ورؤيته لنفسه بأنه من خير أمة، ثم تأخذ به ليتلقى الدروس في مصانع الحكمة الغربية التي يواجهها!

والمشكلة أن بعضا من حركات التحرر والمقاومة تتأثر بإنتاج هذه المدرسة لما ترى من رموزها من المواقف الثورية والمعارضة للواقع الحاضر، وإني أشهد فيما أراه على الانترنت وفيما أراه من الواقع كثيرا من الطاقات التي تعطلت، وبعضهم وصل الحال به إلى أن ارتد أو ألحد أو تشكك، وكان في يوم ما من الطاقات الثائرة الباسلة التي كادت تفقد حياتها في مواطن ثورية. كذلك أشهد خطابات لجهات وكيانات محسوبة على الثورات قد فقدت روحها الإسلامية الثائرة والمعتزة وصارت تميل إلى اللغة السياسية التي تكثر فيها الاستدراكات والاحترازات.

وهذا ما يجعل الأمانة ثقيلة ثقيلة ثقيلة على من وهبهم الله شيئا في باب التفكير والتنظير ونشر الوعي لترشيد المقاومة، وفي محاولة مني لوضع خطة أمام هؤلاء الذين تحملوا هذه الأمانة للقيام بها في باب التحرر والمقاومة وجدت أن الأمر يتلخص في أربعة عوائق رئيسية:

الأولى: معرفة حكم الإسلام في المسألة مع التخلص التام من ضغط الواقع وسطوة الثقافة الغالبة.

الثانية: معرفة موقع هذا الحكم من المنظومة العامة للإسلام، وكيف سار تطبيقه في التاريخ الإسلامي، والمراحل التي مرَّ بها.

الثالثة: معرفة رؤية الحضارة الغربية لهذه المسألة نفسها في كتابات المنظرين والمفكرين والفلاسفة، وموقعها ضمن المنظومة الفكرية الغربية العامة.

الرابعة: معرفة التطبيق الغربي لهذه الفكرة في الواقع العملي، وهل جرى تطبيقها في نفس السياق الذي أراده الفلاسفة والمفكرون حين أنتجوها أم أن الفكرة المبهرة التي صيغت في الكتب لم يكن لها مجال واقعي، وظلت كاللعبة يُشار إليها للفت نظر الصبيان وتغرير المغفلين وإلهائهم؟!

إذا اكتملت في العقل هذه الأمور الأربعة اتضح طريق الهداية والنور لحركة المقاومة والتحرر أولا، ثم لسائر الحركة الفكرية التي تقاوم في ثغور الكتابة والتنظير والتفكير.

سنضرب هنا بعض الأمثلة لتوضيح الصورة، وسنختاره من أشهر الشبهات التي تروج في إنتاج هذه المدرسة، وسنختارها من الشبهات المتعلقة بالجهاد والمقاومة والثورة:

[1]

تُزَيَّن الديمقراطية الغربية باعتبارها النظام الذي منح الشعوب حقوق الاعتراض، ومنع السلطة من الظلم وغلَّ يدها عنه، في مقابل التراث الفقهي والنصوص التي شرعنت الظلم وشلَّت الأمة عن الاعتراض عليه، كما في الحديث "تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك".

لتفكيك هذه الفكرة ينبغي تجاوز العوائق الأربعة: فهم حكم الإسلام في هذه الطاعة للأمير الظالم، ثم فهم كيف جرى تطبيق هذا الأمر في تاريخ المسلمين، ثم البحث عن رأي الفكر الغربي في هذه الطاعة، ثم البحث عن التطبيق العملي لهذه الفكرة في التاريخ الغربي الحديث.

1. سنجد أولا أن علماء الحديث مختلفون في صحة هذه الزيادة "وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك" فبعضهم يقول هي صحيحة، وبعضهم يقول: هي ضعيفة لا يؤخذ بها. سنمضي الآن مع من قالوا إنها صحيحة، فسنجد الفقهاء مختلفين في تنزيلها على قولين؛ الأول: أن الحاكم إذا ضرب ظهرك في عقوبة شرعية كحد الجلد في السرقة أو في الخمر وإذا أخذ مالك شرعا كالزكاة فتلك من حقوقه التي لا يجوز لك أن تخرج عليه بسببها بل تظل على الطاعة والولاء واحترام النظام، والثاني: أن الحاكم إذا ظلمك فضرب ظهرك وأخذ مالك فلا ينبغي أن يثور بك الغضب فلا تقدر عواقب الخروج عليه، بل إن كانت المصلحة في الصبر واحتمال الأذى منه أكبر من المفسدة المترتبة على الثورة والخروج عليه فاحتسب ذلك عند الله واصبر.

 وهكذا نجد معنى السمع والطاعة للأمير الظالم في أدنى حالاته يساوي معنى احتمال الأذى الخاص رعاية للمصلحة العامة.

2. فإذا نظرنا إلى التاريخ الإسلامي، وكيف فهم المسلمون الأوائل هذا النص وعملوا به، وجدنا أنفسنا أمام طوفان من الثورات والتمردات، لا سيما في الصدر الأول، وهم خير القرون وهم كذلك أفقه الأمة، فلقد سعى الأكثرون في تغيير المنكر بالسيف وإن لم يتيقنوا من قدرتهم على تغييره، وأكثر الصحابة إما قاتل مع علي أو مع معاوية ومن اعتزل فإنما اعتزل لأنه لم يتبين له الحق، وسائر الأئمة الكبار تعرضوا لغضب السلاطين وكثير منهم أنشب ثورة أو شارك فيها أو حرض عليها أو أفتى بما يدعمها، وهذا أمر يطول استقصاؤه، حتى قال الشهرستاني بأن مسألة الإمامة (أي: أمر السياسة) هو أكثر ما سُلَّ فيه السيف في الإسلام. أي أنك أمام أمة ثائرة حتى إنه ليمكن تفسير الفقه المصلحي الداعي إلى السمع والطاعة في القرون المتأخرة بأنه رد فعل على نتائج الثورات التي لم ينجح أغلبها (كما هي سيرة كل ثورات البشر في كل تاريخ البشر) فكانوا أقرب إلى التهدئة، وهو ما يظهر في قول ابن حجر المشهور بأن الخروج "مذهب للسلف قديم".

والمعنى الذي نريد قوله هنا أن المسلمون لم يتحولوا بهذا النص إلى عبيد لمن حكمهم وتغلب عليهم، ولعل دولة الأمويين هي الدولة التي واجهت أكبر عدد من الثورات في تاريخ الإسلام، وهي أول دولة ظهر فيها الحاكم المتغلب (عبد الملك بن مروان)، برغم إنجازاتها هائلة في الفتوح ونشر الإسلام ووحدة الأمة من الصين حتى فرنسا.

3. فإذا حاولنا استطلاع وفهم هذه المسألة في الفكر القانوني الغربي، الذي يُعرض لنا كواحة للعدالة في مقابل تراثنا المظلم، وجدنا عجبا.. إن المدارس القانونية الغربية تُلْزِم بطاعة القوانين غير العادلة، لأن إتاحة الخروج عليها لكل من يرى أنها غير عادلة يساوي اختلال النظام واضطراب الدولة، أي أن الفكر القانوني الغربي يُنَظِّر ويُشَرْعِن لفكرة "تسمع وتطيع للنظام وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك". هذا فضلا عن أن أصل نظرية السيادة في الفكر الغربي إنما تؤول عمليا إلى مراكز القوى (أي: المتغلب) في لحظة كتابة الدستور، أي أن المتغلب القوي هو الذي يصنع نظرية السيادة أولا ثم يصوغها في دستور ثم تتفرع عنه القوانين، التي تكون كلها ملزمة للشعوب ولا يجوز لهم خرقها ولو كان رأيهم أنها غير عادلة.

ومن فضلك لا تنسى أن المتغلب في التاريخ الإسلامي لم يكن يستطيع أن يغير المرجعية العليا الحاكمة (القرآن والسنة) ولا كان يستطيع –ولو توفرت له القدرة- أن يتغول على المساحات المجتمعية التي يتولاها العلماء والأعيان وغيرهم، لأنها محروسة أيضا بنصوص مقدسة.

4. فإذا ذهبنا إلى متابعة الواقع الغربي في تطبيق هذه الفكرة، فسنجد أن التاريخ الغربي كان مخلصا في فرض القوانين بالقهر والقوة، وفي مقاتلة الخارجين عليها مهما كانت مبرراتهم أنها غير عادلة، بل ولما تغيرت الظروف وتغيرت هذه القوانين وحصل الاعتراف بأنها لم تكن عادلة لم يحصل ردُّ الاعتبار للقتلى ولا تعويض المضارين الذين ثاروا أساسا على هذه القوانين التي اتضح بالفعل أنها غير عادلة. (انظر تفصيل هذا في هذا المقال للشيخ الفذ الأسير: إبراهيم السكران، سجين آل سعود، فرج الله عنه.. ففيه طواف في المدارس القانونية والوقائع التاريخية الغربية).

وهكذا مع تفكيك هذه العوائق الأربعة نصل بوضوح إلى أن الديمقراطية المعاصرة لا تتميز لا من حيث النظر ولا من حيث التطبيق على الشريعة الإسلامية، بل هي أدنى وأحط، لأن المستقر عندها "الخضوع للنظام ولقوانينه غير العادلة" هو المختلف فيه لدى الفقهاء، بل هو مساوٍ لأدني تفسيرتهم للطاعة رعاية للمصلحة العامة.. فضلا عن أمور أخرى كثيرة.

[2]

تُعْرض الديمقراطية المعاصرة في ثوبها اللطيف المُزَيَّن باعتبارها النظام الذي أنتج تداولا سلميا للسلطة، يذهب رئيس ويأتي رئيس، في حين ارتكست مسيرتنا الحضارية منذ لحظة تنازل الحسن بن علي لمعاوية عن الخلافة رعاية لمصلحة الأمة ففرط بهذا في الحق الذي معه تحت وطأة الضرورة، وهو ما أدى إلى استمرار التوريث الذي لا زال ينكبنا حتى هذه اللحظة.

لنفكك هذا الكلام في ظل العوائق الأربعة التي ذكرناها:

1. فمن حيث حكم الإسلام فنحن أمام اتفاق معروف بأن منصب الإمامة منوط باختيار الأمة، فتركه النبي ولم يُسَمِّ من بعده خليفة لكي لا يكون نصب الخليفة نصا شرعيا، وهكذا قال أبو بكر في أول خطبته، وهكذا سار العمل في زمن الراشدين.. ومنتهى القول في هذه المسألة أن مسألة التوريث هذه لم يقبلها الصحابة وكبار التابعون في زمن معاوية إلا تحت وطأة الاضطرار والخوف من وقوع الفتنة إذ يتعذر جمع الناس على خليفة يرضون به جميعا، فسَلَّموا بأن تحكم العصبة الأقوى المؤهلة لقيادة الأمة، مع بقاء الحكم الشرعي نفسه واضحا يردده الفقهاء منذ وُجِدوا إلى زماننا هذا.

أي أن الإسلام لم يشرعن التوريث، لم يحض عليه، بل ولا يقبل به إلا في حالة الاضطرار والضرورة.. هذا من حيث حكم الإسلام نفسه.. وهذا في وقتٍ كانت كل أنظمة الدنيا ملكية وراثية من الصين حتى غرب أوروبا، فالإسلام لم يكن متأثرا بالواقع الأرضي بل كان متفوقا عليه ومبتكرا لنظام تختار فيه الأمة من يحكمها، وهي الفكرة التي كان مجرد طرحها في بلاط ملكي يثير الضحك ويلقي بصاحبها في الموت متهما بالجنون!!

أما من حيث أن التوريث هو سبب نكبة الأمة الآن، ففي هذا اختلاف شديد جدا، ولا يُسَلَّم بهذا القول، فالأمة عاشت حضارتها التي ازدهرت وكانت قوة عظمى عالمية ألف سنة في ظل الملك العضوض والتوريث، ككل أمم الدنيا شرقا وغربا وككل حضارات الدنيا التي ازدهرت في ظل النظام الملكي الوراثي. وقد احتلنا الغرب ونهبنا وقهرنا منذ كانوا في نظامهم الملكي الوراثي بداية من إسبانيا الكاثوليكية التي افتتحت عصر الكشوف الجغرافية. ثم إن أمتنا منكوبة الآن على يد الملوك والعسكر الجمهوريين معا، فالنكبة تعم من ورثوا أولادهم ومن لم يورثوا.

2. العائق الثاني: كيف سار هذا الوضع في التاريخ الإسلامي؟ والإجابة: سار مسيرة الأمر الواقع الذي يسوق إليه الاضطرار، والذي لا يلقى استسلاما من بقية الأمة، بل سيرة الثورات والتمردات مستمرة، مع بقاء الضمير العام متطلعا إلى نظام الخلافة الراشدة، ومع استمرار المحاولات بقدر ما أتاحت الظروف والإمكانات، ومن وقف بجانب الملوك إنما وقف بجانب استقرار النظام وتقديم مصلحة الأمة.

3. فما هو موقع موضوع التوريث من الفكر الغربي؟ والإجابة: أنه لم تخرج فكرة التمرد على النظام الملكي نفسه وصناعة النظام الجمهوري ليحكم دولا كبيرة إلا قبل قرون قليلة (قرنان أو ثلاثة أو أربعة على الأكثر)، وما قبل ذلك إنما كان الحكم الديمقراطي علامة على المدن الصغيرة سواء أكانت مدن اليونان قديما (والتي انتهت تحت جحافل الرومان) أو المدن الإيطالية في العصر الوسيط والتي انتهت أيضا تحت جحافل الملوك أو البابوات.. ولذلك ظلت فكرة الحكم الديمقراطي نفسها وإن نجحت في إدارة الشأن الداخلي إلا أنها عاجزة عن التوسع والتمدد والنجاح في دولة كبيرة بل وظلت عاجزة عن حماية نفسها من تغول الدول الكبيرة المجاورة. وهكذا ظل نظام التوريث الملكي هو النظام السائد في الفكر والتطبيق التاريخي في أوروبا إلى ما قبل عصر الثورات الجمهورية التي يؤرخ لها بالثورة الفرنسية (قبل حوالي قرنين فقط).

على أنه يُنازَع أيضا، وبقوة، في أن مسألة رفض الملكية والتوريث كانت تطورا فكريا وارتقاء غربيا في مدارج الإنسانية، بل الأمر مزيج من عوامل اقتصادية وسياسية ودينية صنعت شكل الدولة الحديثة ضد الكنيسة والملكية والإقطاع (هذا المقال مجرد مثال يثبت أن المسألة لم تكن أفكارا).

4. فما هو موقع موضوع التوريث من التطبيق الغربي؟ والإجابة: أن هذا أيضا موضع شك كبير، ففي كثير جدا من المؤلفات الغربية حديث متكرر عن أن الديمقراطية وتداول السلطة هو مجرد مسرحية تدور أمام الشعوب بينما تتحكم بها مراكز القوى الحقيقية والخفية.. تلك هي مراكز الأموال الضخمة التي تملك تمويل وتسيير وإنتاج وإخراج المسرحية السياسية، يستدلون على ذلك بكثير من الشواهد منها: أن السياسة فعليا لا تتغير مع تبدل الرؤساء إلا كما يغير أحدهم ثوبه، وأن العائلات الغنية الكبرى لا تزال هي التي تتوارث المال منذ أربعة قرون فكأنها هي العائلات الملكية التي فضَّلت ألا تكون في واجهة المسرح وقدَّمت بدلا منها عرائس تحركها من الخلف. وحركة الإنتاج الفكري التي تتحدث عن السيطرة المالية الاقتصادية على السياسة كلها –تقريبا، وفيما أعلم- تؤول إلى الحديث عن مراكز القوى الحقيقية الخفية وشبكات المصالح والسيطرة التي لا تتغير بالانتخابات، ولا تُستدعى أمام البرلمان، ولا تحاكمها وسائل الإعلام.. بل كل هذه الأمور إنما هي وسائلها التي تتحكم بها في المشهد.

إن الحديث أن الغرب بالديمقراطية المعاصرة تجاوز التوريث ووصل إلى تداول حقيقي للسلطة هو أمر مُتَنَازع فيه ومختلف فيه بقوة. وقد سجل صحافي أمريكي مشاهدات خطيرة في كتابه ذي العنوان الكاشف "أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراؤها".

والمقصود من كل ما سبق: أن التوريث الذي يُعيروننا به لم يكن شرعا بل كان اضطرارا، وليس هو بنفسه سبب النكبة (إذ حضارات العالم القديم ازدهرت في ظل أنظمة ملكية وراثية)، كما أن الغرب لم يتخلص عمليا من التوريث، وهذا التداول في السلطة مشكوك في حقيقته من الغربيين أنفسهم.

[3]

وأختم بهذا المثال، ولن أطيل فيه فقد طال المقال:

يُعيّروننا بأحكام الجهاد التي فيها جهاد الطلب، ويرون أنه اعتداء وعدوان على الأمم الأخرى ولو كانت مسالمة، بينما جاء النظام العالمي بسيادة الدول ومنع الآخرين من التدخل في شؤونها.

1. فأما حكم الإسلام في المسألة نفسها فهو متعلق بمسألة "هل الأصل في العلاقة بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى: السلم أم الحرب"، فالجمهور على أنه السلم وقال الشافعية بأنه الحرب، وفي المسألة تفاصيل كثيرة ليس هذا موضعها، لكنها جعلت بعض المعاصرين يجعلون المسألة على العكس فيقولون بأن الجمهور على أنها الحرب أو على أنها الدعوة.. ويُطلب الأمر في كتب الفقه لكن الذي نقصده الآن أن المسألة فيها خلاف بين الفقهاء.

ومنبع هذا الخلاف –فيما أرى- أن وقائع السيرة والتاريخ تحتمل الرأيين، فمن طبائع الواقع أن الباطل لا يطيق وجود حق إلى جواره، فسرعان ما تنشب بينهما المعركة.. ومن ثم فإن غزوات النبي وفتوحات الراشدين حين تُحلَّل فقيها فإنها لا تخلو من سبب عدائي من الطرف الآخر، ويأتي الخلاف من تقدير الفقهاء: هل لو لم يقع هذا السبب العدائي كانت ستتحرك الجيوش للغزو والفتح أم لا.

على كل حال هو نقاش نظري.. لكن المضمون العملي الكامن فيه هو: هل على الدولة الإسلامية مسؤولية أخلاقية لإنقاذ الشعوب الأخرى من الظلم والاضطهاد الواقع عليها من الأنظمة الباطشة؟ فيكون الفتح إنقاذا لها ولو لم يقع من هذا النظام الباطش بشعبه خطر على المسلمين والدولة الإسلامية؟

2. العائق الثاني: كيف جرى تطبيق هذا في تاريخ الإسلام؟ والإجابة: سبقت خلاصتها في السطور السابقة.. فقد توسعت دولة الإسلام توسعا كبيرا وغزت جيوشها أطراف الصين وحتى جنوب فرنسا، ووصلت إلى موسكو شمالا وإلى وسط إفريقيا جنوبا.. وكانت –كما نرى ونعتقد- أوسع عملية تحرير للشعوب في تاريخ البشر، ونحن الفاتحون الذين أقاموا العواصم الحضارية في أقصى الشرق والشمال وفي أقصى الغرب والجنوب بينما قصص الاحتلال هي قصص امتصاص موارد البلاد ودماء الشعوب لتتضخم عواصم الإمبراطورية.. وفي عموم التاريخ الإسلامي كانت عواصم الشرق والغرب أزهى حضاريا من مكة والمدينة وأحيانا أيضا: بغداد ودمشق (وهي عواصم الدولة الإسلامية).

3. العائق الثالث: كيف يرى الغرب مسألة جهاد الطلب؟ والإجابة: وثائق المنظمات الأممية فضلا عن إنتاجات المفكرين حافلة بأن الغرب لديه مسؤولية أخلاقية في نشر ما يراه حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية والقيم الإنسانية.

4. العائق الرابع: كيف كان تطبيق جهاد الطلب عمليا في التاريخ الغربي؟ والإجابة: سل خمسة قرون تبدأ من الإسبان في عصر الكشوف الجغرافية وحتى لحظة قراءتك لهذا المقال: عن استعمار إفريقيا والأمريكتين واتخاذ ملايين البشر عبيدا وطواف السفن من ماجلان وكولومبوس حتى القواعد العسكرية البحرية في المحيطات والبحار حول العالم.. الجواب واضح.

إنما المأساة هنا في أن ترى "مفكرا" ينادي على الغرب (يسميه: المجتمع الدولي) أن يتدخل لإنقاذ شعب من حاكمه الجلاد، كما في سوريا مثلا، ويرى في توجيه الضربات العسكرية للنظام ومساندة الثورة عليه عملا جليلا وإنسانيا ونبيلا.. ثم هو هو نفسه يريد أن "يجدد" الإسلام فيحذف جهاد الطلب لأنه لا يناسب المعايير المعاصرة والتقدم الإنساني الذي وصلت إليه البشرية!!

لئن كنتَ ترى أن تدخل القوي لإنقاذ الضعيف واجب إنساني.. فما الذي جعله بردا وسلاما للأمريكان ووثائق المنظمات الدولية حرًّا ونارا على المسلمين وتراثهم الفقهي؟!!

الخلاصة:

أكثر تشغيبات الذين يريدون "تجديد" الإسلام وتنقيح تراثه الفقهي وتطويره بما يتلاءم مع العصر هم في الحقيقة منسحقون أمام الثقافة الغالبة، ومن شدة انسحاقهم تشوهت لديهم معرفة ثقافتهم ومعرفة الثقافة الغالبة معا.. وهذا أمر لا بد لا بد لا بد أن تتحرر منه حركات المقاومة والتحرر، فلا مقاومة ولا تحرر إلا بنفسية تؤمن بأنها الأصلح والأحق وأنها على الخير والهدى، وحتى يتحقق ذلك فالأمانة التي على واجب العلماء والفقهاء والمفكرين والكتاب أن يحللوا كل مسألة في ضوء هذه العوائق الأربعة لتتضح الصورة التي نؤمن بها أننا خير أمة أخرجت للناس، وأننا جند الله وقدره الغالب ولو بعد حين!