الأربعاء، سبتمبر 07، 2016

الأتراك في بلاط الخلافة العباسية

مَثَل التمزق والفرقة التي أصابت العرب كمثل الذي أصاب الفرس، إلى جانب تنامي قوة الشعوبية الفارسية التي تطمح إلى إعادة ملك الفرس وأمجادهم، مما جعل الاعتماد على العناصر الفارسية في القتال أمرا لا يُطْمَأنُّ إليه تمامًا، فبدأ المأمون وعبر أخيه إبي إسحاق (المعتصم) في ضم الجند من العناصر التركية التي ما زالت تحتفظ بالقوة والبداوة والشجاعة ولم تصبها فرقة كالتي أصابت العرب والفرس[1]، ولم تَفْشُ فيهم أفكار متمردة كالشعوبية أو العلوية أو الخارجية، تلك الأفكار التي جعلت كثيرًا من الجند وأمرائهم يشاركون في الانقلاب على الخلفاء كالأمين وإبراهيم بن المهدي!

فكان المعتصم يرسل مبعوثه جعفر الخشكي إلى سمرقند حيث نوح بن أسد الساماني، ليشتري الأتراك ليكونوا العنصر القوي الجديد؛ الذي يمثل عصب جيش الخلافة، وكان هذا يتكرر سنويًّا في عملية دورية مستمرة؛ حتى مات المأمون وقد بلغ عدد الأتراك مع المعتصم نحو ثلاثة آلاف[2]، وقد رُصِدَت ميزانية كبيرة لهذه العملية إذ كان الواحد منهم يُشترى أحيانًا بمائة ألف أو مائتي ألف[3].

وحين تولى المعتصم الخلافة كان الوضع أمامه مضطربا معقدا، على هذا النحو:

ثورة بابك في أذربيجان تستفحل ولا يكاد ينفع معها قائدٌ فارسٌ ولا جيشٌ باسلٌ، وقد زادت خطورتها بالتحالف الذي تم بين بابك وبين الروم، فصار هؤلاء يقتنصون فرصة انشغال أولئك بحرب المسلمين معهم فيهجموا من ناحيتهم، كذلك ثورة الزط في البصرة وما حولها لا تزال قائمة ولئن استمرت فإن بغداد ستدخل في حالة ركود تجاري وأزمة اقتصادية مؤثِّرة .. هذا على مستوى الاضطرابات.

وأما على مستوى رجال الدولة فقد "وجد المعتصم نفسه في وضع حرج، فقد خيَّب المأمون أمل الخراسانيين من جديد بنكبته لبني سهل وبتركه لمرو ورجوعه إلى بغداد، وكان العرب في وضع متضعضع بعد مقتل الأمين، وزاد الطين بلة التفاف قسم كبير من الخراسانيين وجندهم حول العباس بن المأمون ضد المعتصم، فنَكَّل بزعمائهم وأساء الظن بهم، وكانت الدولة مهددة بثورة بابك المستفحلة، وبخطر البيزنطيين على الحدود، وبتذمر أهل الشام ومصر، فكان المعتصم بحاجة إلى عنصر عسكري جديد يسند سلطانه، فالتجأ إلى عنصر بدأ يتوارد كرقيق إلى البلاد الإسلامية قبله، كما أخذ الإسلام ينتشر في بلاده بصورة بطيئة، وذلك هو عنصر الترك... وكانت خطوة المعتصم هذه بعيدة المدى بنتائجها، فالترك آنئذ شعب بدوي ميزته الوحيدة الشجاعة العسكرية، فهو لا يفهم الأسس المعنوية للدولة العباسية، ولا خبرة له بالإدارة، ومجرَّد من كل ثقافة"[4].

على أنه ينبغي أن ننتبه إلى أن بداية الأتراك لم تكن من المعتصم، وإنما بدأت منذ المأمون، إلَّا أنَّ المعتصم استكثر منهم فزاد في شرائهم من بلادهم بل واشترى ما كان منهم مملوكا في بغداد من أصحابهم[5] وجعل اعتماده عليهم حتى بلغ عددهم لديه أربعة آلاف ثم ما زالوا يزيدون حتى بلغوا نحوا من عشرين ألفًا[6]، فشكلوا فرقة متميزة عن الجند وكانت أزياؤهم أرفع أنواع الديباج وعليها الأحزمة والزخارف المُذَهَبَّة[7].

ثم إن المعتصم بطبيعته الأقرب إلى العسكرية من المدنية ركز كل اهتمامه على تقوية الجانب العسكري فقيل في شأنه "مَلَكَ من آلات الحرب والدواب ما لم يتفق لغيره"[8]، وهو وإن استكثر من الأتراك واعتمد عليهم إلا أنه لم يهمل الآخرين تمامًا، بل كوَّن قسما آخر من الجيش سماه «المغاربة» وكان فيه جنود من حوف مصر وحوف اليمن وحوف قيس وغيرهم[9].

وهكذا، فلئن كان المأمون قد خاف من مساهمة الجند والأمراء في الانقلاب على أصحاب الخلافة كالأمين وإبراهيم بن المهدي فقد رأى المعتصم كيف كان هذا وشيكا عليه هو ذاته!

وإذن فقد كانت المزية الكبرى للأتراك متمثلة في قوتهم العسكرية مع خُلُوِّهم من الأفكار المتمردة كالشعوبية والعلوية والخارجية، فيما كانت المشكلة الكبرى أنهم قوم بلا حضارة، يغلب عليهم طابع الجفاء والغلظة، غير مستوعبين للمعاني المدنية الحضارية والأصول التي قامت عليها الخلافة العباسية.

وقد زرع الأتراك على هذين السبيلين أعمالًا مؤثِّرة، فلقد انتفعت الدولة والخلافة بقوتهم العسكرية أيما انتفاع ولكنها انتكست بعسكريتهم وبداوتهم وجهلهم بالحضارة والمدنية أسوأ انتكاس!

فعلى المستوى العسكري:

أنقذوا الدولة العباسية عسكريًّا، وحافظوا على بقائها، وحاربوا الثورات التي اشتعلت في الشرق والغرب والشمال والجنوب وأخمدوها، وبهم ظلت الخلافة العباسية كيانا يحتفظ بالقوة والصلابة والوجود .. وسيأتي هذا مفصلا في سياق استعراضنا لتاريخ الدولة العباسية، ولربما لو أن المعتصم لم يهتد لاستخدام الجند الأتراك لكانت الخلافة العباسية نسخة أخرى من الخلافة الأموية التي ما أكملت المائة عام حتى انهارت بعد أن أنهكتها الثورات وحركات التمرد .. لقد أعطى الأتراك دولة العباسيين مائة عام على الأقل من الحياة!

ولم تكن قوة الأتراك العسكرية كقوة الفارسيين بل كان التركي أقوى وأصبر على القتال بطبيعته البدوية حتى إنه إذا «سار التركي في غير عساكر الترك، فسار القوم عشرة أميال سار عشرين ميلًا؛ لأنه ينقطع عن العسكر يمنةً ويسرة، ويسرع في ذرى الجبال، ويستبطن قعور الأودية في طلب الصيد؛ وهو في ذلك يرمي كل ما دب ودرج، وطار ووقع، (فإذا ضعف الناس عن المسير واستكانوا للراحة) ترى التركي في تلك الحال وقد سار ضعف ما ساروا وقد أتعب منكبيه كثرة النزع، يرى قرب المنزل عيرًا أو ظبيًا، أو عرض له ثعلب أو أرنب، فيركض ركض مبتدئ مستأنف، كأن الذي سار ذلك السير وتعب ذلك التعب غيره»، كما أن التركي -أيضًا- قليل التكلفة يقوم بشئونه، فهو «الراعي، وهو السائس وهو الراكض، وهو النخاس، وهو البيطار، وهو الفارس، والتركي الواحد أُمَّةٌ على حدة»[10]، وهو يصنع سيفه بنفسه منذ إذابة الحديد وتشكيله وتحديده وصناعة مقبضه وغمده، وكذلك باقي السلاح دون أن يستعين بصانع[11].

وبالجملة: فالأتراك "في الحرب كاليونانيين في الحكمة، وأهل الصين في الصناعات، والأعراب فيما عددنا ونزلنا، وكآل ساسان في الملك والرياسة"[12]. وقد أكثر الجاحظ في نقل أقوال القادة وخبراء الحروب في قوة الترك وشجاعتهم ومواهبهم في القتال في رسالته "مناقب الترك".

وعلى مستوى البداوة والجهل بالمدنية والحضارة:

بدا واضحًا منذ اللحظة الأولى أن القوم عسكريون وبدو أقحاح، فنشبت بينهم وبين أهل بغداد الاشتباكات والمعارك فلا هؤلاء استوعبوا أنهم في عاصمة الدنيا ثقافة وحضارة ولا هؤلاء تحملوا بينهم قوما بأخلاق العسكر والصحراء.

وأدرك المعتصم نفسه الفارق بين الأتراك وبين الفارسيين، وبدا متحسرا وهو يسأل إسحاق بن إبراهيم بن مصعب الطاهري -والي بغداد- في لحظة صفاء ومودة: "يا أبا الحسين، في قلبي أمر أنا مفكر فيه منذ مدة طويلة وإنما بسطتك في هذا الوقت لأفشيه إليك. فقلت: قل يا سيدي يا أمير المؤمنين فإنما انا عبدك وابن عبدك: قال: نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعة أنجبوا واصطنعت أنا أربعة لم يفلح أحد منهم، قلت: ومن الذين اصطنعهم أخوك؟ قال: طاهر بن الحسين فقد رأيت وسمعت وعبد الله بن طاهر فهو الرجل الذي لم ير مثله وأنت فأنت والله لا يتعارض السلطان منك أبدًا وأخوك محمد بن إبراهيم، وأين مثل محمد، وأنا اصطنعت الأفشين فقد رأيت إلى ما صار أمره وأشناس ففشل آيه وإيتاخ فلا شيء ووصيف فلا مغنى فيه. فقلت: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك أجيب على أمان من غضبك؟ قال: قل، قلت: يا أمير المؤمنين أعزك الله نظر أخوك إلى الأصول فاستعملها فأنجبت فروعها واستعمل أمير المؤمنين فروعا لم تنجب إذ لا أصول لها. قال: يا إسحاق لمقاساة ما مر بي في طول هذه المدة أسهل علي من هذا الجواب"[13].

ومن الفوارق المهمَّة بين الفرس والأتراك أن علاقة العباسيين بالفارسيين كانت ثمرة دعاية طويلة كان الترك بعيدين عن تأثيرها، فلم يكن يربطهم بالخلفاء ولاء روحي أو تفاهم عقلي[14].

وبعد وفاة المعتصم استولى القادة الأتراك شيئًا فشيئًا على مقدرات الدولة، وعظم نفوذهم، ودخلت بهم الدولة الإسلامية لأول مرة في مرحلة «الحكم العسكري»[15] بكل ما فيه من سلبيات وكوارث بالغة الضرر على الأُمَّة والخلافة والدولة، لقد طاولوا الخلفاء، بل جاوزوهم واستولوا عليهم، وصاروا يولون ويعزلون بل ويعاقبون ويقتلون، مما أذهب هيبة الخليفة كشخص وهيبة الخلافة كمنصب، فيما ظل كيان الخلافة قائما، وبدأت بسببهم ظاهرة جديدة في التاريخ الإسلامي، ظاهرة من يملك ولا يحكم، وهي ظاهرة يمثلها قول الخليفة المغلوب على أمره[16] في لحظة طَلَبَ فيها مالا ولم يُعطه:

أليس من العجائب أن مثلي ... يرى ما قلَّ ممتنعا عليه
وتُملك باسمه الدنيا جميعًا ... وما من ذاك شيء في يديه

وقد تحمل المعتصم على هذا المستوى نقدًا كثيرًا من المؤرِّخين، غير أن أحدًا -فيما أعلم- لم يقدم بديلا كان على المعتصم اتخاذه في هذه الظروف العصيبة التي استلم فيها أمر الخلافة! وما من الإنصاف أن يتحمل المعتصم مسئولية ضعف الخلفاء من بعده وتسلط الأتراك عليهم، فكم من مريد للخير لا يدركه، والحمد لله الذي لم يعاملنا بنتائج أعمالنا بل جعل للمجتهد المخطئ أجرًا!

ولم يكن اعتماد الخلافة العباسية على الأتراك من الأمور التي مرت بسهولة آنذاك، بل نلمح في رسالة الفتح بن خاقان -وزير الخليفة المتوكل فيما بعد- إلى الجاحظ رفضا للقول بأن الأتراك عرق غير الخراسانيين ومحاولة كلها إلحاح وإصرار -وربما قلنا استعانت بالتلفيق والتدليس- للتقريب بينهما على هذا النحو «الخراساني والتركي أَخَوَان، وأن الحيِّز واحد، وأن حكم ذلك الشرق، والقضية على ذلك الصُّقع متفق غير مختلف، ومتقارب غير متفاوت. وأن الأعراق في الأصل إن لم تكن كانت راسخة فقد كانت متشابهة، وحدود البلاد المشتملة عليهم إن لم تكن متساوية فإنها متناسبة، وكلهم خراساني في الجملة وإن تميزوا ببعض الخصائص، فافترقوا ببعض الوجوه.

وزَعَمْتَ[17] أن اختلاف التركي والخراساني ليس كالاختلاف بين العجمي والعربي، ولا كالاختلاف بين الرومي والصقلي والزغبي والحبشي، فضلًا عما هو أبعد جوهرًا وأشد خلافًا. بل كاختلاف ما بين المكي والمدني، والبدوي والحضري، والسهلي والجبلي، وكاختلاف ما بين الطائي الجبلي والطائي السهلي، وكما يقال: أن هذيلًا أكراد العرب، وكاختلاف ما بين من نزل الحزون، وبين من نزل البطون، وبين من نزل النجود وبين من نزل الأغوار. وزعمتَ أن هؤلاء وإن اختلفوا في بعض اللغة، وفارق بعضهم بعضًا في بعض الصور، فقد تخالفت عُليا تميمٍ، وسفلى قيس، وعجز هوازن وفصحاء الحجاز، في اللغة، وهي أكثرها على خلاف لغة حِمير، وسكان مخاليف اليمن، وكذلك في الصورة والشمائل والأخلاق. وكلهم مع ذلك عربي خالص"[18].

لكن الزمان أكمل مسيرته، فقد كان زمان الخراسانيين في إدبار وزمان الأتراك في إقبال، وما هي إلا أعوام حتى صار الأتراك رجال الدولة، بل ودخلت الخلافة العباسية ذاتها «عصر سيطرة الأتراك»!!

نشر في تركيا بوست




[1] ابن قتيبة: المعارف ص391، ومحمود شاكر: موسوعة التاريخ الإسلامي 5/ 210.
[2] اليعقوبي: البلدان ص55.
[3] المطهر المقدسي: البدء والتاريخ 6/ 112.
[4] د. عبد العزيز الدوري: دراسات في العصور العباسية المتأخرة ص12، 13.
[5] اليعقوبي: البلدان ص55، والمسعودي: مروج الذهب 2/ 440.
[6] ابن كثير: البداية والنهاية 10/ 325.
[7] المسعودي: مروج الذهب 2/ 440.
[8] ابن كثير: البداية والنهاية 10/ 325.
[9] المسعودي: مروج الذهب 2/ 440.
[10] الجاحظ: رسائل الجاحظ 1/ 48 وما بعدها.
[11] الجاحظ: رسائل الجاحظ 1/ 72.
[12] الجاحظ: رسائل الجاحظ 1/ 71.
[13] الطبري: تاريخ الطبري 5/ 272.
[14] د. عبد العزيز الدوري: العصر العباسي الأول ص178.
[15] من أسوأ ما تبتلى به أمة أن تكون الطبقات العسكرية هي الحاكمة، فهذا أول علامات انهيار الحضارة وانحسارها، وقلما انتهى الحكم العسكري لبلد إلا بغزو خارجي يمثل النهاية الطبيعية والثمن الفادح للاستبداد العسكري.
[16]  قيل هو المقتدر العباسي - وهذا بعيد كما سنرى عن عهد المقتدر فيما بعد- وقيل هو هشام المؤيد بالله الأموي في الأندلس وهو أقرب وقيل غيرهما.
[17] الكلام هنا على لسان الجاحظ في رسالته للرد على الفتح بن خاقان.
[18] الجاحظ: رسائل الجاحظ 1/ 9 وما بعدها.