الأربعاء، فبراير 10، 2016

موجز تاريخ تركيا العلمانية (1)

ليس من شيء يؤثر في تاريخ البشر كالحروب، فبالحروب وحدها تتغير المصائر وتتبدل موازين القوى وتولد ممالك وتنهار أخرى، وتاريخ كل أمة ينقسم إلى فصول لا بد أن تكون مقدمته وخاتمته حروبا؛ فتلك حروب التأسيس أو التحرير، وتلك حروب الزوال والانهيار.

جرت هذه السُّنَّة على السلطنة العثمانية، كانت هزائمها المتتالية أمام الجيوش الأوروبية تزلزل القلوب وتحرك العقول بحثا عن السر والسبب، وكانت الإجابة الحاضرة هي: فلنتعلم من الغالب (أوروبا)، فتخلصت السلطنة من جيشها القديم، وذراعه الضارب: الانكشارية، واتجهت نحو بناء جيش حديث كتلك الجيوش التي توقع بها الهزائم، ففتحت المدارس الحربية واستجلبت المدربين والخبراء الأوروبيين، فكان من ثمرات هذا أن نشأ جيل من العسكريين ذا تأثر وهوى فكري غربي، أنبت فيما بعد الحركات العسكرية السرية التي انقلبت على السلطنة العثمانية وأسست الجمهورية التركية الحديثة على النمط الغربي[1]. ومن أهم طبائع هذا النمط الغربي هو القومية التي تتطابق فيها الحدود السياسية مع الحدود العرقية الدينية، وهذا وإن كان يصلح لإنهاء الحروب الأوروبية الطويلة إلا أنه كان مفجرا للأزمات في البيئة الإسلامية التي تعايش فيها عدد غير منحصر من الأعراق واللغات والأديان والملل في ظل النظام الإسلامي المختلف كلية والمناقض أساسا للنظام الغربي[2]. لقد اعتنق أتاتورك فكرة لا وجود لها وهي فكرة "الأمة التركية" التي لم تكن هوية ولا مطلبا شعبيا إلا أنه أصرَّ على خلقها وإيجادها[3]، وعلى هذا فلم يكن مناص من قهر البشر الكائنين داخل حدود "تركيا الحديثة" الجغرافية على قومية واحدة صارمة، حتى وإن لم يتفق هذا بأي وجه مع الحدود الدينية واللغوية والمذهبية الطبيعية كأنها عملية "خلق السلالات القومية"، فعُرِّف المواطن التركي بأنه (LAHSÜMÜT) وهي الحروف الأولى من: (علماني، حنفي، سني، مسلم، تركي)، فإن لم يكن الذي في هذه الحدود ضمن تلك القومية أو غير خاضع لها فهو عدوٌّ أو على الأقل: عدو محتمل[4].

أسفر كل هذا عن آثار بعيدة، داخلية وخارجية؛ ففي الداخل سُحِقت كل حركة معارضة -لا سيما إن صدرت عمن لا يشملهم التعريف التركي كالأكراد أو العلويين- بعنف بالغ وصل حد المذابح والتهجير والإبادة، وفي الخارج نفضت تركيا يدها من كل ما للدولة العثمانية من ميراث وعلاقات مع بلاد البلقان أو البلاد العربية[5]، وبإلغاء الخلافة قُطِعت آخر رابطة سياسية بين الأتراك وسائر المسلمين.

كانت العقود السياسية الثلاثة الأولى للجمهورية "ديكتاتورية في كل شيء فيما عدا الاسم"[6]، فعند لحظة إعلان الجمهورية كان أتاتورك رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس حزب الشعب الجمهوري والقائد العام للجيش، لقد قامت "الكمالية على سياسات التحديث الملغومة التي لا تعرف الهوادة"[7] ولا تفكر في تفاوض أو مشورة مع الشعب[8]، والتي فاقت سطوة بطرس الأكبر بل كانت النموذج الأقسى لمقولات ماركس وفيبر عن هدم وإزالة القديم[9]؛ فلقد وضعت القوانين لتكون "أداة خلق مجتمع جديد"[10]، فأغلقت المدارس الدينية وحل محلها تعليم رسمي علماني موحد (1924)، ثم أغلقت تكايا وإخوانيات الصوفية ومُنِع ارتداء الطربوش (1925)، وتغيرت العطلة الأسبوعية من الجمعة إلى الأحد، وأُدْخِل التوقيت الأوروبي بدلا من التوقيت التركي المبني على الصلوات والتقويم الميلادي بدلا من الهجري، وفي أقوى ضربة ثقافية حضارية حُظِر استخدام الحروف العربية واستبدل بها الحروف اللاتينية (1928) مما أنشأ جيلا منقطع الصلة بماضيه وتراثه كله، واستبدلت القوانين العثمانية بالقانون الإيطالي، وأُلْغِيَ تعدد الزوجات والطلاق، وقُرِّر رُفع الأذان بالتركية بدلا من العربية في سابقة تاريخية (1932م)[11]. لم تكن العلمانية التركية تعني فصل الدين عن الدولة بل إنتاج الدولة لدين يخدمها[12].

وسعى أتاتورك لكتابة تاريخ جديد لتركيا وعُهِد بالأمر لابنته بالتبني عفت عنان والتي كانت تلميذة في جنيف للمؤرخ الأنثروبولوجي يوجين بيتارد صاحب نظرية أن التاريخ هو صراع الأجناس العليا مع الأجناس الدنيا، فصدر عنها تاريخ عنصري يرى الترك جنسا أعلى موجود منذ قديم الزمان في منطقة الأناضول وله لغة عليا قديمة أخذت منها سائر اللغات، وصارت المهمة تنقية اللغة مما دخلها من العربية والفارسية[13].

والنتيجة النهائية من بعد ما كانت تركيا أرض الخلافة الإسلامية التي تحرك الجيوش شرقا وغربا دفاعا عن الدين صارت "دولة قومية علمانية يتصادف فيها أن يكون الإسلام دين الأغلبية"[14]، وهي الوحيدة التي يحفظ دستورها العلمانية ويستبعد الإسلام من أي دور[15]، وانقسمت تركيا إلى "نخبة مدنية متغربة وجماهير قروية ريفية متمسكة بالإسلام"[16]، وبينما يلوح في خيال هذه الجماهير ثورة إسلامية، فإن تلك الثورة بالنسبة للنخبة "كقيام الساعة"[17]. على أن كل ما حدث لم يؤد إلى إصلاح حقيقي، بل خلق "طبقة من الحداثة والأعراف والمعمار الأوروبي، والتي عملت على طمس ما تحتها من فقر وتخلف والكثير من التوترات العرقية والدينية"[18].

نشر في تركيا بوست


[1] كِرِم أوكْتِم: تركيا.. الأمة الغاضبة، ترجمة: مصطفى مجدي الجمال (القاهرة، سطور، 2012م) ص64، 66؛ Şherif Mardin: Religion and Secularism in turkey, in Albert Hourani [et al.] “The Modern Middle East” (Berkly and Los Angeles, University of California Press,1993), p. 351, 359-63,367-8.
[2] في تفصيل هذا انظر: أحمد داود أوغلو: الفلسفة السياسية، ترجمة: د. إبراهيم البيومي غانم، (القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، 2006م)، ص43 وما بعدها.
[3] Şherif Mardin: Religion and Secularism, p363.
[4] كِرِم أوكْتِم: الأمة الغاضبة ص49، 70، 72، 79 وما بعدها.
[5] كِرِم أوكْتِم: الأمة الغاضبة ص82، 72.
[6] كِرِم أوكْتِم: الأمة الغاضبة ص72.
[7] كِرِم أوكْتِم: الأمة الغاضبة ص48، Ira M. Lapidus: A History of Islamic Societies (Cambridge: Cambridge University Press, 2014), p. 501-2.
[8] Angel Rabasa, F. Stephen Larabee: The rise of political Islam in Turkey (Santa Monica, RAND, 2008), p. 32.
[9] إيان بوروما ومرجليت أفيشاي: الاستغراب.. موجز تاريخ النزعة المعادية للغرب، ترجمة: ثائر ديب (السعودية، مكتبة العبيكان، 2008م)، ص124؛ Rabasa, Larrabee: The Rise of Political Islam, p. 33.
[10] كِرِم أوكْتِم: الأمة الغاضبة ص75.
[11] Lapidus: A History of Islamic Societies, p. 502-3; Binnaz Toprak: The Religious Right, in Albert Hourani [et al.] “The Modern Middle East”, p. 630-1.
[12] Lapidus: A History of Islamic Societies, p. 509; Rabasa, Larrabee: The Rise of Political Islam, p. 33; Binnaz Toprak: The Religious Right, p. 627, 633.
[13] كِرِم أوكْتِم: الأمة الغاضبة ص76 وما بعدها؛ Rabasa, Larrabee: The Rise of Political Islam, p. 33, Şherif Mardin: Religion and Secularism, p. 366.
[14] Carl W. Ernest: Following Muhammad, Rethinking Islam in the Contemporary World (Chapel hill & London, The University of North Carolina Press, 2003), p. 136.
[15] Cemal Karakas: Turkey, Islam and Laicism Between the Interests of State, Politics, and Society, (Frankfurt, PRIF, Report No. 78, 2007), p. 1.
[16] Lapidus: A History of Islamic Societies, p. 535
[17] Binnaz Toprak: The Religious Right, p. 625.
[18] كِرِم أوكْتِم: الأمة الغاضبة ص79، Lapidus: A History of Islamic Societies, p. 503.