السبت، مايو 23، 2015

اطلب العلم من الشيخ يوتيوب واحذر من الشيخ جوجل

اطلب العلم في مجلس الشيخ يوتيوب، واحذر من الورود على "جوجل"..

منذ قديم خشي العلماء من الاعتماد في أخذ العلم على الكتب والورق والصحف، واشتهر عنهم قولهم "لا تأخذ العلم من صُحُفي، ولا القرآن من مِصْحَفي".. وذلك أن النص لا ينضبط نطقا ومعنى إلا إن تلقيته عن شيخ.

ولهذا استفاض اهتمامهم بالرواية والإسناد وسلاسله، وصارت تراجم العلماء حافلة بمن أخذ العلم عنهم ومن أخذ العلم منهم.

حتى ظهر الاختراع الجديد المسمى "المطبعة"..

ولا ريب أن انزعاج العلماء من ظهور المطبعة لم يكن لمجرد تخلفهم وجمودهم ورجعيتهم، كما حاول أن يصور لنا المتغربون، بل في هذا النشر المستفيض لنصوص سيتلقاها الناس دون ضبط لمعناها ولا لمفهومها، ودون ضبط لسياقها.

وقد ظهرت آثار هذا جلية في عصور "المفكرين" الذين صاروا يكتبون في الإسلام والشريعة وهم لا تستقيم لهم أصوله، فصاروا يشرقون ويغربون ويأتون بالاقتباسات وينقلون العبارات فيحملونها على غير معناها أو يركبون دراساتهم من مقتبسات كثيرة يظنون أنهم قد صنعوا بناء بديعا جديدا فيما هم خلطوا أشياء لا تجتمع وفهموا من ذلك ما لا يكون.

ثم كانت النكبة نكبتان حين ظهرت "الصحافة"، لقد صارت المطبعة مجرد وسيلة يستعملها كل ذي رأي وفكر، وكل من يظن نفسه ذا رأي وفكر.. فهذه هي النكبة الأولى "السيولة الهائلة"، وأما النكبة الثانية فهو أن هذه المطابع والصحف إنما ظهرت في بلادنا ونحن تحت النفوذ الأجنبي!

فمن هنا صارت "الصحافة" لا تمثل فحسب انهيارا لطرق أخذ العلم المنضبطة، بل تمثل طريقا ضخما لنشر ما يريد العدو له أن ينتشر في بلادنا..

ولما أسْلَمَنا الاحتلال إلى الاستبداد العسكري أو المَلَكِي، صارت المطابع والصحف مصدرا من أخطر مصادر نشر التغريب والكفر، وهو مصدر لم يستطع أن يواجهه أصحاب العلم لما نزل بهم من البلاء ومن التضييق على أشخاصهم وعلى أفكارهم معا!

نعم.. حين لاحت بوادر حرية في عصر من العصور، كان الرأي أن هذه المطابع وهذه الصحف وسيلة جديدة لنشر العلم والدين، وأول من فكر في استخدام هذه الوسائل بأحسن سبيل هم القائمين على مواجهة الاحتلال والاستبداد.. كالأفغاني ومحمد عبده ومصطفى كامل ومحمد فريد ورشيد رضا (وقد أطال رشيد رضا في كتابه "تاريخ الأستاذ الإمام" في وصف ما فعله الشيخ محمد عبده لجعل الصحيفة المصرية لسان حال للأمة وطريقا لنهضتها.. ورشيد رضا نفسه يُعرف بلقبه "صاحب المنار" والمنار اسم صحيفته).

واعتبر هؤلاء أن "الصحيفة" تمثل "مدرسة جديدة" لصاحب العلم يبث من خلالها أفكاره. وقولهم هذا صحيح لولا أنهم كانوا تحت ظل الاحتلال، الذي سعى ليس فقط للتضييق على "مدارسهم الجديدة" بل للإغراق البلاد في مدارسه التغريبية.

والآن وصلنا إلى غاية "السيولة".. إذ صار لكل إنسان: حساب على الفيسبوك وتويتر ومدونة، وصارت هذه منابر يصنعها في بضع دقائق ثم يخاطب منها كل الناس كما أراد!

لقد حول الانترنت التراث الفكري الطائل العريض المخزون في ملايين الكتب إلى كلمات وحروف يسهل العثور عليها.. عليك فقط زيارة "جوجل" أو أحد إخوانه من محركات البحث!

وظهر جيل، يمكن أن نسميهم "صبيان عصر الانترنت"، يحسبون أن العلم هو "كثرة النصوص".. فهم يتقحمون مسائل العلم ويتصدون لها بمجرد زيارة إلى إخوان جوجل، ويستعينون به في أشد مراتب العلم وأصعبها "المناظرة".. فأنت تجد نقاشات طويلة وعريضة في مسائل معقدة حافلة بنقل النصوص وتوثيقها، لكنها مع ذلك حافلة بالخفة والفراغ العلمي! إذ أن الناقل "النصاب" يظن نفسه قد بلغ علما وهو لا يدري أنه مكشوف مفضوح، وأن معاناة العلم لها أثر واضح في طريقة التفكير والتصور والعرض.. وهو أثر لا تخطئه عين من ألم بأبسط شيء من هذه المعاناة.
سيظل طلب العلم من أصعب الأمور، وسيظل لا يصبر عليه إلا من أوتي شغفا به وجلدا له.. ومهما حاول "الصبيان الحواة" أن يظهروا بمظهر "المحيط بالأدلة" فإنهم سيفشلون ويفتضحون.

والطريق الصعب في عصر الانترنت، لمن لم يستطع الرحلة لطلب العلم على يد أهله، هو:

1. التعلم ضمن أكاديمية أو مؤسسة علمية أو مواقع متخصصة في الدورات والتعليم عبر الانترنت.. فتؤخذ المناهج عن المتخصصين فيها، ويمتحن الطالب فيها امتحانا حقيقيا.

2. اليوتيوب.. وقد بدأت تكثر عليه محاضرات المتخصصين في مختلف العلوم، وصار يمثل بديلا جزئيا عن الرحلة إلى الشيخ نفسه.. فالمحاضرة توفر المنهجية والضبط القديم لأصول العلم وأخذه بحضور شخصية المحاضر وتنبيهاته واستطراداته.

3. الأشرطة الصوتية العلمية (لا الدعوية، فهذا شأن آخر) وهي الآن كثيرة غزيرة.. وبرغم أنها أقل من اليوتيوب في غياب الصورة -وكم في الصورة من فائدة وفهم- إلا أن حضور الصوت يضبط اللفظ والمعاني.

4. وأقل مما سبق قراءة الكتب بغير إرشاد مما سبق أو في المواد التي لا يتوفر فيها علم يؤخذ بالصورة والصوت.. والكتب -والحمد لله- كثرت وزادت، وما تزال الطموحات تتمنى أن يكون على الانترنت كل ما كتب في تاريخ الإنسانية.

أقل من هذه الأربعة لا يمكن أن يعد بحال طلبا للعلم، بل يجوز أن يكون طلب للثقافة والمعرفة العامة، وهو -من ثم- لا يجوز لأحد يحترم نفسه (فضلا عن عدم الجواز شرعا) أن يحسب نفسه أخذ علما فيفتي به فضلا عن أن يجادل به ويناظر!!!

وكلها وسائل معينة، كالأفلام الوثائقية والبرامج الثقافية وغيرها..

ويظل في المرتبة السفلى من يلجأ إلى جوجل أو الشاملة أو غيرها من محركات البحث ثم يحسب نفسه قد حصل علما!!!


نشر في ساسة بوست