الاثنين، أكتوبر 27، 2014

عن الديمقراطية في البلاد الإسلامية





1. في مرحلة ما قبل الثورات العربية كانت كل بلادنا يحكمها مستبدون مجرمون، حتى لو تغطى بعضهم بقشرة ديمقراطية رقيقة كالحال في الأردن والمغرب، أو يضع لافتة ديمقراطية كالحال في مصر والسودان والجزائر، فيما كان الباقون يمارسون الاستبداد علانية وصراحة!

2. في هذه الأجواء كان مجرد النظر إلى الغرب يكشف عن نموذج يسيل له لعاب عشاق الحرية، هناك تجري انتخابات نزيهة، يتغير البرلمان، يتغير الرؤساء، يختار الشعب من يحكمه، مع جرعة عالية من حرية التعبير والنقد دون خوف، واحترام واضح لحقوق الإنسان... إلى آخر ما هو معروف للجميع.

3. ونحن في هذه السطور لا يهمنا سوى الإسلاميين وموقفهم من سؤال الديمقراطية الجديد، وهو سؤال ما كان بوسعهم تجاهله في ظل القصف الإعلامي المتواصل لهم كإسلاميين، وفي ظل القصف الإعلامي المتواصل من الغرب والعلمانيين للإسلام نفسه.

4. وفي إطار الدفاع عن الإسلام نفسه اجتهد الإسلاميون في إثبات أن الإسلام يرفض الاستبداد ويحرر الناس ويجعل الأمة هي صاحبة الحق في نصب الحاكم ومراقبته وعزله، واجتهد كثير من العلماء في أن تأقيت مدة الولاية للحاكم لا تنافي الإسلام لأن عقد الولاية يمكن أن يضيف فيه العاقد (الأمة) شروطا.

وظلت مسائل كثيرة عالقة تتراوح فيها الأقوال مثل حدود حرية التعبير، حرية نشر الكفر، حرية الردة، تطبيق الحدود الشرعية كالقطع والجلد والرجم، التعامل مع الفنون التي عمادها (في الواقع الآن) العري والإباحية والكفر أحيانا.

ولكن هذه المسائل في الحقيقة ليست مختصة بالديمقراطية، بل هي مختصة بالفلسفة الغربية نفسها التي تعد الديمقراطية بصيغتها المعاصرة واحدة من إفرازاتها.. فالمتبادر إلى الذهن لدى سماع كلمة ديمقراطية هو اقتصارها على الجانب السياسي وشؤون الحكم. وهذه النقطة يجب أن تكون واضحة لأنها كانت سبب التباس كبير في التعبير عن الفكرة.

5. وفي إطار الدفاع عن الإسلاميين، كان الأسئلة الرئيسية تدور حول:

أ. هل إذا وصل الإسلاميون للسلطة بالطريق الديمقراطي سيستمرون في هذه الديمقراطية حتى لو أدت إلى إقصائهم من السلطة وتنصيب غيرهم؟

ب. وإذا لم يكن غيرهم هذا إسلاميا، بل كان شيوعيا أو كافرا، فما حكم الشعب حينئذ، وهل يكون قد كفر؟ وهل يجيز الإسلاميون لأنفسهم التنازل عن الحكم إلى كفار أو ملاحدة ينشرون الكفر في الأرض؟

جـ. ما هي رؤية الإسلاميين للمساحة التي يسمونها "أحكام الله غير القابلة للنقاش" في مقابل المساحة التي يجوز للشعب فيها أن يشرع لنفسه؟

وصحيح أن هذه الأسئلة كان يطلقها الغرب والعلمانيون بكل ما في نفوسهم من حقد -وهو كثير فياض- إلا أن الصحيح كذلك أنها أسئلة نوازل ليس للإسلاميين فيها سلف، إذ لم يواجه الفقه الإسلامي في عصوره السالفة مسألة قوم يتسمون بالمسلمين ولا يريدون إسلاما.

6. وكطبيعة أي موضوع إنساني اختلف الإسلاميون فيما بينهم على إجابة هذه الأسئلة، فكان أكثرهم تنازلا من اشتاق إلى وجود الحرية ولو من غير شريعة لأن الحرية تتيح لهم أن يمارسوا الدعوة إلى الله وأن ينشروا أفكارهم، وهذا خير من حكم المستبدين المجرمين (الكفار عند أغلبهم: بأفعالهم أو بأعيانهم) الذين لا ينشرون إلا الكفر في بلاد المسلمين ولا يتركون فرجة للدعوة إلى الله.

فيما كان أشدهم محافظة وتشددا من رمى كل هذه المسائل عن قوس واحدة، ولم ير سبيلا إلا حمل السلاح لجهاد الأنظمة الكافرة مع اقتناع بأنه ما إن تزول هذه الأنظمة إلا ويمكنهم إعادة شرع الله إلى واقع الحياة!

وبين الفريقين طيف واسع من الآراء والاجتهادات والرؤى!

فالأولون كانوا الأكثر اشتباكا مع الواقع وتفاعلا معه وكانوا كذلك الأكثر (تنازلا / مرونة) فيما كان الآخرون الأكثر فهما لطبيعة الصراع وأنه ليس صراع فكري نظري بل هو صراع حضارات ومشاريع، فكانوا الأكثر تفاعلا معه من جهة كونه صراعا والأقل اجتهادا في الفقه والدين لإخراج إجابات على هذه النوازل، فكانوا كذلك الأكثر (تمسكا / تشددا).

واعتزلت فرق هذا الصراع كله، وبحثت عن جانب تخدم الإسلام فيه، كالدعوة والتربية ونشر العلم.. وهؤلاء لا يدخلون في حديثنا الآن!

7. كان الأولون تدعمهم تجارب تاريخية كثيرة تدلل لهم على أن الشعوب تختار الإسلاميين في أي انتخابات (شبه) نزيهة، الجزائر والأردن والمغرب وغزة ومصر وتركيا.. وكان الآخرون يستدلون بنفس هذه التجارب على فشل نظرية الأولين: إذ لم تستطع أي تجربة أن تحقق نصرا يمكن وصفه بالإسلامي دون تحفظات!

كان الأولون يرون أنه تقدم على الطريق في ظل العجز عن دخول معركة حاسمة، وكان الآخرون يرون أنه تأخر على الطريق وهدر للطاقات والجهود، فحقيقة الأمر ليست بيد الشعوب بل بيد الجيوش: جيوش الغرب التي تحرس بقاء الهيمنة الصليبية (أو العلمانية، حسبما يختلف الناس في تحليل الغرب).

وكل إخفاق للأولين (الواقعيين، المرنين، المتنازلين.. لسنا في إطار تقييمهم الآن) كان يصب في خانة هؤلاء الآخرين (المتمسكين، المحافظين، المتشددين.. لسنا في إطار تقييمهم الآن).. وأبرز الأمثلة: الجزائر ومؤخرا مصر، كذلك هزال الحركة الإسلامية في الأردن والمغرب وعجزها عن تحقيق أي تغيير ملموس، وحتى تجربة غزة وتركيا -الأحسن حالا من بين كل هذه التجارب- لا يستطيع أحد أن يصفهما بالنصر الحاسم في ظل الظروف والمعرفة.

8. حتى جاءت الثورات التي أسفرت عن سقوط غير متوقع لعدد من أساطين المجرمين: بن علي، مبارك، القذافي، بن علي.. مع بشائر مستمرة لسقوط بشار، وما أحدثه ذلك من زلازل في المغرب والجزائر، وبراكين في دول الخليج التي وجد حكامها أنفسهم -لأول مرة- أمام تهديد شعبي غير متوقع، وقد كانت نكباتهم مقتصرة على صراعات أجنحة الحكم.

وكان طبيعيا أن يكون الأكثر واقعية (مرونة، تنازلا) هم الأقرب للتصرف في الواقع الذي خبروه واشتبكوا معه.. فيما لم يظهر الأكثر تمسكا (محافظة، تشددا) إلا حين تحولت الثورات إلى التسلح والجهاد كما في ليبيا وسوريا.

9. وهنا كانت النازلة الثانية التي لم ينتبه لها إلا النادرون جدا (حتى ليصح أن نقول: لم ينتبه لها أحد)، وهي: هل الديمقراطية تعبير حقيقي عن إرادة الناس، أم لها دهاليز وكواليس وخفايا وخبايا غير منظورة؟

لم يكن طبيعيا أن من حاول عبر عقود إثبات أن الديمقراطية من الإسلام، وأن الفروق بين الديمقراطية والشورى ليست جوهرية (فيما عدا محكمات الإسلام وثوابت الشريعة التي يريد الجميع تطبيقها فعلا لكن يختلفون في حدودها وفي الكيفية) وأنه كإسلامي ليس ضد الديمقراطية ولا ضد التنوع الثقافي ولا التعدد الحزبي ولا أنه ينوي أن "يأخذ السلم معه فوق.. فوق".. أقول: لم يكن طبيعيا أن يتحول هذا الشخص من هذه الحالة إلى حالة البصر بما في الديمقراطية من كمائن!

لكن الإخفاقات المتوالية نبهت الكثيرين إلى هذه الكمائن، إلى دور المال الذي يحرك الإعلام الذي يحرك الجماهير، ودور المال الذي يحرك الجريمة، وإلى النظام القديم الراسخ الذي لم يسقط بطبيعة الحال لمجرد أن قيل له "ارحل، مش هنمشي هو يمشي .. إلخ".

وساعتها وجد الكثيرون مادة غزيرة من كتب ونظريات غربية تتحدث عن عيوب الديمقراطية، وكيف أنها لا تؤدي إلى تعبير حقيقي عن إرادة الناس، بل هي في الحقيقة تعبر عن إرادة أصحاب السلطة والمال ومراكز القوى، لكن هذه الإرادة لم تعد تفرض قهرا (كما في النموذج الشيوعي) بل صارت تصاغ عبر الإعلام وضخ الأموال في ترتيب المصالح والمواقف وتصنيع القناعات حتى يذهب المواطن لينفذ هذه الإرادة وهو يتخيل أنها إرادته هو! (وهذا بخلاف مشكلات أخرى أقل تأثيرا وأكثر تفصيلا).

هذا بالإضافة إلى فارق كبير آخر، وهو أن الغرب يمارس الديمقراطية بعد أن استقرت قيمه الأساسية (الهوية: التوجه السياسي والاقتصادي والثقافي) فالديمقراطية -ولو كانت تعبر عن إرادة حقيقية- فهي في النهاية تحكم على التفاصيل، على المذهب، على المدرسة.. فيما الحال مختلف تماما في بلادنا التي تشهد صراعا على هذه القيم الأساسية (وهذه القيم الأساسية تحسم بالحرو كما حدث في الغرب نفسه).

ولكن بدأ كثير من الشباب ينشرون هذا المعنى، ووجدوا فيما كتبه ناعوم تشومسكي -وغيره من اليساريين والأناركيين وبعض الصحافيين والخبراء- مادة غزيرة في نقد الديمقراطية وبيان خدعتها.. إلا أن هذه المحاولة كانت ضعيفة ومحدودة الانتشار والتأثير.. وكيف لا والتيار العام مزهو بالديمقراطية (التي نفوز فيها رغم كل الأموال والمؤامرات والإعلام الذي يعمل ضدنا)؟!!

لقد كانت النشوة أكبر من محاولات الإيقاظ بكثير!!

10. تلقى الأولون (الواقعيون، المرنون، المتنازلون) ضربات هائلة قوضت تجربتهم في مصر وتونس واليمن، رغم أنهم بذلوا كل ما قدروا عليه من تنازلات في هذه البلاد الثلاثة لمحاولة "تجنب الصدام، تحقيق التوافق، عدم الانجرار إلى الفخ".. إما بانقلابات عسكرية صريحة كما في مصر واليمن، وإما باضطرابات وقصف إعلامي كما في تونس!

بينما بقيت تجربتا الآخرين (المتمسكين، المحافظين، المتشددين) تراوح مكانها: فلم تنجح بعد، ولم تفشل بعد، وإن كان الثمن باهظا (وكل ثورة لها أثمان باهظة في الحقيقة).

لكن الحقائق الملموسة لكل التجارب تسفر عن:

أ. السلاح يحسم المعارك، ويضرب بالسياسة وتفاهماتها عرض الحائط.

ب. المال والإعلام غيرا الخريطة الشعبية التي كانت من قبل تعطي الإسلاميين المركز الأول باكتساح، فصارت تضيق الفوارق (مرسي، شفيق - انتخابات ليبيا)، ثم صارت تميل بالكفة عليهم (انتخابات تونس 2014).

جـ. الخارج واقف بسلاحه وأمواله ومؤسساته في قلب المعركة، وعلى المخدوع بالشرعية وحقوق الإنسان أن يظل مخدوعا حتى يستيقظ على المذبحة.

11. وهنا نصل إلى الخلاصة المرجوة من هذا المقال الذي طال:

أ. الديمقراطية كـ "آلية اختيار" لا تنافي الإسلام!

ب. الديمقراطية كـ "إفراز من الفلسفة الغربية" جزء أصيل من المعركة الحضارية القائمة والدائمة بين الإسلام والغرب، وهذه هي التي يحرسها الغرب بجيوشه وأمواله، ويحاصر ويقتل من أفلتوا منها كما فعل في الجزائر وغزة ومصر.

جـ. الذين أرادوا أن يصلوا إلى مرحلة "الحرية بدون إسلام" ظنا منهم بأنه يمكن منها الوصول إلى "إسلام من خلال الحرية" غفلوا عن التفريق بين هذين النوعين من الديمقراطية، وظنوا أن الصراع الحضاري يمكن أن يُحسم بغير حروب مسعرة.. ولذلك كانت دماؤهم وحدها هي الثمن المسفوك دون النتيجة المرجوة.

ورغم أن عددا من المواقف كان يدل على استحالة ذلك (مثل اضطرارهم للتوافق المناقض للديمقراطية، واكتشافهم أن العلمانيين ليس فيهم شريف يدافع عن الحرية كمبدأ وإنما هم أذيال للاستبداد وكم خانوا وغدروا وكفروا بما كانوا ينطقون به، واكتشافهم أن الغرب يطالب بأمور يسميها مصالحه أو يسميها قيم عالمية رغم أنها من صميم الخصوصية الوطنية والسيادة الوطنية).. أقول: رغم أن عددا من هذه المواقف كان يدل على استحالة الوصول إلى حرية حقيقية، إلا أن رسوخ الفكرة في أنفسهم منعهم من إدراك ذلك أو بالأحرى: لم يكونوا مستعدين -ولو أدركو- لتغيير سياستهم.

ولكن: حيث وصلنا إلى القناعة بأنه لا يمكن الوصول لمرحلة "الحرية" تمهيدا لمرحلة "الإسلام"، وحيث رأينا عدونا لا يسمح بالوصول إلى هذه المرحلة.. فالواجب إذن، أن نقصد مباشرة إلى مرحلة "الإسلام" و"الشريعة" و"الحكم الإسلامي".

د. الشعوب المسلمة تستطيع مقاومة الديمقراطية الغربية بقدر ما بقي فيها من قيم إسلامية تجعل الهيمنة للشريعة، بقدر ما فيها من حرية منابر ومساجد، بقدر ما فيها من تماسك اجتماعي.

هـ. الشعوب المسلمية تُخترق بقدر ما وصل إليها من قيم غربية، وإعلام منفلت، وأموال فاسدة، وانهيار اجتماعي، وابتعاد عن الدين.. ففي ظل الانهيار الاجتماعي والابتعاد عن الدين تبدأ الأموال الفاسدة والإعلام الفاسد في تحقيق أهدافها.

و. الشعوب تُخاطب بالوضوح.. وأما الغموض والتذبذب الذي تفرضه توازنات الساسة والفرقاء فلا يرضيهم ولا يرضي هؤلاء الفرقاء.

ز. الثورات تنتصر بالحسم، وأنصاف الثورات قبور الثوار.

حـ. الثورات في عالمنا العربي والإسلامي لا تقوم بغير الإسلام، ومحاولة تجنيب الإسلام لتجنب السخط الدولي كمحاولة تغطية الشمس بثوب!

نسأل الله الرشاد والثبات.