الاثنين، أكتوبر 07، 2013

فقه التاريخ



ثمة قاعدة أصولية شهيرة للإمام يحيى بن أبي كثير تقول: "السنة قاضية على القرآن، وليس القرآن بقاض على السنة"، والمعنى –كما بيَّنه الشاطبي في الموافقات والسيوطي في مناهل العرفان- أن السنة إنما تقضي بين أفهام الناس في القرآن، فلو أن عددا من الناس قرأ الآية المُجملة، ففهم منها كل واحد فهما، فإن السنة تأتي بالتبيين والتفصيل، ومن ثم تقضي بين الأفهام فَتُقِرُّ فهمًا وتحكم عليه بالصحة وتقضي على الأفهام الأخرى بالبطلان.

وهذا شأن كل شيء مجمل، يحتاج إلى مذكرة تفسيرية، تُبَيِّن ما تشابه منه وتفصل ما أجمله.

وفي مجال العمل الإسلامي، ترجع الحركات والتيارات الإسلامية إلى القرآن والسنة تستقي منهما منهجها في الرؤية والحركة والإصلاح، وكلهم يصدر عن هذين المصدرين غير أن الأفهام أيضا تختلف، فمنها ذات اليمين وذات الشمال، وكما قال الشاعر:

وكلٌّ يدّعي وصلا بليلى ... وليلى لا تُقِرُّ لهم بذاكا

ويمكن حل كثير من هذا الخلاف بالنظر إلى مصدر ثالث، نص عليه أيضا كتاب الله وسنة رسوله.. ذلك هو التاريخ!

فالتاريخ هو التجربة الإنسانية العملية، ومنه نعلم هل نجحت الأفكار أم فشلت؟ فكل فكرة لم تستطع أن تجعل نفسها تطبيقا عمليا فهي فكرة فاشلة، وكل فكرة صنعت لنفسها نموذجا عمليا في وقت من الأوقات فقد أدركت جانبا من النجاح، وأثبتت أنها استطاعت إدراك ظروف الزمان والمكان والتعامل مع الإنسان فتحققت في كيان عملي يمثل فكرتها! هذا الكيان يمكن أن يكون دولة صغيرة على ضفاف نهر، أو امبراطورية عظمى تمددت على مساحة واسعة وأخذت من عمر الزمان قرونا وأحقابا!

ومن هذا المنطلق، فالنظر في التاريخ هو الوسيلة التي تختبر عليها التيارات الإسلامية مدى نجاح رؤيتها وتصوراتها عمليا، وهل سيؤدي منهجها هذا إلى النجاح أم لا، وهل تستطيع عبر هذا المسار تحقيق أهدافها أم لا..

النظر في التاريخ يحكم على الأفكار التي تراود العقول، وبقدر العمق في النظر إلى الماضي وتحليله واستكناه أسراره بقدر ما تتوفر الفرصة لمزيد من اليقين في المنهج أو لتصحيح المسار، تصحيحه على المستوى الكبير (الفكري والاستراتيجي) أو على مستوى التفاصيل والأولويات والمراحل والترتيبات.

وهذا المعنى هو نفسه مأخوذ من كتاب الله تعالى، فقد ساق الله في الدلالة على صحة القرآن وصحة نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) دلائل من تاريخ الأقوام السابقة ليصحح مسارهم في مستواه الفكري والاستراتيجي فينقلهم من الكفر إلى الإيمان (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين).. كما ساق دلائل من التاريخ أيضا لتصحيح المسار في مستوى التفاصيل والأولويات والترتيب حين قصَّ الله على نبيه قصص الأنبياء السابقين وكيف تكلموا وكيف أجابهم قومهم ثم كيف حاولوا وأوذوا وصبروا ثم كيف أنجاهم الله، فكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يتذكر التاريخ حتى في المواقف الصغيرة (رحم الله أخي موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) ويُذَكِّر صحابته كذلك بالرجل "فيمن كان قبلكم...".

ولا بأس أن نعترف بأن الحركة الإسلامية، وإنتاجها المعاصر يعاني قصورا في دراسة التاريخ وقراءته قراءة متعمقة تبتغي أن تستشرف منه سبيل المستقبل، فهذا الاعتراف أول طريق التعلم..