السبت، أغسطس 31، 2013

فتى الأندلس وقمة تاريخها




في 27 رمضان 393 هـ، فاضت إلى السماء روح واحد من أعظم رجال الإسلام في كل تاريخه، ذلك هو: الملك المنصور محمد بن أبي عامر.

كانت شخصية المنصور بن أبي عامر عجيبة، كان متعدد المواهب واسع القدرات، لا يضع يده في أمر إلا ويجيده أفضل من ذوي الخبرة فيه! وقد بدأ حياته طالب علم فنبغ ولفت نظر شيوخه حتى أوصى به بعضهم لدى الحاجب (يساوي منصب رئيس الوزراء في النظم الرئاسية) فبلغ بذلك مرتبة القضاء وصار قاضيا على بعض مدن الأندلس ثم أصبح قاضيا لمنطقة المغرب في عهد المستنصر بالله الحكم بن عبد الرحمن الناصر، وتولى في هذا العهد بخلاف القضاء أعمالا في السياسة والإدارة فأبدع فيها جميعا بما أثار دهشة الجميع حتى إن الخليفة الحكم قال فيه معجبا: "إنه لساحر"!

تولى محمد بن أبي عامر النظر على الخاص (أي الإشراف على شؤون أسرة الخليفة وأملاكهم) وولاية الشرطة الوسطى (تشبه إدارة الأمن في عصرنا) والعليا (تشبه الأمن القومي الآن) ودار السكة (وزارة المالية) والحِسْبَة (ليس لها نظير معاصر، ولكنها تجمع بين إدارات الرقابة على الجودة وزارة التموين)، ثم تولى بعدئذ إدارة مدينة قرطبة التي كانت في ذلك الوقت عاصمة أوروبا والغرب جميعا، والمدينة الثانية في العالم (بعد بغداد، مع القاهرة) حضارة وثقافة وازدهارا فضبطها –كما يقول الذهبي- ضبطا أنسى به من سبقه فيها.

وما زال محمد بن أبي عامر يترقى في المناصب بمواهبه المدهشة حتى بلغ الحِجَابَة (رئاسة الوزراء)، وكان ذلك بعد وفاة الخليفة الحكم وولاية ابنه هشام الخلافة.

وكان هشام حينئذ صغيرا؛ إذ تولى الخلافة بعد وفاة أبيه وعمره في الحادية عشرة، فلذلك كانت السلطة الحقيقية بيد محمد بن أبي عامر الذي ظهرت لديه –مع كل مواهبه- موهبة أخرى في القيادة العسكرية، فكان فارسا لا يشق له غبار، وأثبت أن الأندلس لم تهتز بموت الخلفاء الأقوياء كالناصر والمستنصر، كما أثبت للقادة العسكريين الذين قعدوا لتنافسهم على المنصب أنه يستطيع سد الثغر وحده وليس بحاجة إليهم، فقاد بنفسه الحروب مع الروم الذين هاجموا البلاد، ثم انطلق إليهم يفتح بلادهم في شمال شبه الجزيرة الأيبرية، فبلغت فتوحاته حيث لم يصل أحد قبله من الفاتحين ولا الأمراء، ولم يهزم مرة واحدة في أكثر من خمسين غزوة خاضها، وبلغت الأندلس في عهده ذروة تاريخها: قوة وحضارة وريادة وتفوقًا، حتى ذهب إلى ربه وقد استوفى واجبه على خير وجه.

مات المنصور وهو عائد من إحدى غزاته، ودُفِن في مدينة سالم –التي كانت من مراكز الجهاد الأندلسي- وكُتِب على قبره شعرٌ مؤثر:

آثاره تنبيك عن أخباره ... حتى كأنك بالعيان تراه

تالله لا يأتي الزمان بمثله ... أبدا، ولا يحمي الثغور سواه

بعد موت المنصور بنحو سبعين سنة كانت الأندلس قد دخلت عصر ملوك الطوائف، حيث ضعف المسلمون وتغول الصليبيون، وفي لقاء مهين جلس ملك الصليبيين على قبر المنصور إذلالا لسفير الأمير المسلم، فلم يملك السفير إلا أن قال: "والله لو تنفس صاحب هذا القبر لارتعدت منه، وما سمع منك ما يكره"..

رحم الله من استمرت هيبته في نفوس العدو بعد سبعين سنة من موته.