الأربعاء، مايو 15، 2013

إن السيسي لا تؤمن عليه الفتنة



قال علماؤنا "إذا كنت مقتديا فاقتد بمن مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة"، وكان الصحابة -وهم خير الأمة قاطبة- أشد الناس خوفا على إيمانهم وتحريا له وحرصا على ألا يقعوا في الفتنة، بل كان سيدنا عمر -وهو المبشر بالجنة- يصر على سؤال حذيفة بن اليمان "هل سماني رسول الله في المنافقين"، فيقول حذيفة "لا، ولا أزكي بعدك أحدا".

لقد صار المشهد الإسلامي مثيرا لكل أنواع الحزن، فهذا الصف الواحد الذي أحبط مخطط اقتحام قصر الرئاسة نجحت معه الخطط الأمنية المخابراتية والدولية، وصار بأسهم بينهم شديدا!

(ملحوظة: هذه الخطط التي تنجح هي هي الخطط التي تدبر منذ نصف قرن على الأقل.. وهي دائما تنجح! ولا تسل عن لؤم العدو بل سل عن سذاجة المخدوع)

الإسلاميون ليس لديهم خط أحمر:

إذ يمكن اعتقال واقتحام وتعذيب وتصفية التيار الجهادي دون أن يهتم الإخوان أو السلفيون.. حدث هذا في سيناء، وبدأت بعض بوادره تنتشر في الأنحاء.

* فدماء المسلمين -المخالفين- ليست خطا أحمر

ويمكن تنفيذ انقلاب عسكري على سلطة الإخوان دون أن يهتز السلفيون، بل تحت عنوان "حقن الدماء" سيقبلون بما هو مطروح طالما كان مغلفا بالأمان لهم.

* فإرادة الأمة واختيارها ليس خطا أحمر

ثم يأتي دور السلفيين، فإن لم يتحولوا إلى مداخلة فلربما يكفي أن يتحولوا إلى الساكتين عن الحق بدعوى العجز! وحينها لن يبقى أحد ليدافع عنهم.. فكل شيطنة الإسلاميين في المراحل السابقة ستوفر البحث عن فرص وذريعة، ويكفي أنك صاحب لحية لتكون إرهابيا يجوز أن يُفعل بك ما يُفعل.

باختفاء الخط الأحمر الذي يتفق عليه الإسلاميون يكونون قد أباحوا أنفسهم حتى النهاية لعدوهم!

والأمر لا يتوقف هنا، بل إن فرقا منهم تسارع في أعدائهم، يخشون أن تصيبهم دائرة! وهم -بالتالي- قد يكونون أدوات الذبح لرفاقهم، وقد أثبتت الأيام أن جلسة أو جلسات مع عسكري أو مخابراتي تستعمل فيها أساليب التأثير النفسي المحفوظة تجعل الأمر سهلا ميسورا، وتجعل المستحيل ممكنا مبذولا!

لكن ما علاقة هذا بالسيسي؟!

السيسي من رجال زمن مبارك، شيء لا يبعث على الطمأنينة بداية، يجب أن تراقب فعله بحذر وتوجس.. فلاشك أن منصب مدير المخابرات الحربية كان أهم لدى مبارك من منصب مدير جهاز أمن الدولة أو وزير الداخلية أو رئيس المحكمة الدستورية أو حتى رئيس نادي القضاة!

ما شعورك إذا كان الحاكم الحقيقي للبلد الآن وبعد الثورة هو: حسن عبد الرحمن -مدير جهاز أمن الدولة- أو أحمد الزند أو تهاني الجبالي؟!

إذا كنت تشعر بالقلق، فيجب أن تشعر بالفزع وأنت ترى مدير المخابرات الحربية لعهد مبارك في موقع الحاكم الحقيقي لمصر ما بعد الثورة.

(ملحوظة: إذا كنت مؤمنا بقدسية الجيش وشموخ القضاء وحصانة الأزهر، وأن هذه المؤسسات نقية طاهرة وطنية.. فمن الأفضل ألا تكمل قراءة هذا المقال حرصا على مشاعرك)

إذا شعرت بالفزع ودفعك هذا الفزع لمراقبة الأحوال بحذر، فأنت قد وصلت لنقطة مهمة.. قابلني بعد فقرتين في هذا المقال.

أما إذا لم تشعر وفضلت أن تقدم حسن الظن وأن تتخيل أن مرسي بعد أيام استطاع تحويل ولاء رئيس المخابرات الحربية وأنه فعلا أنهى حكم العسكر وأن السيسي لا يمكن أن ينقلب على مرسي وأن تصريحاته تعبر عن نية صادقة أكيدة باحترامه للشرعية وولائه لإرادة الأمة.. إذا فضلت أن تعتمد هذه الرؤية فدعني أوافقك وأتبنى رأيك ولكن..

دعنا نتذكر أقوال علمائنا بأن البشر لا تؤمن عليه الفتنة، وأنه لا تكتمل سيرة المرء إلا بالموت، وأن الله أدرى بالخواتيم، وأن الإنسان قد يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار حتى يدخلها.. وأن المرء قد يكون شريفا حتى إذا تكاثرت عليه الضغوط استجاب، وأن أقواما -منهم شيوخ وفضلاء وعلماء- بدأوا حياتهم أتقياء أنقياء ثم انتهوا إلى أسوأ نهاية.. يمكنك أن تنظر إلى وجه محمد أبو حامد لتدرك كيف يكون حجم التحول!.. ثم أنت أنت، أنت نفسك، أنت بنفسك لا تضمن نفسك ولا درجة خضوعها للإغراءات والمثيرات ووسائل الترغيب والترهيب، أنت نفسك يجب أن تفزع وأن تقلق من نفسك ومن خاتمتك.. وليس ثمة أحد يستطيع أن يضمن لنفسه موتا على الإسلام، ونعوذ بالله من سوء الخواتيم.

فلو كان السيد وزير الدفاع الفريق أول القائد العام للقوات المسلحة (يمكن إضافة أي ألقاب تعظيمية.. لا بأس لدي) هو خير الرجال وأتقاهم وأنقاهم على ظهر هذه البسيطة فإنه يظل في النهاية بشرا، بشرا لا تؤمن عليه الفتنة!

ما هي النتيجة التي تؤدي إليها هذه المعادلة: شيطنة الرئيس الضعيف + تقديس وزير الدفاع القوي؟!

ما هي النتيجة التي تسوق إليها كل القنوات والصحف (بما فيها الحكومية) حين تتغنى بوطنية الجيش وقائده، وتغني على الرئيس وجماعته؟!

كل ما في البلاد يفيض بالاستغاثة بالجيش لينزل ويحكم وينقذ ويصحح ويصوب ويتدخل في المسار السياسي!

والسيسي -من ناحيته- يتعرض لهم تعرض القاصد العامد بكثرة الاحتفالات والاتصالات السياسية والظهور الإعلامي، ثم يتمنع تمنع الراغب، ثم يغريهم بكثرة الاستثناءات (لن ننزل إلا إذا...) وقلة الاكتراث بمقام رئيس الجمهورية.

(ملحوظة: جلس أول أمس أحمد عبد الحليم -وهو خبير عسكري استراتيجي ممن تعرف بهم حجم نكبتنا العقلية والعسكرية والاستراتيجية- مع حسن نافعة -وهو أستاذ علوم سياسية ممن تعرف بهم حجم نكبتنا في عقول الأكاديميين والنخبة- في ضيافة عماد الدين -إعلامي فلولي تعرف به حجم نكبتنا في تشكيل وعي الناس- وكلهم يدندن حول تدخل الجيش إلى الحد الذي قال فيه أحمد عبد الحليم صراحة: إذا "توفى" مرسي أو حدث له أي شيء فيجب على الجيش أن يتدخل ويدير ويبدأ بالدستور من جديد لا بالانتخابات.. ولا معنى لهذا الكلام إلا تحريض مباشر على اغتيال مرسي، سواء برصاصة أو بسمّ تبدو معه الوفاة طبيعية!!!!)

بل دعنا ننسى كل هذا الواقع المعلن ونكن من المغفلين ونتخيل أنهم سيتركون مرسي يكمل مدته، ليسقط عن السلطة بالانتخابات النزيهة -أو المزورة بنعومة- ليصعد آخر سيتفق عليه ويخدمه الإعلام ويبلعه الشعب المسكين المخدوع!

دعنا نتخيل هذا.. ونسأل أنفسنا: ما مصير هذه الثورة؟

دعك من مرسي ومن الإخوان ومن كل الفصائل التي تكرهها، وسل نفسك: ما هو مصير الثورة إذا كانت الفصائل ستكون أحذية في قدم العسكر، كلهم ينافقونها وهي تلاعبهم كلهم، قد قدسوها جميعا ثم لطخوا أنفسهم جميعا، فما بقي في الوجدان العام شيء مقدس نزيه شريف قوي إلا العسكر.. ما هو مصير الثورة إذن؟!!

ما هو شعور الثوري الذي هتف يسقط حكم العسكر ثم كان من الغباء بحيث استعملته الدوائر الكبرى في أن يهتف هو ذاته أهلا حكم العسكر؟!

حتى لو كان السيسي أنقى الناس وأطهرهم، لكنه يظل بشرا لا يؤمن تغيره!

وفرحة الفصائل التي فرحت بقوله "لن نتدخل في السياسة" مثل حزن الفصائل بهذا القول.. كلاهما يُسلّم له أنه الحاكم بأمره ولا كأن ثورة قامت ولا كأن الناس اختارت رئيسا!

ترى لو صرح وزير الدفاع الأمريكي أو الفرنسي أو الإنجليزي بمثل هذا التصريح، ترى ماذا تكون ردة فعل شعوبهم؟!!!