الأربعاء، مارس 13، 2013

كيف نحقن دماء الناس


للدماء حرمة عظيمة في الإسلام، توعد الله من قتل مؤمنا متعمدا بأربعة عواقب (فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا - وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ – وَلَعَنَهُ - وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)، وأخبر النبي أن المرء ما يزال "في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما"، حتى لقد غضب النبي من حبِّه وابن حبِّه أسامة بن زيد حين قتل رجلا أنقذ نفسه من السيف بأن نطق الشهادتين.

وإن أكثر من يُقَدِّر أمر الدماء ويحرص عليه هم المسلمون، وقد شهد لهم أعداؤهم بأنهم كانوا أرحم الفاتحين في التاريخ، وفي الصدر من المسلمين علماؤهم وفقهاؤهم الذين حملوا ميراث النبوة فعلموا كم هي حرمة الدماء عظيمة، فكانوا أبعد الناس عن التحريض فضلا عن القتل، وأسرع الناس في السلم والإصلاح بين الناس.

ولقد مرت على أمتنا لحظات كثيرة استبد فيها الطغاة بأمر الأمة فحكموها بالغلبة والقهر والعسف، ووضعوا العلماء بين اختياريْن: بقاؤهم في الحكم مع حفظهم لأمن الناس وأموالهم وأعراضهم والقيام بحماية الدين والجهاد في سبيله وإقامة شريعته أو الفوضى والفتن.

فمن العلماء من قال "حاكم غشوم خير من فتنة تدوم" فأقر للمتغلب بشرعية الحكم ما دام كان البديل هو الفوضى والفتن وتمزق شمل الأمة الذي يُطمع فيها عدوها ويجعل بأسها بينها شديد.

ومنهم من خرج على ذلك الحاكم الغشوم حتى ولو لم يتيقن النصر، وحتى ولو لم تكن موازين القوى في صالحه.

وبين الطائفتين مساحات من الخيارات والتقديرات، كلها مبسوطة بأدلتها وتفاصيلها في كتب الفقه، وليس هذا مقام بيانها.

أما هذا المقام فهو لبيان ما وصلنا إليه في تلك اللحظة من عمر الأمة..

إذ في اللحظة التي اختار فيها العَالِم بقاء الطاغية في الحكم والاستسلام له حقنا للدماء.. رأى الطاغية أن حقن الدماء يعني إبادة الشعب المزعج ليحكم باقيه في هدوء بعد أن صاروا خرافا، ومنهم من رأى أن حقن الدماء المقصود إنما هي دماؤه هو وحاشيته ولو أباد باقي الشعب.. وما سوريا عنا ببعيد!

وبعد أن صبر بعض العلماء قديما على حكام التغلب الذين كانوا يقيمون الدين ويخرجون للجهاد ويرعون مقدسات الأمة، إذا بحكام اليوم يقدمون أموالنا وأعراضنا ومقدساتنا قربانا لعدونا، ثم يطلب منا أن نشكره ونقدسه ونتبع خطاه!! وقد بلغ الحال أن المسلمة –في بلد الأزهر الشريف- تُسَلَّم للمشركين يعذبونها ويقتلونها ليفتنوها في دينها، والإسلاميون يرون أن السكوت على هذا أولى وأنفع لمصلحة الدعوة! الدعوة التي لم يعد أحد قادرا على الدخول فيها!!

يجرني القلم نحو المآسي، وتتزاحم في رأسي المواقف والحكايات، وما كان هذا هدف المقال.. كان هدفه هو التبصير، التبصير بأن جمع العلماء وقادة الحركات الإسلامية في بلادنا حين لم يُعِدُّوا شيئا للحظة مثل الثورة أو ما بعدها كانوا أطفالا تلاعب بهم ذئاب السياسة وثعالبها!

وهو التلاعب الذي أورد بلادنا وأمتنا موارد الهلاك، وقد بلغت الغفلة حدًّا مريعا فاضحا! حد أن بعضهم قد يؤيد انقلابا عسكريا (علمانيا متصلا بأعداء الأمة بروابط معلومة وجهولة) على الرئيس الإسلامي المنتخب!!!!

أود أن أخرج إلى الصحراء فأصرخ بأعلى صوتي: آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه..

آهة بحجم الألم والقهر، بحجم الغفلة الكارثية، بحجم أن يتحول الإسلاميون إلى خناجر في ظهور بعضهم، خناجر بأيدي أعدائهم، يرفع لهم الطاغية قميص "حقن الدماء" فيهرولون إلى ما يريد من تنازلات، يقول لهم: أنا أو الدماء، فيقولون: بل أنت! أنت أنت أنت!

حتى وهم يعلمون أن "أنت" هذه تعني إضاعة الدين، وحرب المؤمنين، وتمكين الأعداء منهم، ونشر الكفر والفسوق والعصيان في بلاد المسلمين.. وكل هذا تحت قميص "حقنا للدماء"!

إنه أمر يستدعي أن نسأل حقا: ففيم أمر الله ببذل الدماء وجعل الجهاد ذروة سنام الإسلام؟!!

أود لو أستدعي روح حسن الهضيبي الذي قال لعبد الناصر: "إذا أردت أن تعتقل الإخوان فأخبرني، فإني لا أحب سفك قطرة دم مصرية واحدة".. أود لو أستدعي روحه فأخاطبه لينظر عبر السنين: أي الدماء وفرها وأي الدماء سفكها؟! وهل لو أوتي الرجل علم غيب، بل لو أوتي علم واقع وتاريخ آنئذ، فكيف سيكون قراره؟

هل سيفعل ذات ما فعل؟ أم سيفضل مواجهة مع عبد الناصر وزمرته ما كانت لتأخذ بضع ساعات حتى ينتهي شر هذه الشرذمة الفاسدة المفسدة التي دفعنا ثمن حكمها بحارا من الدماء في كل شبر عبر ستين سنة سوداء مظلمة؟!

دعنا من الهضيبي الآن، ولنسأل من رأى تجربة الهضيبي وعاشها ودفع ثمنها، لنسأل الإسلاميين المعاصرين: هل تحبون أن يكون خياركم ذات هذا الخيار بعد أن رأيتم آثاره؟ وتحت ذات القميص المرفوع "حقن الدماء"!!!

إن الدماء التي حقنها الهضيبي كانت دماء عبد الناصر وزمرته، والدماء التي سالت كانت دماء المسلمين، من لم يمت منهم في السجون تعذيبا مات في حرب خاسرة أو قطار محترق أو عبارة متهالكة أو في حادث سيارة أو مريضا بمواد مسرطنة، هذا إن لم يمت غما وهما وقهرا!

هذا وقد فقدنا السودان وفلسطين وسيناء، ونشرنا في بلادنا وبلاد العرب الشيوعية والإباحية والفساد، وأيدنا تيتو في ذبح المسلمين اليوغوسلاف وهيلاسيلاسي في ذبح مسلمي الحبشة وخروتشوف ضد مسلمي روسيا وآسيا الوسطى وأيدنا الهندوس ضد باكستان والقبارصة ضد الأتراك!

***

خلاصة هذا المقال طلب الفتوى في هذه النازلة:

1. ما حكم الانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب شعبيا؟

2. وما طرق مواجهته شرعا إذا كان متترسا بالجنود -البسطاء- وبالسلاح؟

3. وماذا إذا غلب على الظن أن هذا الانقلاب بدعم من طوائف علمانية (تعادي الشريعة وترفض الحكم الإسلامي عن عقيدة) وبإذن من أعداء الأمة: اليهود والنصارى؟

4. وماذا لو أضفنا إلى هذا خبرتنا الحديثة مع الأنظمة العسكرية عبر ستين سنة والتي رأينا آثارها في طول وعرض بلاد العرب والمسلمين؟

***

الإجابة على هذه الأسئلة فقهيا ستمثل:

1. الحد الأدنى والإطار العام والخطوط الحمر التي يضعها المسلمون لأنفسهم في بناء النظام السياسي، وهل يقبلون مرة أخرى بإمارات التغلب في زمن تيسر فيه اختيار الحاكم ولم تعد ثنائية (التغلب أو الفتنة) قائمة.

2. والأهم من ذلك أنه سيمثل لحظة اليقظة الأخيرة بدل أن تُعاد طرح هذه الأشئلة وقت وقوع الكارثة حيث سيختلفون ويتنازعون وتعميهم حسابات اللحظة القريبة ورسائل الغرف المغلقة العاجلة عن المصلحة الكبرى.

أي أن الإجابة على هذه الأسئلة ستوضح الموقف العملي قد أن يأتي تخبط آخر كتخبطهم في لحظة الثورة.. وهو التخبط الذي أنتج تلك الفوضى المريعة في المشهد السياسي الإسلامي.

وأما تجنب هذه الأسئلة وعدم مناقشتها قبل وقوعها يعني:

1. غفلة كارثية

2. هدر فقهي ونسيان الأولويات

3. أو خوف من مجرد التفكير.. وهو ما إن تحقق فلا يليق بمن هذا حاله أن يوضع في جملة قادة الأمة ونخبتها

***

فإذا وقعت الواقعة، فاعلموا أن "المؤمن" هو من "لا يلدغ من جحر واحد مرتين"!