الثلاثاء، ديسمبر 11، 2012

"نعم" للدستور..


تتركز اعتراضات العقلاء والشرفاء على أمرين: موقع الشريعة ومقامها، وموقع العسكر ومقامهم! وحيث أني ممن لا أرضى موقع هذين ولا مقامهما في الدستور فالطبيعي أني سأرفض الدستور، فهما ليسا بالأمر الهين السهل ولا مما يمكن تجاهله..

لكن للأسف هذا فقط نصف الصورة!

تماما كنصف الثورة حين خرق الخضر السفينة، وحين قتل الطفل الصغير، وحين أقام جدارا مجانيا بقرية البخلاء!

لنضع أمام أنفسنا هذه الحقائق!

1. الدستور ليس إلا حبرا على ورق، يملك الفاعلون تحويله إلى حقائق كما يملكون إلقاءه في أقرب مزبلة.. في الحقيقة كل النصوص القانونية -والغالبية العظمى من رجال القانون- تحت رحمة الدبابة وفي خدمتها (سيف المعز وذهبه!).. ويمكن لانقلاب عسكري بسيط أن يطيح بكل مجهودات القانونيين ثم سيجد من أهل القانون أحذية له يلبسها ويصوغون له رغباته في قوانين ودساتير.

2. الفاعل الرئيسي في المشهد هو من يملك القوة، والقوة هي: قوة السلاح، وقوة المال، والقوة الشعبية.. في الأحوال الطبيعية غير الثورية لا تكون القوة الشعبية ذات وزن في المعادلة، ويكون السلاح هو الأقوى ثم المال.. أما في الأحوال الثورية فإن القوة الشعبية تصبح الأقوى في المعادلة بينما تتراجع قوة السلاح والمال إلى أدنى مستوياتها.

3. لولا التوحد الشعبي ما نجحت الثورة.. ولولا التوحد الإسلامي ما فشلت مؤامرة اقتحام قصر الاتحادية (أو قل تأجلت)..

4. فيما يخص العسكر ثمة أمران:

أ. أن هذه المواد بالنسبة للمراحل الانتقالية المشابهة والظروف الحالية ممتازة جدا.. وإن كانت في نفسها لا تصل لمستوى المأمول في الدول التي ضبطت علاقة العسكر بالشأن المدني.

ب. أن العسكر يضمنون موقعهم هذا بقوة السلاح، وهم يرون في الإسلاميين خصومهم، كما أن العلمانيين نشأوا وعاشوا في ظل العسكر واستبدادهم، وهم لو كتبوا الدستور فسيعطون للعسكر كل ما من شأنه أن يعسكر الدولة تماما ويحميها من أي احتمالية مستقبلية لوصول الإسلاميين إلى الحكم.. بما يعني أن التاسيسية القادمة لن تحقق أفضل من هذا في شأن العسكر رغبة إليهم أو رهبة منهم.

5. فيما يخص الشريعة ثمة أمران أيضا:

أ. أن النص الحالي وإن كان لا يرضينا إلا أن انتخابنا لمن يرضينا يصحح عواره، أو حتى يهيئ الأحوال لتعديله إلى ما يرضينا عبر طريق آمن، أو على الأقل أفضل وأكثر امنا من طريق رفضه.

ب. أن انتخاب تأسيسية قادمة لن يكون مطلقا كما نحب ونرضى، بل سيصدر له قانون يحدد "المحاصصة الطائفية والسياسية للجنة" وهو القانون الذي سيصدره مرسي تحت القصف العسكري العلماني الفلولي وقد تبين لنا بجلاء أن الرجل وحده وأن أجهزة الدولة تحاربه حتى الحرس الجمهوري الذي يخونه ويُسْلِمه.

6. أما بتوسيع الصورة فسنرى أنفسنا أمام كتلتين: الكتلة المؤيدة هي الإسلامية والكتلة الرافضة هي العلمانية.. ولا يمنع أن في الجانبين إسلاميين أو علمانيين.. فالدستور هو بالفعل عنوان للصراع الإسلامي العلماني في مصر.. وقبوله هو ارتفاع لأسهم الإسلاميين ورفضه هو ارتفاع لأسهم العلمانيين.. ومهما كان موقفك وتحفظك وأمانيك فلن تستطيع تغيير هذه المعادلة في ظل الضعف الإعلامي الإسلامي، وتغول الإعلام العلماني العسكري الفلولي.

7. في الموازنة بين استمرار الرئيس وحيدا لعشرة أشهر أخرى (3 انتخاب جمعية، 6 كتابة دستور، 1 للتصويت عليه) وبين وجود برلمان يعضده ويقويه وهو أيضا يراقبه ويصحح عمل حكومته ويسانده في تطهير الوزارات في ظل هذا الدستور المطروح.. أحسب أن هذه الموازنة تميل بوضوح لصالح وجود برلمان بأسرع وقت ممكن لتمثيل الإرادة الشعبية كجزء من معادلة الصراع.

لهذا ولغيره أرى أن التصويت بـ "نعم" هو ما يحقق المصلحة المرجوة.