الخميس، أغسطس 23، 2012

النقد الذاتي صفة العظماء

"عبر حياتي كنت أبحث عن معنى معين لم أجده إلا في الإسلام" [جارودي]

***

النقد الذاتي هو صفة الأحرار ولا يستطيعه العبيد ولا أهل التقليد ولا أهل التقييد، المنطلقون من الأغلال وحدهم يستطيعون النظر إلى مسارهم ومسيرتهم وإعادة تقييمها وتصحيحها جزئيا أو كليا، ذلك أن جوهر الإنسان وأصل الإنسانية هي الحرية والقدرة على الاختيار والقدرة على تغيير نمط الحياة، فبذلك يرتفع الإنسان ويتميز عن غيره من الكائنات!

أمتع المذكرات والسير الذاتية هي تلك التي يرويها أناس قضوا حياتهم في البحث عن الحقيقة، فانتقلوا من وجهة إلى وجهة أخرى، ذلك أنها مكنوزة بتحليلات نفسية معمقة وتأملات مبتكرة وزوايا نظر مختلفة، ويجمع بينهم مخزون ثقافي واسع، ومهما تعددت طرقهم في الاهتداء فإن الهداية في النهاية تجمعهم! يقول د. عبد الوهاب المسيري في رحلته الفكرية: "وهكذا، بدلا من الوصول إلى الإنسان من خلال الله، وصلت إلى الله من خلال الإنسان، ولا يزال هذا هو أساس إيماني الديني"[1].

***

وليس النقد الذاتي منحصرا في الهداية الدينية بطبيعة الحال، بل هو أمر يشمل الدين، والمذهب، وطريقة الحياة، ومنهج التفكير، وبهذا النقد الذاتي الناتج عن البصيرة واليقظة ورقابة الأداء يحفر العظماء أسماءهم في سجل التاريخ.

وقد آثرنا أن يكون حديثنا عمليا واقعيا سجلته ذاكرة الأيام ليكون المثال مُغنيا عن طول المقال! واخترنا ثلاثة نماذج: في الدين، وفي المذهب الفكري، وفي التخطيط الاستراتيجي.

1. الجيل الفريد

لقد كان النقد الذاتي هو الفارق بين من أسلموا لله رب العالمين، ومن كفروا به وقد رفعوا شعارهم (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) حتى ولو كان هذا الشعار في وجه من جاءهم يقول (أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم؟! قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون)!

إن تبرؤ الصحابة من دين آبائهم ليس أمرا سهلا أبدا، ولك أن تتخيل مثل خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما، فهؤلاء آمنوا بدين يُلزمهم أن يؤمنوا بأن آبائهم في النار خالدين فيها وبئس المصير! وكيف تبرأ أبو بكر من ابنه حتى لقد أعلن أنه لئن كان رآه في صف المشركين في غزوة بدر لكان قد قتله، وكيف استطاع الأنصار تغيير ما ألفوه من العداوة التاريخية الطويلة بين الأوس والخزرج فصاروا أنصار الله ورسوله، وضربوا الأمثلة الخالدة في الإخوة فيما بينهم ثم في الأخوة مع المهاجرين حتى لقد جاءت القصص بما لا يصدقه العقل من اقتسام الأموال والأملاك بل والزوجات!

ولا يجوز أن نتحدث عن النقد الذاتي دون أن نتذكر ذلك النموذج الفريد، هذا الشاب القادم من أرض فارس، حيث ترك المنزلة الرفيعة والحياة الرغيدة ليبحث عن الحقيقة، إنه سلمان الفارسي رضي الله عنه، الذي آمن أن الحق لن يكون في عبادة النار، فهام على وجهه ينتقل من راهب إلى راهب إلى راهب حتى مات الراهب الأخير وقد ترك له وعدا بأنه قد اقترب زمان النبي الأخير، فظل ينتظر ويترقب ويتسمع الأخبار حتى التقى النبي (صلى الله عليه وسلم) فآمن به، فصار بهذا من خيار الصحابة وكبارهم وممن إذا غضب من أحد غضب الله له كما في قول النبي: "يا أبا بكر لعلك أغضبتهم (سلمان، وصهيب، وبلال) لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك".

إن النقد الذاتي أمر لا يستطيعه غير الطبقة العالية في الفضلاء، فكم من فضلاء كرام لا يستطيعون تغيير أفكارهم وقناعاتهم، وهذا أبو طالب نفسه الذي قام بالدور الأهم في حماية النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يستطع رغم كل ما رآه، ورغم كل الإلحاح الذي بذله النبي أن يؤمن، فكان آخر موقفه وهو على فراش الموت "بل على دين عبد المطلب"!

***

2. الأشعري.. من الاعتزال إلى منهج أهل السنة والجماعة

لا يغيب مكان الإمام الشعري ومكانته عن أحد في مجال الفكر الإسلامي، فهو أحد أعلام الأمة وأئمتها عبر تاريخها حتى لهو أحد الذين يتنازع فيهم الناس، كل ينسبه إلى مذهبه وطريقته، وليس يعنينا النزاع قدر ما يعنينا تبيين مكانته، فهو "العلامة إمام المتكلمين" كما يصفه الإمام الذهبي، وهو الذي كان الإمام الباقلاني يقول فيه: "أفضل أحوالي أن أفهم كلام الأشعري".

لقد نشأ ذلك الإمام بين المعتزلة، وكان زوج أمه واحد من أئمتهم الكبار وهو الجبائي، فتربى وتعلم على يديه، حتى تشرب المذهب وأتقنه ونَظَّر له وألف فيه كتبا، ثم هو بعد هذا العمر والرفعة في المذهب بدا له فساده، وكانت القاصمة تلك المسألة المشهورة التي سألها للجبائي عن "وجوب الأصلح على الله" وهو ما يقول به المعتزلة.

سأل الأشعريُّ الجبائيَّ: ما تقول في ثلاثة أخوة أحدهم كان براً مؤمناً نقياً، والثاني: كافراً فاسقاً شقياً، والثالث: كان صبياً. فماتوا، فكيف حالهم؟ قال الجبائي: أما الزاهد ففي الدرجات، وأما الكافر ففي الدركات وأما الصغير فمن أهل السلم، فقال الأشعري: إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزهد يؤذن له؟ فقال الجبائي: لا، لأنه يقال له: إن أخاك إنما وصل إلى هذه الدرجة بحسب طاعته الكثيرة وليس لك تلك الطاعات؟ فقال الأشعري: فإن قال ذلك الصغير: التقصير ليس مني، فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة؟ فقال الجبائي: يقول البارى جل وعلا: أعلم أنك لو بقيت لعصيت وصرت مستحقاً للعذاب الأليم، فراعيت مصلحتك. فقال الأشعري: فلو قال الأخ الكافر: يا إله العالمين، كما علمت حاله فقد علمت حالي، فلم رعيت مصلحته دوني؟ فقال الجبائي: وسوست؟ فقال الأشعري: ما وسوست، ولكن وقف حمار الشيخ (أي لم يجد جوابا).

وكان هذا بداية تركه لمذهب الاعتزال، ثم أعلن هذا في مسجد البصرة، ويكفي أن تعلم أن الفقيه الحنبلي المشهور البربهاري لم يقبل الأشعري لأنه لم يصدق أن مثله قد يعود عن مذهبه! لكن الأشعري بدأ بعدئذ رحلته الثانية في الرد على مذهبه الأول ونقضه، وألف هو نفسه كتبا في الرد على الكتب التي ألفها سابقا، وفي الرد على شيخه الجبائي، حتى نصر مذهب أهل السنة إلى حد قال فيه الفقيه الكبير أبو بكر الصيرفي: "كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم، حتى نشأ الاشعري فحجرهم في أقماع السمسم".

***

3. المنصور بن أبي عامر.. الإنجاز الحضاري والخطر العسكري

كان المنصور محمد بن أبي عامر ذروة تاريخ الأندلس وعصرها الذهبي، بلغ بالأندلس من القوة والازدهار والحضارة ما لم يبلغه أحد قبله ولا أحد بعده، وفتح من الحصون والبلاد ما لم يصل إليه أحد قبله ولا بعده، وحكم في الأندلس ستا وعشرين سنة نفذ فيها اثنتين وخمسين غزوة لم تسقط له راية ولم يُكسر له جيش ولم تنهزم له سَرِيَّة، وكان من تلك الشخصيات الأسطورية التي تبهر الجميع وترهبهم، حتى لقد كتب المسلمون على قبره شعرا يقول:

آثاره تنبيك عن أخباره .. حتى كأنك بالعيان تراه

تالله لا يأتي الزمان بمثله .. أبدا، ولا يحمي الثغور سواه

لقد حقق المنصور إنجازا عسكريا ضخما بإقرار السيادة الكاملة للمسلمين على جزيرة الأندلس، وحقق كذلك إنجازا حضاريا هائلا بما أنجزه من عمارة وإصلاح، لكنه اكتشف قُبيْل موته أن اندفاعه الحضاري في جانب التعمير كان ينبغي أن يراعي الضرورات الحربية، ذلك أن تعميره لسائر المدن الأندلسية بما فيها المدن على الحدود والثغور سيعطي فرصة للعدو في لحظات تفوقه العسكري أن يستعين بها في حصار المسلمين والتفوق عليهم، ولقد كان الأولى أن يترك هذه المناطق بلا عمارة لتكون مناطق عازلة بين المسلمين وعدوهم.

هذه المراجعة والنقد الذاتي كانت في حوار بينه وبين حاجبه كوثر، لما "حضرته الوفاة بكى، فقال له حاجبه كوثر: مم تبكي يا مولاي؟ لا بكت عيناك. فقال: مما جَنَيْتُ على المسلمين، فلو قتلوني وحرقوني ما انتصفوا مني، فقال له: كيف ذلك؟ وانت أعززت الإسلام وفتحت البلاد وأذللت الكفر وجعلت النصارى ينقلون التراب من أقصى بلاد الروم إلى قرطبة حين بنيت بها جامعها؟ فقال: لما فتحت بلاد الروم ومعاقلهم، عمرتها بالأقوات من كل مكان، وسجنتها بها حتى عادت في غاية الإمكان، ووصلتها ببلاد المسلمين، وحصنتها غاية التحصين، فاتصلت العمارة، وليس في بَنِيَّ من يخلفني، وسيشتغلون باللهو والطرب والشرب، فيجيء العدو فيجد بلادا عامرة وأقواتا حاضرة فيتقوى بها على محاصرتها، ويستعين بوجدانها على منازلتها فلا يزال يتغلبها شيئا فشيئا، ويطويها طيًّا فَطَيًّا حتى يملك أكثر هذه الجزيرة، ولا يترك فيها إلا معاقل يسيرة. فلو ألهمني الله إلى تخريب ما تغلبت عليه وإخلاء ما تملكت، وجعلت بين بلاد المسلمين وبين بلاد الروم، مسيرة عشرة أيام فيافيا وقفارا، لا يزالون لو راموا سلوكها حيارى، فلا يصلون إلى بلاد الإسلام إلا بمشقة وكثرة الزاد صعوبة المرام. فقال الحاجب: أنت إلى الراحة إن شاء الله أقرب، فتأمر بهذا الذي رأيت. فقال له: هيهات! حال الجريض[2] دون القريض، والله لو استرحت وأمرت بما ذكرت، لقال الناس: مرض ابن أبي عامر فأورثه مرضه جنونا وهوسا تمكن من دماغه، فخرب بلاد المسلمين وأجلاهم وأقفرها"[3].

***

يمكن أن نسهب ونطنب كثيرا في النقد الذاتي وأهميته وضرورته للفرد والأمة، لكننا بعد طول المسير نجد أنفسنا ندندن حول قول رسوال الله (صلى الله عليه وسلم)

"لا يلدغ المؤمن من جُحْرٍ واحد مرتين"

نشر في المركز العربي للدراسات والبحوث



[1] د. عبد الوهاب المسيري: رحلتي الفكرية، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الرابعة، فبراير 2009. ص305.

[2] الجريض: أي الغصة، وهو مثل يقال عما فات وقته.

[3] ابن الكردبوس: الاكتفاء في أخبار الخلفاء، تحقيق: د. أحمد مختار عبادي، مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية، مدريد، العدد 13، ص64 وما بعدها.