الخميس، أبريل 07، 2011

عبد الرحمن وعبد الرحمن.. شابَّان غيَّرا وجه التاريخ

محمد إلهامي[1]

في أقصى شرق الإمبراطورية الإسلامية الواسعة، في خراسان، وفي عهد الدولة الأموية التي توشك شمسها على المغيب، كان ثمة شاب حدث السن يقود عملية إنهاء الدولة الأموية التي قاربت أن تُكْمِل قرْنًا في عمر الزمان.. ذلك هو عبد الرحمن بن مسلم، الرجل الذي عُرف في كتب التاريخ بكنيته ونسبته: أبي مسلم الخراساني.

وفي قلب العائلة الأموية نشأ شاب آخر، عبد الرحمن بن معاوية، حفيد الخليفة هشام بن عبد الملك وابن الفارس الأموي معاوية بن هشام، وأمه جارية من قبائل نفزة في أقصى الغرب.

فكأننا إذ ننظر إلى هذين الشابين، ننظر إلى محيط الأمة من شرقه إلى غربه، منه خرجا، ثم إنهما قد أعادا صياغته صياغة جديدة في التاريخ الإنساني.

أما أبو مسلم فقد وُلد مع ميلاد الدعوة العباسية في عام 100 من الهجرة، وكان غلاما خادما لبعض المؤمنين بالدعوة العباسية، فلفتت نجابته نظر بعض النقباء أصحاب الدعوة فاشتروه من سيده ثم صار عند الإمام إبراهيم (بن علي بن عبد الله بن عباس) صاحب الدعوة العباسية نفسه، ورأى منه الإمام إبراهيم ما جعله يُوفده إلى خراسان التي كانت الدعوة فيها قد قويت وترسخت، يوفده مسؤولا عن الدعوة هناك، وهو الذي لم يُكمل الثلاثين.

وقد ارتاع لهذا القرار الخطير مسؤول الدعوة في خراسان، سليمان بن كثير، ولم يصدق أن هذا الفتى الحدث سيكون كبير الدعاة في خراسان إلا أن التزام باقي نقباء الدعوة بأوامر الإمام حسمت الأمر لصالح أبي مسلم.

وأثبت أبو مسلم أنه كان نعم الرجل في موقفه، فقد استطاع الانتقال بالدعوة العباسية من مرحلتها السرية إلى العلنية، ومن الاستضعاف إلى إقامة الدولة، حتى أن المأمون قال: أجل ملوك الأرض ثلاثة، الذين قاموا بنقل الدول: الإسكندر، وأزدشير، وأبو مسلم.

وعلى يد أبي مسلم وجيوشه انهارت الدولة الأموية وقامت الدولة العباسية، وصار أقوى رجال الدولة على الإطلاق حتى إن أبا جعفر المنصور ألَحَّ على السفاح في قتله بعدما بدا أنه خطر على الدولة وأنه الملك الحقيقي الذي لا يستطيع الخليفة أن يغاضبه على رغم ما قام به من أفعال تنال من هيبة الخلافة وتُفصح عن تعاظم سطوته ونفوذه.

ولقد دارت الأيام حتى احتال عليه أبو جعفر المنصور حين أصبح خليفة، حتى تمكن منه وقتله، ثم قال كلمة عميقة الدلالة: "الآن تبدأ دولة بني العباس"!

كان أبو مسلم حَجَّاج بني العباس، مسرفا في القتل وسفك الدماء، آية في الذكاء والعزم، محتفظا باتزانه حتى لا يظهر عليه أثر الانفعال، فلا يظهر عليه السرور حين تأتيه أخبار النصر العظيم، ولا يظهر عليه أثر الحزن حين تنزل به المصيبة، ولا يُخْرجه الغضب عن عقله، وهو ممن يُضرب به المثل في علو الهمة.. قُتِل وعمره سبعة وثلاثون عاما، غَيَّر فيها وجه التاريخ.

وأما عبد الرحمن بن معاوية، فقد ولد بعد أبي مسلم بثلاث عشرة سنة (113 هـ)، فما كاد يبلغ سن الشباب حتى وجد نفسه مُطَاردًا ومطلوبا للعباسيين الذين كانوا يحاولون استئصال كل من يصلح للخلافة من بني أمية حتى لا تقوم لهم قائمة، وحين بدأت المطاردة كان في أرض العراق، وكاد يقع في يد جنود العباسيين لولا أنه عبر النهر سباحة فأفلت منهم، ثم بدأت رحلة طويلة مثيرة من العراق إلى الشام إلى مصر إلى المغرب كاد أن يقع فيها أكثر من مرة في يد العباسيين أو أتباعهم حتى وصل إلى الأندلس.

ولئن كانت كتب التاريخ لم تستطع أن تروي تفاصيل رحلته الطويلة العجيبة، التي لا شك أنها كانت حافلة بالأحداث والوقائع الرهيبة، إلا أنها استطاعت أن تروي ما تبقى من قصته.

ذلك أن الأندلس كانت على وشك الانهيار بعد أن عصفت بها الفتن السياسية، والعصبيات القبلية، حتى لقد فقد المسلمون ما كانوا قد فتحوه من الأراضي الفرنسية، وكثيرا من أراضي الشمال في الجزيرة، واشتعلت بينهم الحروب التي جددت عصبية الجاهلية الأولى.

واستطاع عبد الرحمن الداخل –وهو الوحيد المطارد- أن يدخل على خط الأوضاع في الأندلس، ويدير معركة القبليات هذه حتى صار أمير الأندلس، وبه دخلت الأندلس عهدا جديدا تماما، فلقد حرص على كسر شوكة العصبية الجاهلية وتأسيس شوكة الدولة التي تعلو فوق القبلية، فهيأ المناخ للنهوض الحضاري، وأطلق "الشرارة الحضارية" التي جعلت الأندلس واحدة من المراكز الحضارية الخالدة في التاريخ الإنساني، فكان الأموي الذي جدَّد ملك بني أمية في المغرب بعد زواله في المشرق.

خرج عبد الرحمن من الشام وعمره تسعة عشر عاما، وظل طريدا هاربا أكثر من خمس سنوات، حتى دخل الأندلس وعمره خمس وعشرون سنة، حتى لقد لقبه عدوه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بـ "صقر قريش" ذلك أنه "عبر البحر، وقطع القفر، ودخل بلدا أعجميا، منفردا بنفسه؛ فمَصَّر الأمصار، وجَنَّد الأجناد، ودَوَّن الدواوين، وأقام مُلْكًا عظيما بعد انقطاعه، بحسن تدبيره، وشدة شكيمته".

ولم يصدق بعض الناس أن حياة أحد يمكن أن تكون بهذه العظمة، فتكلموا عن سَعْده وحسن حظه، فردَّ عليهم بشعره البليغ:

سَعْدي، وحزمي، والمهند، والقنا ... ومقادر بلغت وحال حائل

إن الملوك مع النجوم كواكب ... نجم يطالعنا ونجم آفل

والحزم كل الحزم ألا يأفلوا ... أيروم تدبير البرية غافل؟!

ويقول قوم سعده لا عقله ... خير السعادة ما حماه العاقل

وهكذا، من شاب نشأ في أقصى الشرق وقتل في قلب الدولة الإسلامية، إلى شاب نشأ في قلبها ومات في أقصى غربها، صاغ كل منهما تاريخا جديدا، وماتا والعالم قبلهما غير العالم الذي كان بعدهما.. وفي مثل هذه الهمم فليتنافس المتنافسون.



[1] باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية، صاحب مدونة المؤرخ (http://melhamy.blogspot.com)

نشر في مجلة الوعي الإسلامي، العدد (549)، جمادى الأولى 1432 هـ، إبريل - مايو 2011م.