الأحد، ديسمبر 26، 2010

الدولة تبني الحضارة.. والأمة أيضا


في حواره مع الموقع الشبابي الرائد "يقظة فكر"، قال الأستاذ الكريم المقري الإدريسي عبارة أحسب أنه ينبغي التوقف عندها كثيرا، فلقد قالها ببساطة وحسم وكأنها "قانون معروف"، أو كأنه "اكتشاف حضاري" يملك عليه الأدلة المتواترة. تلك هي قوله "حضارة الإسلام بنت الدولة وليست الدولة التي بنت حضارة الإسلام".. ولقد جعل الموقع من هذه العبارة عنوان الحوار الرئيسي مما عطاها ثِقلاً جديدا.

وأحسب أن الأستاذ جانبه الصواب في هذه العبارة، لاسيما وأن مقدماته لا توصل بحال إلى هذه النتيجة؛ لقد نفي الأستاذ –عن حق- أن الدولة الإسلامية "دولة شخص لأنه حتى الرسول – صلى الله عليه وسلم – الشخصية المحورية والمركزية في كل هذا المشروع، قال عنه القرآن الكريم: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم علي أعقابكم)... المعنى من هذا أنَّ الدولة الإسلاميَّة ليست دولة شخص وليست الأُمَّة الإسلاميَّة أمة الدولة بل هي تصنع الدولة" ثم انتقل من هذه المقدمة ليقول: "في تاريخ الإسلام الدولة مكون من مكونات الأُمَّة, وهي عنصر ناظم فقط لكل طاقاتها، حيث توفر جانب الأمن والكرامة والحريَّة والرمز والراية والجيش والعلاقات الخارجيَّة والأمن والاستخبارات فقط، وماعدا هذا فالأوقاف والمجتمع الأهلي والمدني والعلماء والقضاة والدعاة والمجاهدين والشهداء والمفكرين والمرجعيَّات كانوا يمثلون عمدة الوجود المعنوي للأمة، ولهذا فـ”حضارة الإسلام بنت الدولة وليست الدولة التي بنت حضارة الإسلام“.

ويبدو أن الأستاذ المقريء الإدريسي أراد أن يُعَظِّم من شأن المجهود الجمعي للأمة وإسهاماته الحضارية فَتَطَرَّف في العبارة حتى أَغْرَب في هذا الاتجاه، إلى الحد الذي جعل الحضارة والدولة من نتاج هذا المجهود!

والحق أن ثمة "خصوصية إسلامية" في المسار الحضاري للأمة المسلمة، تلك هي "الإبداعات" الحضارية التي جعلت الأمة تمتلك "تمويلا ذاتيا" لمشروعاتها الحضارية، وأهم مصادر هذا التمويل هو مؤسسة الوقف.. لقد ضمنت مؤسسة الوقف بما تجمعه من الأمة من أموال نموا ذاتيا للمؤسسات العلمية والتعليمية والصحية والتعميرية، وضمنت أيضا استقلالا للعلماء الذين يحصلون على أجورهم من أموال الأمة لا من خزانة السلطان، ثم ضمنت تمويلا لطلبة العلم المتفرغين له، وكل هذا أتاح للأمة أن تواصل مسيرتها ونموها الحضاري بمعزل عن الحالة السياسية.

ولهذا تكرر كثيرا أن يهوى الوضع السياسي في الضعف والانحدار فيما الأمة تواصل تفوقها الحضاري، فحين أقبل الصليبيون أخذوا الأرض نتيجة الانهيار السياسي، ولكنهم أُسِروا أمام التفوق الحضاري وبدأوا يتعلمون منه، وكذلك المغول، وكذلك الإسبان حين كانوا يقتطعون من الأندلس حتى ابتلعوها، وكذلك النورمان حين طردوا المسلمين من صقلية... وهكذا، كانت النمو الحضاري للأمة بمعزل عن حالتها السياسية.

لكن يجب ألا نتوقف هنا فنضع نقطة في آخر السطر ونسكت، وكذلك يجب ألا نبالغ في هذا المجهود الجمعي حتى نظن أن الأمة هي التي أفرزت الدولة وهي التي أفرزت الحضارة.. بل إن الحقيقة التاريخية المعروفة تقول بأن الحضارات لا تنشأ إلا في دُوَلٍ مستقرة.

***

إن بداية الحضارة دائما كانت من الدولة وليست من الأمة، ثم إنه لا معنى لأن نقول إن الأمة تفرز الحضارة، ذلك أن الحضارة –بشقيها: المادي والقِيَمي- لابد لها من أرض تنشأ عليها، ولابد لها –كذلك- من دولة توفر لها مقومات الحياة، والأستاذ الإدريسي نفسه قال بأن الدولة "عنصر ناظم فقط لكل طاقاتها، حيث توفر جانب الأمن والكرامة والحريَّة والرمز والراية والجيش والعلاقات الخارجيَّة والأمن والاستخبارات فقط"، ولنا أن نتعجب ما نشاء من لفظ "فقط" بعد كل هذه "الضرورات الحيوية" التي ذكرها، ثم كيف يستقيم أن تكون الدولة عنصرا ناظما لطاقات الأمة بما يُفضي في النهاية إلى تكوين الحضارة، ثم يُقال بعد سطور بأن الحضارة إفراز من الأمة وليست من الدولة؟

لقد بدأت حضارة الإسلام من "دولة" المدينة، وكانت الحضارة في هذه اللحظة متكثفة في المنظومة القيمية لا في الإنتاج المادي، وما كان لهذه المنظومة القيمية أن توجد إلا في ظل "دولة"، صحيح أن القيم نفسها بدأت مع الرسالة في مكة إلا أنها حوربت وعوديت ولم يُسمح لها بالحياة، فلما أن قامت "دولة" الإسلام في المدينة نزلت الأحكام التفصيلية التي كانت بمثابة الثوب والتطبيق والتفعيل للقيم التي جاءت بها الرسالة.

ما كان المسلمون في مكة يستطيعون أن يطبقوا منظومتهم الأخلاقية الحضارية، فما استطاعوا أن يُنشئوا الحضارة الإسلامية في مكة، ولو في شقها القيمي الأخلاقي فحسب.. بل نزلت الأحكام حين صارت لهم "دولة" تستطيع أن تبدأ فيها الحضارةُ مسيرتَها.

***

ثم بدأ منحنى الإنتاج المادي يتصاعد، لكن هذا التصاعد بدأ بـ "قرارات الدولة"، فاستيعاب أحوال الدواوين الفارسية واعتمادها في الدولة الإسلامية كان بقرار من الخليفة، ثم تعريب الأنظمة والمكاتبات والنقود كان بقرار من الخليفة، ثم انطلاق مشروع الترجمة عن العلوم اليونانية والفارسية والهندية كان بقرار من الخليفة، وبداية إنشاء المؤسسات العلمية والتعليمية والصحية كلها كانت قرارات صدرت من رأس "الدولة".. كان لابد من دولة تُطلق "الشرارة الحضارية" ثم بعدئذ تتمكن الأمة من تمويل هذه البدايات الحضارية ورعايتها ودعمها حتى تتمكن من الاستقرار والمواصلة.

ولو لم تكن الدولة صاحبة هذه القرارات التي بدأت بها "الشرارة الحضارية"، ما كان أحد من الناس يستطيع أن يتخذ قرارا بتنظيم الدواوين، ولا بتعريبها، ولا بإنشاء دار الحكمة، ولا برعاية مشروع الترجمة، ولا ... ولا ... ولا ... إلى آخر هذه القرارات التي بدأت بها مسيرة حضارية.

كان عهد أبي بكر الصديق بتثبيت استقرار الدولة ثم بتمكينها، ثم جاء عمر ومن بعده عثمان فبدأت في عهدهما بدايات الحضارة الإسلامية (في شقها المادي بالطبع، لأن الشق القيمي الأخلاقي استقر منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم).

ثم حدثت اضطرابات معروفة في مسار الدولة، حتى تمكن عبد الملك بن مروان من إحكام أمر الدولة ثم توسيعها، فكان عهد الأمويين عهد الفتوحات والاستقرار السياسي الذي أسس لظهور البناء الحضاري الشامخ الذي بلغ ازدهاره في عهد العباسيين الذين ورثوا ملكا مستقرا فكان عليهم أن يُثَمِّروه ويُنضِجوه حضاريا ففعلوا هذا على خير وجه.. وفي عهدهم نمت العلوم والمؤسسات وأساليب الإدارة والحكم والفن وسائر المظاهر الحضارية.

وفي الأندلس لم تبدأ الحضارة الأندلسية إلا بعد استقرار الدولة على يد عبد الرحمن الداخل، ونفس الأمر تم مع العثمانيين.

كانت الحضارة تبدأ بعد استقرار الدولة، وبقرارات الحكام الأقوياء النابهين الذين يظهرون في هذه المراحل من عمر الدول، فيُطلِقون الشرارة الحضارية فتبدأ عجلة الحضارة في الدوران.

فلهذا تنشأ الدولة فتنظم شؤون الأمة ثم تبدأ شرارة الحضارة فتعمل الأمة على تلقفها وتثميرها وتمويلها ودعمها.. ولو صح أن الأمة تفرز الدولة والحضارة لرأينا المسار معكوسا، لرأينا الأمة –وإن كانت في فترات اضطرابها – تستطيع أن تنتج دولة أو حضارة.. وهو ما لم يحدث.

***

صحيح أن الحضارة الإسلامية لم تكن تنتهي حين ينتهي النظام السياسي، إلا أنها كانت تتأثر بمناخ الضعف والانحدار ولاشك، وحين يطول عليها الانهيار في الحالة السياسية فإن أعراض الضعف تبدأ فيها حتى نصل إلى التخلف الحضاري.

لكن اللحظة الفارقة والمؤثرة في المسار التاريخي للعالم كله كان في ظهور "الدولة المركزية"، وخطورة الدولة المركزية تتمثل في أنها استولت على مقدرات الأمة وما كان بيدها من أدوات، فاحتكرت الإعلام والتعليم والسلاح حتى جردت الأمة من إمكانيتها في الحركة، فإذا جاء على رأس هذه الدولة مستبد أمكنه أن يصوغ الناس على مثاله ولو كره الناس.

ولقد بدأت هذه اللحظة في العالم الإسلامي على يد محمد علي، ألغى الأوقاف وجمع في يده مقاليد الأمور حتى لم يعد للأمة شيء، ولا حتى إمكانية الدفاع عن نفسها، وعلى رغم انتصار المصريين بمجهودهم الذاتي على حملة فريزر الإنجليزية وردها عن مصر خاسرة، إلا أن محمد لم يسمح بأن يبقى في يد العامة سلاح لأنه يعلم جيدا أنه سلاح تحرر من المحتل ومن المستبد أيضا.

وعليه جمع محمد علي السلطات في يده، وجَرَّد الأمة من مقوماتها الذاتية، فبدأت مرحلة تاريخية جديدة، مرحلة إذا مات فيها الحاكم مات معه مشروعه الحضاري (كما حدث مع مشروع محمد علي نفسه)، وإذا هُزِم فيها جيش الدولة فإن الدولة كلها تسقط تحت الاحتلال.

وبعد أن عاشت الحملة الفرنسية ثلاث سنوات تعاني فيها من مقاومة شعبية لا تتوقف، إذا بالاحتلال الإنجليزي ينعم بسبعين سنة في مصر. وبعد أن تولي محمد علي السلطة على رغم أنف الباب العالي بدعم من "القيادات الشعبية" المصرية، ترك محمد علي الحكم لأولاده وقد خلت مصر من القيادات الشعبية واستقر فيها حكم القائد الواحد المستبد. وبعد أن كان الشيوخ مستقلون بما يجري عليهم من أموال الأوقاف صارت رواتب الشيوخ تخرج من خزائن السلطان.

منذ ظهور الدولة المركزية بطبيعتها المتغولة صار كل إصلاح يصطدم بالدولة التي تملك وسائل التأثير والتوجيه والضغط والإغراء، ومن قبل ذلك وبعده تملك القوة التي يُحسم بها كل أمر مريب.

لقد أدى هذا إلى نشوء ظاهرة أسميها "المجتمع الإسلامي المشوه" (صدر ضمن إصدارات يقظة فكر)، مما يحسم التفكير نحو نتيجة خلاصتها أنه لابد من إصلاح الدولة لكي نحقق هذه النهضة الحضارية المأمولة.

نشر في: يقظة فكر