الأحد، أغسطس 24، 2008

المجتمع الإسلامي المشوه 1/3

لقد صنعت الحركات الإسلامية بناءا عظيما حقا ، فالبناء الدعوي الذي أقيم في المجتمعات الإسلامية بدأ دائما من الداخل من قلب هذه المجتمعات ، وبدأ دائما بجهود فردية لم يدفعها إلا إيمانها بالإسلام ورغبتها في تبدل حال المسلمين من الذل والانكسار إلى العزة والنصر .

لم تكن الحركات الإسلامية إلا نبع محتمعاتها ، فلم تكن امتدادات لمشروعات دولية أو إقليمية ، وإن حاولت بعض القوى احتواء وتوظيف الحركات الإسلامية وفي الأعم لم تنجح في هذا ، ولم تتلق الحركات الإسلامية دعما من الخارج أو ماوراء الخارج .. هي نبت طبيعي كانت قوانين الطبيعة تهيئ لإنباته ، فالبذرة الإيمانية موجودة ، والبيئة الخصبة موجودة ، وحوادث الزمان تدفعها للظهور والنماء.

واستطاعت الحركات الإسلامية بإخلاص قادتها وبصفاء ونقاوة معدن الجماهير المسلمة أن تكسر قاعدة الشاعر الذي قال :

متى يبلغ البنيان يوما تمامه *** إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

فرغم كثيرة الهادمين ، وبرغم أنهم طغاة جبارين متوحشين ، لم يدخروا جهدا ولا وقتا ولا طاقة في حرب الإسلام حربا لم تعرف الأخلاق إليها سبيلا ، إلا أن الصحوة الإسلامية اكتسبت مساحات واسعة في عقول وقلوب الجماهير المسلمة ، وصار الإسلام في هذه البلاد وبين تلك الجماهير الخيار الأول وريما الوحيد ، وأي انتخابات شبه نزيهة تحمل الإسلاميين مباشرة إلى المراكز الأولى .

وأنه إذا كنا نفهم أن البنيان لا يمكن أن يستقيم ويعلو إذا كان ألف يبنونه وراءهم هادم واحد يدمر ما بنوا ، فكيف إذا كان الذي يبني واحد والذي يهدم ألفا ؟ .. بهذا نعرف عبقرية البناء الإسلامي وعمق تجذره وقوته في بيئئته الإسلامية .

ولكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن البنيان لم يبلغ تمامه ، وأن مجتمعاتنا المسلمة تقع اليوم في موقف حرج ، بما يجعلها غير مكتملة “الإسلامية” كما أنها ليست بعيدة عنه .. ربما يصح أن نطلق عليها “المجتمع الإسلامي المشوه” .

ويتبدى هذا التشوه في مجالين كبيرين : تشوه أخلاقي وتشوه فكري .

فأما التشوه الأخلاقي فهو الذي لا أحسب أحدا ينكره ، كموضات الحجاب التي تعبر عن رغبة أصيلة وقوية في الالتزام بالحجاب باعتباره انتماءا إسلاميا ، أو حتى باعتباره ضغطا مجتمعيا ، فإذا كان الفتاة تلبسه لمجرد شعورها بأن المجتمع لا يقبل أن الفتاة المسلمة غير محجبة ، فهذا دليل على هوية المجتمع وطبية انتماءاته واختياراته .. لكن الضغط الإباحي القادم من طوفان وسائل الإعلام لا يجعل الأمر خالصا ، وهو ضغط قوي هادر ولا تقارن قوته وسطوته أبدا بما يملكه التيار الإسلامي من وسائل إعلام قليلة العدد ضعيفة الإمكانيات في عمومها .. وهنا كان لابد من التوفيق أو التلفيق ، فظهرت أنواع الحجاب التي تمثل التأثر بالإعلام المنحل وتياره الهادر والتي وإن عبرت عن رغبة إسلامية عميقة فإنها لا تتفق بالمطلق مع الإسلام .

يمكنك كذلك أن نجد موظفا حريصا على الصلاة ، لكن ضغط الأحوال المالية عليه تجعله يقبل الرشوة او حتى يطلبها ، ويختلق لنفسه المعاذير ، أو لا يعتبر إنهاء مصالح الناس مهمة إسلامية كبرى تفوق قيمة صلاة السنة وإنهاء أذكار ما بعد الصلاة .

وكثير من الشباب الذي يعمر المساجد في رمضان ويبكي بكل إخلاص ، هو من المدخنين ، وكثير من المدخنين يتجاوز هذا إلى المخدرات .. وقد تجد ذا معدن طيب لا يبالي هل يأكل من الحلال أو مما فيه شبهة ، ولم يعد سرا أن أغلب قيادات الدولة الكبار خصوصا ضباط الأمن هم أعضاء مخلصون في بعض الطرق الصوفية ، حتى إن مشايخ الطرق الصوفية في مصر الآن هم أفضل من يمكن أن يتوسط لطالب العمل ويضعه في عمل مرموق ، هو نفس الضابط الذي يمارس التعذيب في باقي اليوم .

ومظاهر التناقضات كثيرة ، وكلنا يستشعرها ، ولا ينكرها أحد .. وليس من الحكمة أن نقف أمام هذه التناقضات فلا نفعل إلا أن ننعي الأمة والناس ولا نحسن إلا أن نلطم الخدود ونشق الجيوب ونشتم الزمان والمكان والأحوال .

إنها وإن كانت مظاهر سيئة وتعبر عن أمراض عارضة أو مستوطنة ، إلا أنها في المنظور الإيجابي تعبر عن انتماء إسلامي عميق ، يبحث دائما تحت ضغط الواقع والظروف لكي يتكيف ويتأقلم ويتوافق مع شهوات النفس وأغراضها ومشاكلها .. وحسبنا أن نبني على هذا الانتماء فننميه ونعظمه .

أما التشوه الفكري ، فقد يختلف البعض حوله .

فلاشك أن كثرة الجماعات العاملة للإسلام على الساحة دليل لا يقبل الشك على تجذر الانتماء الإسلامي في النفوس ، غير أنه حينما نجد كثيرا من تلك الجماعات تركت مالقيصر لقيصر وانشغلت هي بما لله فقط ، ثم قصرت ماهو لله على شعائر ظاهرية وبعض الأعمال الخيرية فقط .. فحينئذ يجب أن تكون وقفة .

وحين نرى بعض هذه التيارات تنسحب من معارك الواقع الكبرى لتنشغل بقضايا فرعية أو هامشية ، أو غير مطروحة في هذا الزمان والمكان فتفرغ في هذه القضايا جهد وطاقة رموزها وشبابها .. فيجب أن تكون وقفة .

ثم إذا رأينا أن بعض التيارات تستخدمها السلطات ، وإن كان على غير علم وقصد منها ، في شرعنة ظلمها وجورها واستبدادها وإلباسه ثوب الإسلام وحشره في أحكام الشريعة ، حتى يصبح الحاكم مهما كفر هو “ولي الأمر ” ويصبح قائل الحق عند السلطان الجائر من “الخوارج” بدل أن يكون “سيد الشهداء” .. فهنا يجب أن تكون وقفات ووقفات ووقفات .

وخلاصة ماسبق ، أن لدينا انتماءا إسلاميا محذوفا من القوة الإسلامية على الساحة ، بل ربما وُظّف ضد الصحوة نفسها ، وليس بعيدا أن الأمر وصل لمراحل كارثية حين أفتى أحدهم بأن بشرعية اغتيال إسماعيل هنية لأنه خارج على ولي الأمر الشرعي محمود عباس !!

ويجب أن نبحث لفك هذه العقدة التي تضغط على هذا المجتمع الإسلامي فتجعله مشوها ، فهو مابين انتمائه الإسلامي وما بين ضعط الواقع الرهيب .

اقرأ:

المجتمع الإسلامي المشوه 2/3

المجتمع الإسلامي المشوه 3/3