الاثنين، نوفمبر 29، 2010

بلبل حيران.. وسافل!!

منذ أن بدأ مصطلح "السينما النظيفة" يظهر كتيار جديد في الأفلام السينمائية، إلا وأعلن جيل "الكبار" من النقاد والممثلين والمخرجين الحرب على هذا المصطلح، فظهور "سينما نظيفة" يضرب فكرتهم بأن الخلاعة ضرورة فنية لابد منها لإخراج فن "حقيقي وواقعي"، ويدلل على أنه من الممكن أن توجد "أفلام نظيفة" وتقدم أيضا فنا حقيقيا وواقعيا.

وكأنما كان جيل الكبار لا يحتاج إلا إلى نفخة واحدة لينهار، فاختفت تماما أسماء العاريات والخليعات: ليلى علوي، نبيلة عبيد، نادية الجندي وغيرهن من السينمات، وهاجرن هجرة جماعية إلى التليفزيون ومسلسلاته لأن التلفزيون ما يزال معقلا لبقايا الاشتراكيين والشيوعيين، وهم المنحرفون الذين ترعاهم الدولة.. ونستطيع أن نقول بأنه لم يصمد من جيل الخلاعة إلا خالد يوسف، وهذا لأنه يقدم أفلاما ذات حبكة فنية قوية.

على أية حال، ساد مصطلح السينما النظيفة على رغم أنف من كرهوه، وأصبحت أفلام الجيل لا تعتمد على العري والإسفاف مثلما كان الحال في الثمانينات والتسعينات، بل تعتمد على القصة أو الكوميديا.

وكان أحمد حلمي –والحق يُقال- من هؤلاء الذين يحافظون على "نظافة" ما يُقدِّمون، ثم تطورت النظافة بلا مضمون إلى نظافة ذات مضمون رائع وقوي بلغ ذروته في رائعته "ألف مبروك" الذي يمكن أن نقول إنه فيلم إسلامي بامتياز.

وكان من البشريات الأخرى، أن فيلم ألف مبروك أفصح عن اسم جديد في عالم التأليف –والتأليف هو صلب العمل الفني وجوهره- ذلك هو "خالد دياب"، وفوجئنا بأن "خالد دياب" مؤلف فيلم ألف مبروك "بالاشتراك مع أخيه" هو نفسه المتسابق في برنامج عمرو خالد "مجددون"، بل هو الذي فاز بجائزة هذا البرنامج الرائع، وأعلن أن مشروعه النهضوي سيكون هو البحث عن شباب يستطيعون تأليف شيء ذي مضمون وقيمة.

وفي أثناء برنامج مجددون كان فيلم خالد دياب الثاني في مراحله الأخيرة، وخرج الفيلم "عسل أسود" ببطولة أحمد حلمي، ولقد كان عدد كبير من متابعي "مجددون"، ومن محبي عمرو خالد قد انتظروا الفيلم وسارعوا إلى مشاهدته فور نزوله.

وعن نفسي، توقعت أن يكون الفيلم على نفس مستوى الرائعة السابقة "ألف مبروك"، وصُدِمت كثيرا لأن المستوى كان أقل من السابق بكثير، إلا أن الفيلم ما زال ذا فكرة جيدة ومضمون جيد، وإن كانت نهايته غير واقعية وتغلب عليها العاطفية والرومانسية والوطنية مما أفسد –برأيي- فكرة الفيلم، فجعله يرسل رسالة أن المصريين مهما كان واقعهم مرا سيعيشون فيه لأنهم يحبون بلدهم، وذلك بدلا من أن تكون رسالة الفيلم صيحة تحذير مما تفعله الأوضاع السيئة بشباب هذا البلد، فتدفعهم إلى تركها ليعاني الوطن من هجرة الطاقات والعقول.

ليس هذا موضوعنا على كل حال.. إنما الموضوع الآن، هو هذه الكارثة التي نزلت على رؤوسنا منذ أيام والمتمثلة في فيلم "بلبل حيران"..

إنه بلبل حيران .. وسافل..

وهذا الفيلم هو أسوأ دعاية لخالد دياب، كما أنه خصم كبير من رصيد أحمد حلمي..

خالد دياب أعلن في "مجددون" أن الأمة الآن تحتاج إلى فن نظيف وهادف، لأن الفن الآن هو المربي الحقيقي للناس لا سيما الأطفال والشباب.. فكيف يخرج من مؤلف هذه رسالته فيلما يحتوي كل هذه الالفاظ والتلميحات السافلة القبيحة والتي لم يكن لها أي ضرورة ولا ساهمت بأي إضافة في سياقها الفني، اللهم إلا انتزاع ضحكات المراهقين..

وأحمد حلمي الذي ظل محافظا على مستوى راقٍ في أفلامه انحدر في هذا الفيلم إلى مستوى هابط لم يكن متوقعا منه، وهو الذي يعتبر الآن على قمة عرش الكوميديا، ولا يحتاج إلى مزيد من الشهرة أو إلى اتخاذ مثل هذه الوسائل الرخيصة لجذب الأنظار أو لتحقيق نجاح في شباك العرض.

لقد كانت صدمة عنيفة حقا حين شاهدت هذا الفيلم، وهو ذو فكرة جيدة "إذا كنت عايز واحدة سوبر وومن فانت لازم تكون سوبر مان"، وهذه العبارة هي الترجمة العصرية للحكمة التي تقول: "إذا أردت فاطمة فلتكن عليًّا"، وحيث أنك لن تصل إلى مستوى "السوبر مان = عليّ"، فيجب أن تختار الشخص الأنسب وتصبر على ما فيه من عيوب لأنك أيضا تحتاج إلى من يصبر على عيوبك.

لكن الفكرة الجيدة قد لوثتها بذاءة العرض، وهي بذاءة السيناريو الذي أضاف له المخرج والماكيير والمصور بذاءة الملابس والزوايا والحركات.. وأخشى أننا إن مددنا هذا الخط على استقامته فسنعيد سيرة نادية الجندي وهي تفعل كل خليع في سبيل الوطن، فيترسخ بشكل عملي أن الغاية تبرر الوسيلة.

فماذا حدث لخالد دياب أو لأحمد حلمي.. وإن كان عتابنا لخالد دياب أشد، فهو صاحب السيناريو فضلا عن أنه صاحب رسالة.. هل علقنا أملنا –لمرة أخرى- على أوهام؟؟ وهل في كل مرة تأتينا الضربة من المأمن، من حيث لا نحتسب؟؟