الخميس، يوليو 08، 2010

مسار المسيري وقطبية سيد قطب

عبد الوهاب المسيري مسار.. بينما سيد قطب قطبية.. ما معنى هذا؟

يكاد يكون ميراث الأستاذ العلامة الكبير عبد الوهاب المسيري محصورا في ساحتين: دراسة اليهودية والصهيونية، ونقد الحضارة الغربية المادية. فالساحة الأولى ساحة فكر وتاريخ ومقارنة أديان، وأما الساحة الثانية فهي كل شيء: تاريخ وفكر وسياسة وفن ورياضة ونظم ومنتجات مادية وثقافية وما إلى ذلك. أما ميراث الأستاذ الكبير العَلَم الشهيد –بإذن الله- سيد قطب فساحتان أيضا: الأدب والنقد، والفكر الإسلامي.

كلاهما نقد الحضارة الغربية نقدا قاسيا، فهما يلتقيان في هذا، ثم إنهما يلتقيان كذلك في “حتمية” أن تكون ثمة “مرجعية متجاوزة للإنسان”.. ثم يلتقيان عند أن تكون هذه المرجعية هي “الله”… لكن هل هذا يعني أن “الجاهلية” التي حاربها سيد قطب هي نفسها “المادية / الحداثية/ التفكيكية” التي نقدها المسيري؟

أحسب أن من قال بهذا بَهَرَه –للحظة- مواطن اتفاق الرجلين، فخرج بهذا الاستنتاج.. ولكن مهلا..

سيد قطب لم يبحث عن نقد الحضارة الغربية من داخلها، ولا غاص في أعماق فلسفتها وجوهرها الفكري، إنما هو رأى ثمارها التي لم يقبلها وحكم بمرارتها وعدم صلاحيتها للإنسان، فبحث عن منطلق آخر فكان هو الإسلام.. ثم، وفي إطار شرحه لهذا الإسلام، وجد ما يمكن أن يقوله عن الفارق بين الحضارة الغربية والإسلام. أي أن كل الحضارة الغربية كانت بالنسبة له عقبة من ضمن العقبات التي احتاج أن يجلوها أو يجوزها وهو يشرح الإسلام ويعرضه ويقدمه باعتباره البديل. ولاشك أنها كانت عقبة كبرى وواحدة من العقبات الرئيسية في طريقه.

كان طبيعيا -في هذا الوضع- أن يكون النقد حارا جدا، وهو نقد لا يتوقف عند بيان المشكلة والمساويء، بل يتجاوز هذا سريعا سريعا سريعا إلى تقديم الحل.. الحل المتمثل في الإسلام.. الإسلام الذي يأمر بكذا وينهى عن كذا.. يعني: الإسلام العملي الحركي.

وعند نقطة “الإسلام العملي الحركي” تستثار السلطات الحاكمة، والمفكرين من التيارات المخالفة، والفقهاء سواء منهم من رضي بالقول أو خالف فيه، والحركات الإسلامية سواء منها من رضي بهذا الكلام أو من لم يرض به.

بينما المسيري سياق آخر، فهو لم يعد من منتصف الطريق ليبحث عن منطلق آخر، بل إنه مدَّ بصره إلى نهاية الطريق فوجدها مظلمة، وهو يروي أن أحد المواقف الفارقة في حياته كانت حينما كان يحاضر في الجامعة عن فكر الاستنارة الغربية ومناقبها وعقلانيتها، ثم كانت المحاضرة التالية عن قصيدة تشاؤمية ألفها ت. س. إليوت بعنوان “الأرض الخراب”، فتساءل في لحظة نور: كيف يمكن أن تؤدي حضارة الاستنارة والعقلانية إلى هذا الخراب؟؟

وهنا، عاد ينظر في الطريق نفسه، في بداياته ومساره وطبائعه، وبمزيد من التدقيق أدرك أين المشكلة؟ إنها في تلك المادية المسيطرة التي احتكرت كل المفاهيم السائدة، بداية من تكوين تصور عن الكون والإنسان وطبيعة الحياة، وحتى المنتجات الترفيهية البسيطة، وما بين هذين شلالات متواصلة من النظم والمؤسسات والأعمال الفكرية والفنية والأدبية.. كل هذا يسير بوحي من الفكر المادي، فيُنتج حضارة تحمل بصمة المادية، ثم تبدأ العجلة اللانهائية فالإنتاج يطور الأفكار ثم الأفكار تطور الإنتاج وهكذا.. حتى نصل إلى العدمية والعبثية وما بعد الحداثة، وهي المرحلة التي صك لها المسيري مصطلحة العبقري “السيولة” حيث لا يحتفظ أي شيء بأي نوع من التماسك أو القداسة أو الأهمية أو القيمة.

فسيد قطب هجر المسار كله إلى مسار جديد، وأما المسيري فنظر إلى المسار نفسه وأخذ في رصده وتحليله وتتبع مظان المشكلة. ولذا ففي مجال نقد الحضارة الغربية نجد المسيري أقوى وأبرع وأكثر تفصيلا ولا نجده كذلك في مجال التعبير عن الفكر الإسلامي، ففي هذا المجال نجد سيد قطب هو الأقوى والأبرع والأكثر تفصيلا.

ومن آثار هذا أن “المادية” التي حاربها المسيري لا تساوي “الجاهلية” التي حاربها سيد قطب، فـ”جاهلية” سيد قطب لم تتوقف فقط عن المادية التي نقدها المسيري، بل كان من “الجاهلية” عند سيد قطب أن ينحرف الناس المسلمون عن “الإسلام” أو حتى عن “توحيد الحاكمية”.. وأن يقبلو بـ “أي نظام غير إسلامي”. وكل هذه أشياء لا علاقة لها -تقريبا- بالمادية التي نقدها المسيري. ولو كان الرجلان في زمان آخر لربما نشب بينهما الصراع حول “البديل المقترح” برغم اتفاقهما في “الواقع المرفوض”.

إن المسيري حين ينقد الحضارة الغربية فإنها يستبدلها بـ “الإنسان”، وصحيح أن المسار انتهى بالمسيري إلى إنسان علماني جزئي [أرى أن العلمانية الجزئية في فكر المسيري هي هي الفكرة الإسلامية، أي أنه بتحرير المعاني التي وراء المصطلحات لن نجد فرقا بين المسلم والعلماني الجزئي عند المسيري.. لهذا حديث آخر].. لكن الصحيح أيضا أن مسار المسيري لم يكن إلا في الجانب الفكري بينما كان مسار سيد قطب أكثر تنوعا وشمولا.

وهذا ما لم يكن منه بد، فسيد قطب الذي تصدى لتفسير القرآن الذي لا يتوقف عند مسار الفكر فحسب، ما كان يوسعه أن يتوقف عند الجانب الفكري فقط، بل هو مدفوع –وراء الآيات- إلى جوانب العبادة والمعاملة والفقه والتشريع، ولئن كان قطب يعود بأغلب ما في الآيات إلى أصولها الكلية أو بتعبيره هو “التصور الإسلامي” فإنها تظل عودة إلى الفكر عبر روافد عديدة: روافد من العبادة والمعاملة والفقه والسيرة وغيرها.

وهنا يفترق مسار المسيري عن مسار قطب، ولنأخذ مثالا بسيطا وساذجا ولكن حسبنا أنه يبين الفارق:

“الحجاب”.. شيء يمكن ببساطة أن يتجاوزه المسيري وفكر المسيري ولا يحفل له ولا يتوقف عنده، فهو في النهاية شيء لا يعرقل مسيرة “الإنسان”. أما عند سيد قطب فالحجاب قرار نازل من عند الله، ومجرد التوقف بالتفكير في قبوله أو رده هو “الجاهلية” بعينها.

المسيري مسار، وسيد قطب قطبية..

ربما كان ذلك “تفذلكا” بالألفاظ لكنه ليس بعيدا عما أريد قوله؛ فالإنسانية التي هي مقابل المادية إنما هي فكر واسع وفسيح، وبوسعنا أن نلتقط من بين كل فلاسفة العالم حتى في الغرب “إنسانيون” –لو صح التعبير- .. فهذا مسار واسع.

أما سيد قطب، فقد وضع أقطابا: الإسلام في مقابل الجاهلية، حكم الله أو حكم الطاغوت، التصور الرباني أو الأنظمة الوضعية.. وهكذا.

وهذه ليست مقارنة تفضيلية بقدر ما هي توضيحية، فالرجلين يمثلان تكاملا لا تضادا؛ المسيري مقدمة وسيد قطب نتيجة، هذا يهدم بناء الفكر الغربي وينادي بفكرة الإنسان، ثم هذا يبدأ من فكرة الإنسان فيطورها ليصل بها إلى الإسلام وهو أرقى مرحلة في الفكر الإنساني بل هو الفكر الوحيد الذي يصنع حقا إنسانية الإنسان.

***

ربما شابه هذا الموقف في وجه منه موقفا قديما، الغزالي وابن تيمية، أما الغزالي فهو حجة الإسلام الفيلسوف الكبير، عقل عبقري مدهش غاص في بحار الفلسفة ثم خرج منها نحو الإسلام وكتب كتابه الشهير “تهافت الفلاسفة” لكنه -كما يقول العلامة أبو الحسن الندوي- علقت به بعض من آثار هذه الفلسفة فوقعت به في هنات. بينما ابن تيمية، شيخ الإسلام وأحد أعظم شخصياته عبر كل التاريخ، دخل إلى بحار الفلسفة وهو صاحب موقف إسلامي، فلم يكن دخوله محايدا كدخول الغزالي، ولم يكن نقده للفسلفة نقد رجل من داخل المسار كنقد الغزالي، ولذا كان ابن تيمية الأكثر أصالة والأمتن فقها والأغزر علما بالتفاصيل. ولا ينقص هذا من قدر حجة الإسلام الغزالي شيئا، وقد صنع تكاملهما بناء فكريا متينا. فالغزالي هدم الفلسفة وكتب كتابه الشهير “تهافت الفلاسفة”، فنقد مسار الفلاسفة وأفكارهم، وأما ابن تيمية فهو وإن نقد الفلاسفة إلا أنه كان ينقدها عرضا في طريق شرحه لـ “منهاج السنة النبوية” ودعوته إلى “اقتضاء الصراط المستقيم”.

ومن هذا الوجه، يكون المسيري امتدادا للغزالي، ويكون سيد قطب امتدادا لابن تيمية.