الخميس، أكتوبر 29، 2009

حنا النقيوسي.. ومغازلة الأقباط المهينة



فوجئت صباح اليوم (29/10/2009) بكتاب (تاريخ مصر) ليوحنا النقيوسي صادرا ضمن سلسلة مكتبة الأسرة التي تدعمها الدولة في مصر، وكان منبع الدهشة أن الدولة التي تعاني مشكلة طائفية حادة تثور نقاطها البركانية الملتهبة تحت السطح الرقيق لنظام الدولة المصرية بين كل حين وآخر، هذه الدولة كانت في غنى عن نشر مثل هذا الكتاب بالسعر المدعوم.

لماذا؟

يحتاج هذا السؤال لأن نفهم حكاية هذا الديوان:

فديوان حنا النقيوسي هو التاريخ الذي كتبه الأسقف القبطي المصري حنا النقيوسي لتاريخ الفتح الإسلامي لمصر، وهو تاريخيا أقرب المصادر التاريخية لزمان الفتح الإسلامي، بما يجعله ذو أهمية خاصة باعتباره المصدر الوحيد “المعاصر” في الجانب المصري لهذه الفترة في تاريخ مصر، حتى أن ألفريد بتلر صاحب الدراسة التاريخية (فتح العرب لمصر) يعترف أنه لم يمكن كتابة دراسته إلا بعد اكتشاف الإنجليز لمخطوطة حنا النقيوسي في الحبشة[1].

وهذا الاعتراف نابع من تفاصيل تاريخية غير موجودة إلا فيه، من ناحية الصورة والتفاصيل والحوادث في معسكر الرومان والأقباط، وهي بهذا صورة لم توجد أو لم تفصل في كتابات المؤرخين المسلمين.

ويمكنني أن أضيف “ظنا” آخر لهذا الاعتراف، وهو محاولة الحيادية والموضوعية لدى بتلر باعتبار أن المصادر المتوفرة عن الفتح كلها إسلامية أو رومانية، فكان في حاجة لمصادر مصرية أيضا، غير أن بتلر لم يكن محايدا كما ينبغي[2]، وإن لا ينكر أنه بذل جهدا بحثيا عظيما ومتميزا.

على أية الحال، فأهمية الكتاب من الناحية التاريخية لا ينكرها أحد على مستوى الباحثين، لكن الاستغراب نابع من أن مشروع مكتبة الأسرة الذي تدعمه الحكومة قد يَسَّرَه لجمهور الناس، وجمهور الناس في مصر مسلمون، فكانوا أحوج مثلا إلى كتاب ابن عبد الحكم “فتوح مصر وأخبارها”، أو إلى مثله.

إلا أن يكون هذا مغازلة للأقباط (أعني المسيحيين في مصر)، ولكنه غزل تم في نقطة حرجة حساسة، كما تم بشكل غير مناسب على الإطلاق.

لأن ديوان حنا النقيوسي هو المصدر الوحيد الذي يشتمل على أن المسلمين ارتكبوا مذابح غزيرة لدى فتحهم مصر، ونسب إليهم أنهم لم يرحموا أحدا لا شيخا ولا طفلا ولا امرأة. ولا أظن مثل هذه المعلومات الكاذبة، كما سأبين بعد قليل، يحتاج أحد في مصر، فضلا عن النظام المتهالك الذي تتسع عليه الخروق، أن يذيعها وينشرها موثقة في مصدرها التاريخي. ونستثني من هذا طبعا طوائف المنصرين وأقباط المهجر والقيادة الكنسية التي لم يعد يخفى أنها ترى في المسلمين غزاة محتلين لمصر.

فكان من المثير للدهشة أن ينشر مثل هذا الكتاب تحديدا.

غير أن الإنصاف يقتضي أن أقول إن الكتاب المنشور لم يكن هو المشهور بين الباحثين، فإلى ما قبل تسعة أعوام، كان الموجود في أيدي الباحثين هي النسخة الإنجليزية المترجمة عن الفرنسية المترجمة عن الحبشية المكتوب بها المخطوط الحبشي، الذي هو النسخة الوحيدة الموجودة لديوان حنا النقيوسي[3]، فقام الدكتور عمر صابر عبد الجليل بعمل ممتاز، فترجم المخطوط من الحبشية إلى العربية مباشرة، مصحوبة بتحقيق علمي وتاريخي شارك فيه المؤرخ المعروف د. قاسم عبده قاسم، بما جعل الكتاب متجنبا لمثالب الترجمات الكثيرة ومصحوبا برؤية تحقيقية نقدية.

***

أما بخصوص ما انفرد به الكتاب من ذكر المذابح والمجازر التي ارتكبها المسلمون في مصر، ووصف الإسلام والمسلمين بأوصاف شنيعة، فإن ما ينقضه ويرد عليه هو حنا النقيوسي نفسه وفي الكتاب نفسه.

فالكتاب متناقض إلى حد كبير وهذه بعض أمثلته:

يتحدث عن قسوة عمرو بن العاص في فرض الضرائب وأخذها على أهل الإسكندرية فيقول: "وزادت الضرائب قدر اثنتين وعشرين عصا من الذهب، حتى اختبأ كل (!!) الناس، لكثرة البؤس، وعدموا ما يؤدون"[4]، رغم أن عمرو بن العاص كان قبل سطر واحد على هذه الصورة:

"وكان عمرو (بن العاص) يقوى كل يوم في عمله، ويأخذ الضرائب التي حددوها، ولم يأخذ شيئا من مال الكنائس، ولم يرتكب شيئا ما، سلبا أو نهبا، وحافظ عليها طوال الأيام"[5].

ويتحدث عن مذبحة إسلامية تجاه المصريين فيقول: "ثم دخل المسلمون نقيوس واحتلوها، ولم يجدوا أحدا من المحاربين، وكانوا يقتلون كل من وجدوه في الطريق وفي الكنائس، رجالا ونساء وأطفالا، ولم يشفقوا على أحد"[6]، رغم أنه منذ صفحة واحدة فقط كان يتحدث عما أنزله الروم بالمسيحيين في مصر، فيعقب بقوله عن المسلمين: ولم نجد من يصنع مثل هذا ممن يعبدون الأصنام الكذبة"[7].

وهو يتحدث عن مصريين اعتنقوا الإسلام مبكرا حتى قبل اكتمال الفتح، يقول: "وعندما وصل هؤلاء المسلمون مع المصريين الذين جحدوا عقيدة المسيحية"[8]، رغم أنه منذ فقرة واحدة فقط يتحدث عن "خوف في كل مدن مصر، وكان أهل المدينة يهربون ويلجأون إلى مدينة إسكندرية، وهجروا كل أموالهم وخزائنهم وحيواناتهم"[9].

***

هذا القدر من التناقض دعا د. عمر صابر لأن يَتَّهم المترجم الحبشي لديوان حنا النقيوسي (وهو المصدر الوحيد الموجود إلى الآن للديوان) بأنه "سمح لنفسه أن يقحم في النص عبارات من عنده تنم عن تعصبه ضد الإسلام"، ذلك أن المسلمين لم يكونوا يجهلون اللغة القبطية التي كتب بها حنا النقيوسي في ذلك الوقت، مما يجعل من الصعب توقع أن يوصف الإسلام والمسلمين بما هو موجود من شناعات. كما أن المصادر القبطية اللاحقة مثل تاريخ البطاركة لساويرس بن المقفع والذي ينقل عن ديوان حنا، بالإضافة إلى أن ساويرس كان يُجِلّ حنا النقيوسي نفسه، لم تأت بذكر هذه الوقائع والأوصاف بل بالعكس جاءت بالثناء على الفتح العربي ومعاملته لأهل مصر، فذلك مما يدعم أن تكون الشناعات الموجودة عند حنا النقيوسي من إضافات المترجم الحبشي الذي نقل الديوان إلى اللغة الحبشية بأمر من ملك الحبشة وقائد قواته في وقت حروب ومواجهات بينهم وبين المسلمين[10].

بينما رأى الأستاذ أحمد عادل كمال[11] أن حنا النقيوسي نفسه مُتَّهَم في صدقه وأمانته بدليل الواقعة التي رواها ساويرس بن المقفع الذي يحب حنا النقيوسي ويُجلّه، عن مؤامرة اشترك فيها حنا النقيوسي بتزوير وصية البطريرك يوحنا بأن يخلفه في البطريركية الراهب إسحاق، ونصبوا بدلا منه بطريركا آخر مدعين أن هذه هي وصية البطريرك يوحنا، وهي المؤامرة التي اكتشفها والي مصر عبد العزيز بن مروان فصحح الوضع، وفشل تدبير حنا النقيوسي ومن معه من الأساقفة.

وعلى هذا فالأسقف هو كاتب هذه الافتراءات بأثر من تعصبه وبدليل تزويره وعدم أمانته، بما يجعل تفرده بالتأريخ لمذابح فعلها المسلمون تجاه الأقباط دليلا آخر على كذب هذا التاريخ الذي لم يعرفه غيره من المؤرخين.

وبهذا يكون ساويرس بن المقفع من النزاهة والأمانة العلمية بحيث لم ينقل من حنا النقيوسي هذه الأكاذيب والافتراءات.

وهذا إذا استبعدنا –جدلا- روايات المؤرخين الثقات من المسلمين الذين لم يذكروا شيئا عن هذا الذي يرويه النقيوسي، وتواريخهم لا تُتَّهَم بالتعصب.

والحقيقة التاريخية المتفق عليها بين الباحثين والتي تنفي ما ذكره النقيوسي، أن المسلمين لم يكونوا في عداوة مع المصريين أساسا، وإنما الحرب كانت دائرة مع الرومان الذين كانوا في عداوة مع الأقباط، فليس ثمة داع إلى مشكلات ومذابح مع المصريين.

كما أن الابتهاج لدى الأقباط بالفتح الإسلامي وما ترتب عليه هو حقيقة تاريخية أخرى[12] ذكرها النقيوسي نفسه، فلماذا كانت المذابح؟!!

***

وسواء كان حنا النقيوسي هو الكاتب أو أن العبارات قد أقحمها المترجم الذي نقل الكتاب إلى الحبشية، فإن نشر هذا الكتاب هو غزل فاشل للجماعة القبطية التي ترى في الفتح الإسلامي غزوا يجب التحرر منه، بل هو غزل مهين وعار على من كان لهم يد في النشر.

فكيف ينشر كتاب للعامة مدعوم بمال الدولة وفيه مثل هذا السب الصريح لسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم):

1. في ص 222: “والآن، كثير من المصريين الذين كانوا مسيحيين كَذَبَة، أنكروا العقيدة الأرثوذكسية والمعمودية الحية، وساروا في عقيدة الإسلام أعداء الرب وقبلوا التعاليم الركس للحيوان الذي هو محمد”.

2. وفي ص 197: “المصريين الذين جحدوا عقيدة المسيحية وانضموا إلى عقيدة هذا المفترس”.

3. وفي ص196: “وارتكب (عمرو بن العاص) آثاما كثيرة لا تحصى”.

4. وفي ص207: “وكانت مصر كذلك مستعبدة للشيطان”.

5. وفي ص 214: “وألحق عمرو الخسران ببلاد مصر”.

وكيف ينشر كتاب حافل بالأكاذيب التاريخية التي لا تخفي حقدها وراء أي ستار، والتي تفتري على الفتح الإسلامي العظيم، فتجعل المسلمين متوحشين لم يرفقوا بأحد لا شيخ ولا طفل ولا امرأة (ص190)، ويأخذون الجزية حتى يبكي عامل الجزية “حين رأى بؤسهم، أشفق عليهم، وكان يبكي لما أصابهم” بل إلى الحد الذي كان المصريون “يقدمون أبناءهم بدلا من الآلاف التي كانوا يقدمونها كل شهر” (ص222).

وهذه الافتراءات هي التاريخية فقط، فلم نتناول ما يكون من رأيه هو كاعتباره المسلمين أعداء المسيح، أو تمنيه أن ينزل الله بهم ما أنزله بفرعون (ص213، 222، وغيرهما).

***

إن نشر مثل هذا الكتاب الذي هو غير مفيد إلا في دوائر البحث، لأن صورته عن التاريخ مجتزأة وناقصة، وتقديمه مدعوما للقاريء العادي لا يحتمل إلا ثلاثة احتمالات:

1. جهل بمحتوى الكتاب، وهو يعبر عن فضيحة قد اعتدنا عليها في الجيل الأخير من المؤسسات الثقافية لعصر الاستبداد.

2. أو علم بمحتواه وموافقه عليه ورغبة في تسويق هذه الصورة للناس عن الفتح الإسلامي، وهذا غير مستبعد من بعض عناصر الدوائر الثقافية في مصر.

3. غزل للأقباط في مصر، مع الجهل بمحتوى الكتاب، إذ لو كان الغزل وحده فقد كان أولى أن ينشر كتاب سير الآباء البطاركة لساويرس بن المقفع، هذا إن لم يكن كافيا نشر كتاب عمر طوسون عن تاريخ الأديرة والرهبان في وادي النطرون والذي صدر قبل قليل من هذا الكتاب.
وهذه الاحتمالات الثلاثة كل منها يمثل عارا يستطيع وحده أن يصم وجوه فاعليه، هذا إن كان ما زال بالوجوه بقية من حياء أو قطرة من دماء.


[1] ألفريد بتلر: فتح العرب لمصر، تعريب محمد فريد أبو حديد، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الثانية 1416 هـ = 1996م. ص30.
[2] انظر مثلا قوله: “الحقيقة الـمُرَّة هي أن كثيرين من أهل الرأي والحصافة قد كرهوا المسيحية لما كان منها من عصيان لصاحبها … ومنذ بدا ذلك لهؤلاء العقلاء لجأوا إلى الإسلام فاعتصموا بأمنه، واستظلوا بوداعته وطمأنينته وبساطته”. فتح العرب لمصر ص458، فهل كلمة (المرة) تعبر عن حياد أم عن مشاعر هي خارج دائرة التأريخ. ولكن الإنصاف يقتضي أن أقول إنه لم يكن متعصبا ذلك التعصب الأعمى أيضا.
[3] مع معلومة ذكرها بتلر عن أن المستشرق الفرنسي الأب أميلينو رأى نسخة عربية لديوان حنا النقيوسي، وهي النسخة التي يتوقع بشكل كبير أن تكون هي التي ترجمت إلى الحبشية، لكن أميلينو لم يُفد بأكثر من أنها موجودة في “أعماق إقليم من أقاليم مصر”. انظر: فتح العرب لمصر ص31.
[4] يوحنا النقيوسي: تاريخ مصر (ديوان حنا النقيوسي)، تحقيق د. عمر صابر عبد الجليل، سلسلة مكتبة الأسرة، 1430 هـ = 2009 م. ص221.
[5] ديوان حنا النقيوسي، ص220.
[6] ديوان حنا النقيوسي، ص205.
[7] ديوان حنا النقيوسي، ص204.
[8] ديوان حنا النقيوسي، ص197.
[9] ديوان حنا النقيوسي، ص196.
[10] ديوان حنا النقيوسي، (مقدمة التحقيق) ص36، وما بعدها.
[11] أحمد عادل كمال: الفتح الإسلامي لمصر، الطبعة الأولى، 1423 هـ = 2003م. ص141 وما بعدها.
[12] ألفريد بتلر: فتح العرب لمصر ص457 وما بعدها.