السبت، مايو 21، 2016

موجز قصة النكبة (2)

بدأت القصة منذ 1896م، وتوقفنا في المقال السابق عند نهاية الحرب العالمية الثانية، حينئذ كانت الصورة في فلسطين بائسة على كل المستويات:

- فعلى المستوى الدولي: انتصر الحلفاء على دول المحور الذين تعلقت بهم الآمال العربية والفلسطينية، مما جعل مشروع الدولة الصهيونية سائرا بلا أي عرقلة سياسية، وقد قرأت الصهيونية الموقف سريعا فنقلت ثقل نشاطها واعتمادها من بريطانيا إلى أمريكا (1942م).

- وعلى المستوى الداخلي كانت الصهيونية ترسخ وجودها على الأرض بمستوى متصاعد، فقد تحولت عصابات الهاجاناه إلى جيش حقيقي بما تحصل لها من خبرة وعلوم عسكرية وأسلحة وعتاد من مشاركتها في الحرب العالمية الثانية إلى جوار بريطانيا، وكان الجهاز الأمني الصهيوني يتمّ خطته التفصيلية عن القرى الفلسطينية فيجمع عن كل قرية: نوعية الأرض والسكان والحالة الاقتصادية والاتجاهات السياسية ومدى سهولة أو صعوبة احتلال القرية، ويستزيد من صناعة العملاء ومراقبة المجتمع الفلسطيني وما بقي من مراكز تأثيره، وقد صارت له مؤسسات "إسلامية وطنية" لتشاغب على المؤسسات الحقيقية وتثير أزمات الفرقة بينها وصرف الناس عنها.

- وأما على المستوى الفلسطيني فقد كانت الحالة سيئة، فلم يزل المجتمع الفلسطيني يعاني من ضرب جيل المقاومة الذي استمرت ثورته بين (1936 – 1939م)، والتي أسفرت عن قتل خمسة آلاف فلسطينية وجرح أربعة عشر ألفا، وما صحب ذلك كله من تجريد السلاح وهدم البيوت، ومقتل القادة، ووجود القيادات السياسية بالخارج منقطعين عن أوضاع الداخل، مع التمزق العربي ووقوع بلدانه تحت الاحتلال.

كررت الصهيوينة الخطة القديمة، وضعت نفسها في خدمة القوة الدولية لتبلغ أهدافها، لكنها نقلت نشاطها من بريطانيا إلى أمريكا مع تغير موازين القوى فيما بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت أمريكا حينئذ ترث الوجود الإنجليزي والفرنسي في الشرق، فكانت الصهيونية هي ذراعها لإخراج الإنجليز من فلسطين، فانقلب الصهاينة على الإنجليز، وطالب مؤتمر الحركة الصهيونية الذي عقد في أطلنطا بأمريكا (1944م) بضرورة خروج الإنجليز من فلسطين وتوفير حماية دولية لليهود، ثم أشعل الصهاينة حرب عصابات ضد الجيش البريطاني نفسه، وقاموا بعدة عمليات تفجير واغتيال وخطف مؤثرة، حتى بلغ القتلى في صفوف البريطانيين 169 بين عامي (1946، 1947)، وعند نهاية سنوات الانتداب كانت العصابات الصهيونية قد نفذت خمسمائة عملية ضد الإنجليز، وكم كان مثيرا مشهد تشرشل –الذي كان أول من درب العصابات اليهودية قديما- وهو يعلن مرارته ويحذر وينذر في الأمم المتحدة، ولكنه التحذير الذي يعرف الجميع أنه أجوف!

وبرغم كل هذا تكاد بريطانيا أن تكون التزمت الصمت ولم ترد بشيء على الصهاينة، فقد صارت الصهيونية في الحماية الأمريكية، كما أن كثيرا من عناصر الشرطة والجيش الإنجليزي في فلسطين هم من اليهود والصهاينة أنفسهم. وذلك في نفس التوقيت الذي كانت تعتقل فيه الفلسطينيين لمجرد حيازة السلاح، حتى بلغ عدد المعتقلين (300) في النصف الأول من عام (1946م).

وعلى الجانب السياسي العالمي كانت الصهيونية تمول حملة الرئيس الأمريكي ترومان والذي كافأهم بعد فوزه بالموافقة على هجرة مائة ألف يهودي إلى فلسطين. كما كانت الصهيونية في أمريكا تجمع من اليهود تمويلا لإنشاء صناعات عسكرية في إسرائيل، وبهذا صارت عصابات الهاجاناه تصنع بعض أسلحتها بنفسها مما قوى مركزها الفعلي حتى ضد البريطانيين الذين اضطروا لإعلان مغادرتهم فلسطين بعد سنتين أي في عام (1948م).

بدأت عملية وراثة فلسطين من الإنجليز، اشترى اليهود من أسلحة الإنجليز بالمال ما لم يأخذوه بغير طريق الدعم، فكانت لديهم 24 طائرة اشتروها بخمسة ملايين جنيه، وعند بداية 1948 كانت الوكالة اليهودية تسيطر فعليا إداريا وعسكريا، ولديها جيش مقاتل يتكون من: عصابات الهاجاناه (35 ألفا) وعشرة آلاف مقاتل من الوحدات الخاصة، وتنظيمات عصابات الإرجون واشتيرن. وعملت هذه العصابات على تنفيذ خطة التهجير للفلسطينيين، فتنوعت عملياتهم بين الهجوم العسكري على القرى وتهجيرها، أو تفجير الأسواق والمحال، أو نصب الكمائن على الطرقات وقتل الفلسطينيين، أو تنفيذ عمليات خاصة قامت بها وحدات المستعربين التي ظهرت في تلك الفترة.

في اجتماع بتاريخ (10 مارس 1948م) لقيادة الهاجاناه، أي قبل نهاية الانتداب البريطاني بشهرين، أتموا الخطة التفصيلية للتعامل مع كل قرية فلسطينية يراد تهجيرها، وكانت الخطة تعتمد على الرعب أكثر من اعتمادها على التفوق العسكري، فلا بد من مذبحة أو ضربة هائلة تسفر عن خروج السكان من هولها قبل أن ينخرطوا في اشتباك أو مقاومة، وإذا وقع بعضهم في الأسر كانوا يقتلون بعضهم قبل نقلهم إلى معتقلات مركزية لتحقيق هدف الرعب وشل محاولة المقاومة، وإذا حوصرت القرية فهي تُحاصر من ثلاث جهات وتُقصف بغزارة ليهرب أهلها من الجهة الرابعة. وكانت خطة التهجير تبدأ من ساحل المتوسط وتمتد شرقا لكي يظل اتصال الدولة اللقيطة بالبحر، فكان أول المهجرين أهالي القرى والمدن الشمالية والغربية من فلسطين، ويقدر عدد المهجرين بثلاثمائة وخمسين ألف فلسطيني!

لقد أبدى الفلسطينيون مقاومة باسلة، لكنها مقاومة متبعثرة ومشتتة، تعاني من الفارق الضخم في القوة والتسلح، وتعاني من ضعف الكوادر الناتج عن سحق جيل الثورة قبل عشر سنوات، وتعاني من التواطأ العالمي لا سيما البريطاني، وتعاني من الخيانة العربية التي يحكم عواصمها عملاء يساعدون في قتلهم وإبادتهم، ولا تزال رسالة عبد القادر الحسيني إلى جامعة الدول العربية تختصر هذا المشهد "إني أحملكم المسؤولية بعد أ، تركتم جنودي في أوج انتصاراتهم بدون عون أو سلاح"، واستشهد بعد رسالته بثلاثة أيام (9 إبريل 1948م)، وبينما يشيع الناس جنازته، كانت قرية دير ياسين تتعرض للمذبحة.

عند يوم 14 مايو 1948م، غادر الحاكم البريطاني فلسطين، ونزلها بن جوريون، وأعلن "استقلال" دولة إسرائيل، وخلفه كانت تنتصب صورة كبيرة للمنظر المؤسس: تيودور هرتزل، الذي بذر البذرة ومات بعد ثمان سنوات، ثم تحقق حلمه بعد موته بأربعين سنة!

ومن هنا بدأت مرحلة جديدة في تاريخ فلسطين والعرب والمسلمين بل والعالم!

عندئذ سمحت بريطانيا بدخول القوات العربية الهزيلة عددا وسلاحا إلى فلسطين، كانت الجيوش السبعة لا تزيد عن 24 ألفا، وهم أقل من ثلث القوة العسكرية الصهيونية، إضافة إلى فارق التسلح والخبرة والتدريب، دخلت الجيوش العربية بشعار "تحرير فلسطين" ليرتسم بدخولها الجانب الآخر من المهزلة، فبالإضافة إلى هزالها عددا وعدة وخبرة فإنها تخضع لتوجيه أنظمة تخضع للاحتلال، وبقيادة إنجليزية (جلوب باشا قائد الجيش الأردني، ومساعدوه إنجليز)، فإما أنها جيوش لم تحارب، وإما أنها كانت تدخل إلى القرى لتجردها من السلاح ثم تنسحب في المعركة أمام القوة الصهيونية فتغدو القرية بلا سلاح، ثم يأتي الصهاينة فينفذون مذبحة جديدة تثير الرعب والفزع وتنتج موجة جديدة من الهجرة، وقد نفذ الصهاينة مذابح في اللد والرملة في ظل وجود الجيوش العربية ولم يحرك أحد منهم ساكنا، وفوق ذلك فإن سائر ما استطاع أن ينجزه المجاهدون المتطوعون تدخلت الأنظمة العربية نفسها لإيقافه وإنهائه إما بإصدار أوامر انسحاب أو بتعديلات الخطة أو بإيقاف التقدم أو حتى بسجن المجاهدين!

وهكذا سقطت فلسطين! ولم يكن نصيب العملاء في سقوطها بأقل من نصيب الصهاينة أو المحتلين!

لئن كان هرتزل هو صاحب الفكرة والبذرة الأولى، فيجب ألا ينسينا هذا جهود من تلاه، لا سيما هذا الثلاثي الخطير: حاييم وايزمان، هربرت صموئيل، بن جوريون!

لقد عمل هؤلاء الثلاثة على تطويع كافة الظروف الدولية والداخلية لخدمة خلق الدولة الصهيونية، وعملوا في نفس الوقت على ألا تكون إسرائيل مرتبطة ارتباطا كاملا بالمزاج السياسي الغربي، بل أسسوا للاستقلال اليهودي العسكري والاقتصادي والأمني، فتكون قوتهم الذاتية طرفا في معادلة السياسة، وبرغم ما يبثه هؤلاء من تحريض شعبي وديني لليهود فإنهم عملوا على خلق الظروف المواتية للدولة قبل نشوئها أو إعلانها، فلما جاءت لحظة الإعلان كانت إسرائيل أمرا واقعا!


ولئن كان هؤلاء يستحقون أن توضع أسماؤهم في سجل شرف الصهاينة، فيجب ألا ننسى أبدا أن آخرين يستحقون أن توضع أسماؤهم في سجل العار من دفتر العرب!

الجمعة، مايو 20، 2016

من أين تبدأ دراسة الحضارة

يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي: "كانت هذه الحضارة (الغربية)، بمعناها الواسع، مجموع عقائد ومناهج فكرية، وفلسفات ونظم سياسية واقتصادية، وعلوما طبيعية وعمرانية واجتماعية، وتجارب خاصة مرت بها الشعوب الأوروبية التي تزعمت هذه الحضارة في رحلتها الطويلة، وكانت مظهر تقدم العلم البشري وعلوم الطبيعة، وعلم الآلات والعلوم الرياضية، ومجموع نتائج جهود علماء وباحثين عبر القرون؛ فكانت مزيجا غريبا من أجزاء لا يكون الحكم عليها واحدا متشابها"[1].

"إن من أصعب العمليات وأدقها هو تحليل الحضارة التي اختمرت تحليلا كيميائيا وفرز العناصر التي دخلت فيها في عهود مختلفة، وفترات تاريخية معينة، وإرجاعها إلى أصلها ومصدرها، وتحديد مقاديرها ومداها من التأثير والقبول، وتعيين من يرجع إليه الفضل في هذا العطاء الحضاري والتغيير الجذري"[2].

وإذا كان ثمة طوفان من المعلومات تفنى الأعمار دون الإحاطة بشيء منه، فقد كان حتما أن تنشأ تخصصات، وأن يكون بعضها أهم من بعض، وأدلَّ على الحقيقة من بعض، ومن ثم فلا بد من أن تكون أولويات للدراسة، خصوصا مع ضخامة التحدي وأهمية الإنجاز.

1. العقائد والفلسفة

ومن المنطلق الإسلامي الذي نعتمده أصلا وأساسا ومعيارا، فإننا لا نجد صعوبة في أن نبدأ من "العقائد والفلسفة"، فالعقيدة هي أصل الأصول وهي القضية المحورية وهي التي تهيمن على نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف، وقد استغرق تأسيس العقيدة والدعوة إليها الوقت الأطول في عمر البعثة النبوية (13 عاما)، وهي التي يُحاسب الله عليها يوم القيامة، فكل الأعمال تبع لها، {إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116].

وهذه الحقيقة تبدو من الوضوح والسطوع بحيث أقَرَّ بها من لا يؤمنون بهداية القرآن ولا يعتمدون المنطلق الإسلامي كأصل يُصدر عنه ويُرجع إليه، فالحضارات الكبرى إنما تأسست على الديانات الكبرى كما لاحظ بحق المؤرخ البريطاني كريستوفر داوسون[3]، والإنسان بطبيعته "كائن ديني"[4] كما تقول كارين أرمسترونج -وهي للمفارقة راهبة كاثوليكية سابقا ولا تنتمي حاليا لأي دين!- والدين ظاهرة تعم البشر جميعا وتلك "حقيقة من الحقائق التاريخية والنفسية"[5]، وبعد دراسات مستفيضة في الحضارات خرج جوستاف لوبون بهذه الخلاصة لتفسير الحوادث التاريخية الكبرى، يقول: "بعد إنعام النظر في هذه الحوادث (التاريخية الكبرى) يتبين أن وراء أسبابها الظاهرة في الغالب سببا حقيقيا، هو التغير الكلي في أفكار تلك الأمم، فليست التقلبات السياسية الحقيقية الكبرى هي التي تدهش الباحثين بعظمها وعنفها، وإنما الانقلاب الصحيح الجدير بالاعتبار الذي يؤدي إلى تغير حال الأمم المدنية يحصل في الأفكار والتصورات والمعتقدات"[6]، ويقول حسن حنفي: "الوعي الحضاري بالنسبة لنا هو الوعي الفلسفي، فالفلسفة أم العلوم... الوعي الفلسفي هو أساس الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي"[7].

ومن ثَمَّ فإن محاولة دراسة أي موضوع إنساني بعيدا عن الدين هي نوع من العبث! فكيف إذا كان الموضوع هو الحضارة التي هي مجمع النشاط الإنساني وخلاصته؟!

والدين الذي نعنيه هو "العقيدة" و"الفكرة المهيمنة"، فالدين في حقيقته هو فكرة رسخت وتعمقت حتى انعقد عليها القلب فصارت "عقيدة"، حتى لو كانت هذه العقيدة هي "اللا دين"! ومن المهم أن ندرك أن الانخلاع الغربي من المسيحية لم يكن في حقيقته انخلاعا بقدر ما كان اعتناقا لدين جديد وفكرة جديدة، إذ لا يسع الإنسان أن يظل بلا أفكار، وسواء قلنا إن هذا الدين الجديد هو "العلم" أو "المادية" أو حتى "النسبية في العقائد"، فكل ذلك لا يغير من حقيقة أن كل هذه المسميات إنما هي في عمقها "دين" أيضا!

وخروجا من الخلاف والتشويش الذي ينتج عن لفظة "دين"، نستعمل لفظ "العقيدة" أو "الفلسفة" أو "الثقافة" أحيانا، والمقصود في كل الأحوال: أن أي دراسة للحضارة يجب أن تبدأ من هنا.

2. التاريخ

ونعني به التاريخ الحضاري لا السياسي فحسب، وإن كان التاريخ السياسي هو أقوى المؤثرات في تواريخ الأمم، والتاريخ الحضاري هو تاريخ الأفكار والنظم والعلوم والآداب والفنون، وهو مرتبط بالجغرافيا والبيئة، فهو في النهاية الترجمة الحقيقية والأمينة لهذه الحضارة: هويةً وطموحا وطبائع، وكما يقول د. جمال حمدان بعبارة بليغة: "من الواضح كذلك إلى حد البديهي أن دراسة الشخصية الإقليمية لا تقتصر على الحاضر وإنما هي تترامى بعيدا عن عبر الماضي، وخلال التاريخ، لأنه بالدور التاريخي وحده يمكن التعرف على الفاعلية الإيجابية للإقليم وعلى التعبير الحر عن الشخصية الإقليمية. فالبيئة قد تكون في بعض الأحيان خرساء، ولكنها تنطق من خلال الإنسان، ولربما كانت الجغرافيا أحيانا صماء، ولكن ما أكثر ما كان التاريخ لسانها. ولقد قيل بحق إن التاريخ ظل الإنسان على الأرض. بمثل ما أن الجغرافيا ظل الأرض على الزمان، بينما يضيف قولٌ آخر إن معظم التاريخ إن لم يكن جغرافية متحركة، فإن بعضه على الأقل جغرافية متنكرة"[8].

إن العقائد والفلسفة تضطرنا -أول ما تضطرنا- إلى دراسة المؤسسين والأبطال الذين كانت أعمالهم منعطفات مؤثرة في مسيرة الأمم، ولا يسعنا أن نفهم هؤلاء ولا أن نقدر أعمالهم بغير دراسة متعمقة لتاريخهم والظروف التي أحاطت بهم. ولئن كان الرسل والأنبياء أنفسهم -وهم الذين ارتبطوا بالسماء فكانوا أولى الناس ألا يتأثروا بشيء من الأرض ومن الزمن- قد بُعثوا وهم يحملون بعض خصائص أقوامهم[9]، فكيف بغيرهم؟! إنه لا يسع أحدا أن يتحرر من الزمان والمكان والبيئة المحيطة!

3. النظام السياسي

فالسياسة هي أكثر العوامل تأثيرا في الناس، وهي المهيمنة على كافة الأنشطة الأخرى.

وبرغم أنها منبثقة من "العقيدة" إلا أنها الأقدر على تنفيذ تعاليمها وترجمتها إلى أفعال ومؤسسات ونظم وطرائق، كذلك قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"[10]، وهو ما جرى في أمثال العرب قديما: "الناس على دين ملوكهم"، "الناس أتباع من غلب"، "إذا تغير السلطان تغير الزمان"[11].

كذلك فبرغم أنها منبثقة من "العقيدة" إلا أنها الأقدر على تحريف هذه العقيدة والانحراف عن هذه الفلسفة، وقد جاء في حديث النبي r: "... وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين"[12]، وكذا قال عمر بن الخطاب لزياد بن حدير: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين"[13]. وفي هذا المعنى قال عبد الله بن المبارك:

وهل أفسدَ الدينَ إلا الملوكُ ... وأحبار سوء ورهبانها؟

وفي خلاصة تاريخية بديعة يقول ابن كثير: "كانت همة الوليد في البناء، وكان الناس كذلك يلقى الرجل الرجل فيقول: ماذا بنيت؟ ماذا عمرت؟ وكانت همة أخيه سليمان في النساء، وكان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقول: كم تزوجت؟ ماذا عندك من السراري؟ وكانت همة عمر بن عبد العزيز في قراءة القرآن، وفي الصلاة والعبادة، وكان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقول: كم وردك؟ كم تقرأ كل يوم؟ ماذا صليت البارحة؟ والناس يقولون: الناس على دين مليكهم، إن كان خمارا كثر الخمر، وإن كان لوطيا فكذلك وإن كان شحيحا حريصا كان الناس كذلك، وإن كان جوادا كريما شجاعا كان الناس كذلك، وإن كان طماعا ظلوما غشوما فكذلك، وإن كان ذا دين وتقوى وبر وإحسان كان الناس كذلك"[14].

وإذا كان الحاكم في الممالك القديمة يستطيع التأثير بما يصبغ المملكة على نمطه حتى في الممالك القديمة، فكيف يبلغ التأثير الآن بعد أن صارت السلطة -منذ عصر الدولة المركزية- قوة خارقة لم يُؤتها ملك أو سلطان من قبل؟! لقد صارت السلطة تمتلك من وسائل التأثير عبر الإعلام والقوانين ما يمكنها من دخول كل بيت والتحكم في كل نشاط، حتى لتستطيع السلطة صُنع جمهور على نمطها وقالبها، بالرغبة والرهبة، لا سيما إن كانت مستبدة، حتى قال جمال الدين الأفغاني: لا يصلح في الشرق "كما تكونوا يولى عليكم"، ولكن: "كما يولى عليكم تكونون".

ثم إن السياسة تتحكم في واقعنا، هنا والآن، أي أن دراستها تمدنا بتوصيات سريعة لمعالجة قضايا اللحظة الراهنة، وتحقيق استجابة لتحديات الواقع.

فهذه الثلاثة: العقائد والفلسفة، التاريخ، السياسة هي -بحسب ما نرى- أولويات الاستغراب (دراسة الغرب) التي يجب أن يُبدأ منها، وهي تشتمل من وجوه كثيرة على باقي مجالات الاستغراب كالنظام الاجتماعي والاقتصادي والقانوني والشعر والأدب والفنون، فكل هذا إما متأثر بشكل مباشر بواحد من هذه الثلاثة أو أن دراسة هذه الثلاثة تُلزم بجمع مادة أصيلة ووافية عن باقي هذه المجالات.

نشر في ساسة بوست



[1] الندوي: موقف العالم الإسلامي تجاه الحضارة الغربية ص10.
[2] الندوي: الإسلام أثره على الحضارة وفضله على الإنسانية ص12، 13.
[3] Christopher Dawson: The Dynamics Of World History, p. 128
[4] وهذه هي خلاصة كتابها (The Case Of God) والذي صدر في سبتمبر 2009، وترجم إلى العربية بعنوان «الله لماذا»، ونشرته دار سطور في القاهرة. وبعده بشهرين في (نوفمبر 2009م) نُشِر كتاب الصحفي الإنجليزي نيكولاس واد، الذي جعل له عنوانا موحيا «غريزة الإيمان» (The Faith Instinct)،  وفيه يتحدث عن الإنسان مخلوق وداخله «جين» الله. وقبلهما كان دين هامر قد كتب كتابه الشهير الذي أثار زوبعة في وقته (سبتمبر 2004م) «الجين الإلهي» (The God Gene)  لأنه قال بوجود جينات في جسم الإنسان هي المسئولة عن تعلقه بالروحانيات، وكان العنوان التوضيحي للكتاب «How Faith is Hardwired into our Genes»  أي «كيف أن الإيمان مستقر في جيناتنا».
[5] ول ديورانت: قصة الحضارة 1/98، 99.
[6] جوستاف لوبون: روح الاجتماع ص9، 10.
[7] حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب ص101.
[8] د. جمال حمدان: شخصية مصر 1/13.
[9] بعث الله تعالى الأنبياء من صميم أقوامهم {مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164] {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف: 65، 73، 85] ويتكلم بلغتهم {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] ويعرف شؤونهم فيدعوهم إلى ترك ما هم عليه من الضلالة.
[10] المبرد: الكامل في اللغة والأدب 1/214، ابن تيمية: مجموع الفتاوى 11/416.
[11] الثعالبي: التمثيل والمحاضرة ص131، الميداني: مجمع الأمثال 2/358.
[12] أحمد (17156)، وأبو داود (4252)، والترمذي (2229)، وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة 4/110) وشعيب الأرناؤوط.
[13] الدارمي (214)، وصححه الألباني (مشكاة المصابيح: 269).
[14] ابن كثير: البداية والنهاية 9/186.

الخميس، مايو 19، 2016

كيف تأسس حزب العدالة والتنمية التركي

تناولنا في المقالات السابقة: قصة المؤسس، وفريقالمؤسسين، والانفصال عن حزب الفضيلة، والرؤية الفكرية.. ونرى في السطور القادمة كيف عالج حزب العدالة والتنمية تحديات: الكوادر البشرية، والأموال، وبرنامج الحزب.

الكوادر

توحي روايات من كتبوا عن تجربة الحزب أنه لم تكن ثمة معاناة في مسألة الكوادر، ذلك أن شعبية أردوغان من جهة ثم إغلاق حزب الفضيلة من جهة أخرى وفَّر للحزب كثيرا من الكوادر ساعة انطلاقته[1]، بالإضافة إلى كوادر أحزاب اليمين الوسط كحزب الطريق القويم وحزب الوطن الأم الذين لم يعد لهم ممثل قوي في الساحة السياسية[2]، بل إن عملية اختيار رؤساء فروع الحزب بالمحافظات كانت تأخذ فترة طويلة لأن "المرشح لهذه الوظيفة لم يكن يكلف بتوليها إلا بعد أن يخضع لبحث وتقص جادين. وكان لا يُعانَى من نقص في قاعدة البيانات" ويعتمد قبوله على استطلاعات الرأي السابقة بالإضافة إلى مميزات الشخص نفسه[3]، وقد ضم الحزب يمينيين وقوميين وليبراليين بالإضافة إلى أردوغان ورفاقه[4] مما زاد في نفى صفة "الإسلامية" التقليدية عنه، وألصق به أحيانا صفة كونه "ائتلافا من فصائل مختلفة لا حزبا متجانسا"[5].
ابتعد البرنامج تماما عن ذكر صريح للإسلام ونصَّ على "الديمقراطية المحافظة" وقَبِلَ بالحداثة "إلى حدِّها الأقصى"، وكان ترجمة للهوية السياسية التي اعتمدوها بما تحتويه من غموض وأسئلة غير مجاب عنها بنظر البعض[6]. إلا أن أمورا ميَّزت برنامج الحزب، أبرزها ما كان في جوهره ردًّا على بقية الأحزاب، فمن ذلك انحياز واضح نحو تجديد الدماء فيما يبدو أنه ردٌّ على ما جرت به عادة الأحزاب الأخرى العلمانية والإسلامية على السواء، إذ حددوا مُدَدَ من يقوم بنيابة الشعب بحيث لا تزيد على ثلاث دورات، وبحيث لا يرأس الحزب شخص واحد أكثر من خمس دورات[7].

واهتم البرنامج اهتماما خاصا بالملف الاقتصادي الذي كان "واجب الوقت" وأكثر الملفات إلحاحا، لما وقعت فيه تركيا من أزمة تضخم كبرى أسفرت ضمن أمور أخرى عن الانتخابات المبكرة، وقد تولى هذا الملف علي باباجان، وهو رجل اقتصاد من عائلة لا تعمل بالسياسة ولم يتعرف على أردوغان إلا في مرحلة متأخرة، وكانت أبرز العوائق التي تواجههم وينبغي وضعها في البرنامج: الديون، صندوق النقد الدولي، السوق التركي المضطربة[8]. واختفى من برنامجهم "الصناعة الوطنية الثقيلة" التي كانت في برامج أربكان وحلَّ مكانها مفهوم اقتصاد السوق الحرة الذي يأخذ بعين الاعتبار مصالح الطبقة الوسطى[9]، وكان أبرز ما قاموا به في هذه الفترة أنهم روجوا لهذا البرنامج لدى عدة جهات في الخارج: لندن ونيويورك[10] وحققوا بذلك عدة أهداف لا ريب أن أهمها التسويق السياسي قبل الاقتصادي لدى هذه الجهات وعلى رأسها صندوق النقد الدولي ومحاولة استشراف اتجاهات خارجية قد تؤثر في وضع الخطط والبرامج والخطاب السياسي.

وكانت من أبرز ملامح البرنامج وضع "خطة الأعمال العاجلة" التي تحدد برنامج الأيام الأولى، فقد حضَّروا في فترة التأسيس "عشرات من المشاريع الإصلاحية الجاهزة للتنفيذ فورا"[11]، وكانت خطة طموحة أثارت دهشة بعض السياسيين، غير أنهم كانوا واثقين من قدرتهم على تنفيذها[12]، ولعل ذلك كان بأثر زياراتهم الخارجية المتعددة التي ساهمت في تسويق السوق التركية للاستثمار.

وأكثر ما لفت أنظار المراقبين في البرنامج هو الرغبة الصريحة الواضحة في الانضمام للاتحاد الأوروبي والتي تعبر عن مفارقة للفكر المعتاد للأحزاب الإسلامية السابقة[13].


فوض أردوغان صديقه رجل الأعمال جنيد زابصو في اختراق هذه فئة رجال الأعمال، ووعده بأن أي شخص سيأتي به منهم سيجعله في مجلس المؤسسين، وقد نجح جنيد في ضم عشرين منهم وُصِفوا بأنهم يساوون مليار دولار، كذلك كان الباب مفتوحا أمام مساعدات "أصحاب المحال الصغيرة، ومن التجار، ومن المتبرعين" الذين يمثلون القاعدة الشعبية الكبرى للحزب، مع الحرص على الابتعاد عن رؤوس الأموال التي تحاول شراء نفوذ سياسي[14].

إلا أن أهم ما في الموضوع هو في كون الحزب قد طرح نفسه باعتباره ديمقراطيا محافظا يمثل يمين الوسط ومنشقا عن الفكر السياسي الذي مثَّله أربكان، فلقد فتح هذا طريقا أمام عدد كبير من رجال الأعمال المتدينين "الشباب[15] الذين يمثلون رؤوس الأموال في الأناضول، وبمعنى آخر كانوا من الطبقات الاجتماعية التي استهدفها انقلاب 28 فبراير/ شباط ثقافيا واقتصاديا. وأراد هؤلاء الشباب التخلص وفي أسرع وقت ممكن من العبء الأيديولوجي الذي حمَّلتهم إياه (حركة الفكر الوطني) إذ رأت هذه الحركة أن هؤلاء الشباب يمنعون تحقيق مطالبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما أنهم كانوا على قناعة تامة بأنهم لن يحصلوا على أي نتيجة من الأرجوحة التي يحركها أصحاب السلطة لسنوات وفقا لمصالحهم. ولكل هذه الأسباب كانوا يشعرون بالحاجة إلى كيان سياسي جديد يمنع الصدام بينهم وبين الحكومة المركزية، ويضع في اعتباره حساسية الحكومة تجاه بعض الأمور من ناحية ومطالبهم من ناحية أخرى"[16]. وكانت هذه الطبقة الناشئة من رجال الأعمال قد تجاوزت أعمالها الشركات الوسيطة لتصبح شركات كبرى وصارت منظمتهم "الموسياد" (رابطة الصناعيين ورجال الأعمال المستقلين) الأكبر والأسرع نموا في تركيا، وقد كانوا من داعمي حزب الرفاه إذ وجد كل طرف مصالحه عند الآخر[17]، ويقسِّم بعض الباحثين هذا القطاع إلى قسمين: الموسياد الذي صار يُحسب فيما بعد على العدالة والتنمية، وقسم آخر عُرف فيما بعد باسم "تحالف توكسون" وهو تابع لجماعة فتح الله كولن[18].

وقد "كانت هناك أوساط –منها (جمعية توسياد) التي تمثل اتحاد رجال الأعمال الأتراك- على استعداد لدعم كيانات جديدة يمكنها أن تملأ الفراغ السياسي للحكومة المركزية، ويمكنها أيضا أن تجد إجابة للبحث عن هوية أكثر ليبرالية، وأكثر جماعية، ومستقلة في الوقت نفسه عن مفهوم الفكر الوطني الذي رجح أن يظل صامتا حتى يتلاشى غضب انقلاب 28 فبراير"[19].

في المقال القادم بإذن الله تعالى، ننظر كيف اجتاز الحزب تحديات: الجمهور والقاعدة الشعبية، وكيف تعامل مع الواقع الإقليمي والدولي عند لحظة التأسيس، فالله المستعان.

نشر في تركيا بوست



[1] Cemal Karakas: Turkey, Islam and Laicism, p. 29.
[2] Aydin, Çakır: Political Islam in Turkey, p. 2.
[3] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص336.
[4] برنامج تحت المجهر: "العثمانيون الجدد"، قناة الجزيرة، بتاريخ 26 يوليو 2007
[5] Aydin, Çakır: Political Islam in Turkey, p. 2.
[6] Aydin, Çakır: Political Islam in Turkey, p. 2.
[7] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص323.
[8] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص365 وما بعدها.
[9] Cemal Karakas: Turkey, Islam and Laicism, p. 29.
[10] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص369.
[11] برنامج تحت المجهر: "العثمانيون الجدد"، قناة الجزيرة، بتاريخ 26 يوليو 2007
[12] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص370.
[13] http://www.akparti.org.tr/english/akparti/parti-programme
[14] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص312، 337.
[15] أبرزهم: مجاهد أرسلان، عمر تشاليك، فاروق كوجا، أحمد توبراق، يافوز سليم أراس. بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص307.
[16] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص307؛ Ömer Taspinar: Turkey’s Middle East Policies, p. 13; Cemal Karakas: Turkey, Islam and Laicism, p. 28.
[17] Heinz Kramer: A Changing Turkey, p. 67-8; ; Cemal Karakas: Turkey, Islam and Laicism, p. 20-1.
[18] Rabasa, Larrabee: The Rise of Political Islam, p. 52-3.
[19] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص308.