يكفي دليلا على عِظَم الجريمة التي تقترفها الأنظمة الحاكمة المعاصرة هذا الذي تفعله في رمضان! لقد انقلب رمضان -على أيديهم وتحت رعايتهم ودعمهم- من موسم لعبادة الله وطاعته والاستكثار من الحسنات، إلى موسم لمحاربة الله ورسوله وأوليائه، والاستكثار من المعاصي والفجور والخلاعة!
حتى في زمن وباء كورونا الذي اتخذته
السلطات ذريعة للتضييق على المساجد والقيام والاعتكاف وإطعام الطعام، لم تتوقف
موجة المسلسلات والبرامج الخليعة، كأن الفيروس لا يوجد في غير المساجد ومواطن
الطاعات، وكأنه يتجنب مواطن الفواحش والمعاصي!!
وفي هذه السنوات الأخيرة زاد هؤلاء
المجرمون إلى إجرامهم عادة جديدة، وهي مسلسلات تعدّ خصيصا في هذا الشهر الكريم
للإساءة والطعن في المسلمين وأهل الدين، فما يكاد رمضانٌ يخلو من مسلسل أو أكثر
غرضه تشويه الإسلاميين ورموزهم وتشويه حركات المقاومة، يكفي أن تُلصق على الأمر
لافتة "الإرهاب" ليصير المحظور مباحا! وكأنما "الحرب على
الإرهاب" لا تحلو إلا في شهر الصيام والقيام والطاعات!
ولم يقتصر التشويه على الرجال، بل
تعداه إلى النساء، وحتى إلى أعراضهن، وجرى عرض المسلسلات التي تزعم استهتار
الإسلاميين بالأعراض وشأنها، حتى كأن نساءهن يُبِحْن أعراضهن لمن شاء، بأمر الأمير
أو بغير أمره، (كما عرضه من قبل مسلسل: بطلوع الروح)! وأعجب ما في الأمر وأغربه أن
اللاتي يقمن بهذه الأدوار هن الممثلات اللاتي كُنّ أعمدة الفجور والفاحشة، وكُنَّ
رموز الفئة التي تحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا!!!
وصدق الذي قال:
فيا موت زُر إن الحياة كئيبة .. ويا
نفس جدي إن دهرك هازل!
قد صار حقا ما كان يقال في الزمان
القديم استهزاء وسخرية! العاهرات يخطبن عن الشرف وينعين على المصونات المحصنات
المؤمنات الغافلات، وخونة الأوطان يخطبون عن الوطنية ويرمون أبناءها بالخيانة
والجاسوسية!!!
ثم زاد الطين بلة أخرى إذ خرج علينا
الزنادقة المشهورين بالفواحش والفجور يقدمون برامج دينية!! ويقول قائلهم: من آمن
بالنبي كمن لم يؤمن به! ومحمد لم يكن خاتم الأنبياء فقد بُعث بعده نبي آخر هو
البهاء ويصدقه سبعة ملايين! ويجب على المسلمين احترام هذه الملايين السبعة والكف
عن الاعتناق بأن محمدا هو خاتم الأنبياء.. ولولا أني لا أريد تلويث قلمي ولا تلويث
صفحات المجلة لذكرت اسمه! وذكرت بعضا من تاريخه، وهو تاريخ مدنس منجس حافل بأقوال
الكفر والزندقة! فضلا عما هو حافل به من العمالة الرخيصة لأجهزة الأمن، ومن
الريادة الحقيرة للصحافة الصفراء!
وقرينه في ذلك الكميت الأحمت ذي
الحمالات الذي يواصل تقيؤ الكفر من فمه، ويتقيؤه فجا غليظا قميئا، كأن البلد قد
فرغت من الدين وأهله، وكأنها قد خلت ممن يغضب لحرمة النبي وآله وصحبه! وكأنها لم
تكن يوما بلد الأزهر الشريف، ولا عاصمة الخلافة الإسلامية، ولا كنانة المسلمين!
على أن هذا كله هو أعراض المرض الأصيل،
المرض المتوطن الثقيل، وهذا المرض هو أنظمة الحكم نفسها، فلولا رضاها ودعمها
ورعايتها لهذا كله ما تجرأ واحدٌ من هؤلاء أن يتفوه بشيء منه، فالحقُّ أنها مهمّتم
التي يعرفون أنهم مكلفون بها.. مهمة الطعن في الدين وشيطنة المتدينين والترويج
للتصهين والإلحاد والدين الجديد المرتقب.. دين الإبراهيمية الذي ينطلق من الإمارات
المتصهينة! والتي بشرتنا الأخبار قريبا أنها بصدد إنشاء حي يهودي فيها! لتكون تلك
أول عودتهم العلنية بعد إجلاء عمر بن الخطاب ليهود خيبر!
***
يجب أيضا أن يُقال بأن هذا
"الانقلاب الرمضاني العنيف"، وهذا التحول الهائل من موسم الطاعات إلى
موسم الكفر والفجور، لا يؤتي ثمرته ولا يصيب إلا من أراد التعرض له.. فإن الحريص
على الطاعة والعبادة والتعرض لنفحات الله في هذا الشهر يُجنب نفسه أن يمكث أمام
هذه القاذروات! لا سيما وقد أنعم الله علينا في هذا الزمن بكثرة المواد النافعة
والمفيدة، إن كانت في الفضائيات أو كانت في الانترنت.. وتلك نعمة كانت الأجيال السابقة
محرومة منها حين لم يكن بالإمكان مشاهدة غير قناة أو قناتيْن حكوميتين!
فالذي يترك تلال المواد النافعة
والبرامج الرمضانية المتنوعة على سائر القنوات والمنصات ثم يختار أن يتابع هذا
العفن فلا يلومن إلا نفسه!
وقد وصف الله تعالى أن زخارف شياطين
الإنس والجن إنما تجد طريقها إلى نوع فاسد من القلوب، كما في قوله تعالى {وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي
بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا
فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ
مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 112، 113].
فمن عرَّض نفسه للفساد دلَّ هذا منه
على فساد في داخله!
وأما الذين يحبون أن يتوب الله عليهم
في رمضان فلا يسمحون لأنفسهم بتضييع أوقات الشهر الكريم في الهذر والتفاهة، فضلا
عن الزندقة والفجور والخلاعة!
بل إن صاحب العقل النظيف الذي يحفظ
عقله من أن يتلوث ويتدنس يصون عقله من التعرض لأعمال هو يعرف أن الذي كتبها كذاب،
وأن الذي يمثلها فاجر، وأن الذي يمولها وينتجها ويدعمها خائن كفور!
ومن ها هنا فإن رمضان كما هو انقلاب في
حياة المؤمن، فهو كذلك انقلاب في حياة الفاسق الخبيث.. هذا يزداد إيمانا ورفعة
وقربا من الله، وهذا يزداد طغيانا ونفورا وقربا من الشيطان.. فيخرج كلاهما من
رمضان، وقد اقترب كلٌّ منهما من مصيره!
ويصدق في كليهما قول الله تعالى {فَمَنِ
اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)
قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ
كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)
وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ
الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 123 - 127].
***
مما يجب التنبيه عليه في هذا الموطن أن
الله تبارك وتعالى مثلما يضاعف الأجر في الأوقات الفاضلة والمواطن الفاضلة، فإنه
أيضا يضاعف الوزر فيها..
فكما أن الطاعة في رمضان مضاعفة
الثواب، فالمعصية في رمضان مضاعفة العقاب.. وقد أخذوا ذلك من قوله تعالى عن البيت
الحرام {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ
وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ
أَلِيمٍ} [الحج: 25].. فمجرد إرادة الإلحاد في البيت الحرام (وهو المكان الفاضل)
قد توعد الله صاحبه بالعذاب الأليم!
وقاسوا على ذلك ما جاء في رمضان من
النصوص التي تشرفه وتعظم قدره وتبين مكانه وفضله، وبه يتبين أن انتهاك حرمة هذا
الشهر بالمعاصي هو أشد في الإثم من المعصية في غيره.
ومن هذه النصوص حديث النبي المشهور:
"الصلوت الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا
اجتنبت الكبائر".. فتصوَّر من يُقدم على المعصية ويتجرأ عليها وهو في الصلاة،
أو وهو في الجمعة.. لا ريب أن هذا هو أشد في الإثم من اقتراف المعصية فيما سواها،
فكذلك في رمضان!
ولا ريب أن هذا الفجور المنهمر على
الناس في رمضان هو حرام في هذا الشهر وفي غيره، والواجب على المسلم تجنبه في كل
الشهور، لكن من كان مُصِرًّا على مشاهدة هذا الفجور، أو كان لا يملك نفسه عنه،
فأقل الأمر أن يؤجل ذلك إلى ما بعد رمضان، وليتعرض في هذا الشهر إلى الخير والطاعة
والعبادة، وعسى ذلك أن يصرفه عن الشر في رمضان وفيما بعد رمضان. لكن إن لم يقدر
على نفسه فليختر أهون الشرور!
إن الإقدام على العصيان في رمضان يضع
الإنسان في قلب الخطر، فإن الله تعالى إنما جعل مواسم الطاعات ليتقرب العباد إليه
وليغفر لهم بذلك فيها، فعصيان الله في هذه المواسم والأوقات هو اجتراء على الله
وإساءة للأدب معه، فليحذر المسلم من ذلك.
***
ثم نسأل الله تعالى أن يهيئ لهذا الدين
أمر رشد يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويُحكم فيه بكتابه، وأن يمنّ
علينا فنعيش رمضان كما عاشه أسلافنا من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وحتى إلى وقت
قريب، قبل أن تكون للدولة ووسائل إعلامها هذه القوة والهيمنة، حيث كان رمضان في
سائر الديار شهر المواعظ والخير، ومجالس الذكر والصلوات والقربات وأنواع الطاعات..
ولا ننسى أن نذكر إخواننا وأحبابنا
بأهمية العشر الأواخر من رمضان، وأهمية ليلة القدر، والحرص على اعتكاف هذه الأيام
وقيام هذه الليالي.
إن الانخلاع من الدنيا ولو لأيام هو
عمل عظيم الأهمية، لإنقاذ هذه النفوس التي نشبت مخالب الدنيا فيها حتى لم تعد
تستطيع الانفلات منها.. لا بد للمرء من عزلة أيام يستعيد فيها نفسه وروحه وينظر
فيها في شأنه، ويفكر فيها في آخرته، ويعيد فيها تقييم مسيرته في دنياه، وماذا عساه
يفعل إذا دهمه الموت يوما ما!
انعزال أيام يتعرض فيها المرء للآيات
والمواعظ قد يكون نقطة انقلاب رمضاني هائلة في حياته كلها، فإن الإنسان إذا آوى
إلى نفسه وتفكر في شأنه وراجع حياته وتأمل في مستقبله، فإنه يعلم علم اليقين أن
الدنيا أيام زائلة وأن المستقبل الحقيقي في الآخرة، وأن هذه الطاحونة الهائلة وهذه
الماكينة الهادرة ليست إلا الصخب والضجيج الخادع الذي يصرف عن حقيقة المصير
الكبير!