الأربعاء، يناير 15، 2025

سر ورود قصة طالوت في موضعها من سورة البقرة

 

 

لطالما تساءلتُ عن سر ورود قصة "طالوت" في موضعها من سورة البقرة، فإنها تبدو للوهلة الأولى مُقْحَمَةً على السياق، منفصلة عما قبلها وعما بعدها..

وإذا كان الناس يتأملون في كتابة الكاتب البليغ، وفي نظم الشاعر المفلق، فيحاولون سبر أغوار مقاصده في اختيار اللفظة والعبارة دون غيرها.. فقد علم المسلمون جميعا أن كتاب الله المُعْجِز، الذي أحسن الكلام وأبلغ النظام، ليس فيه شيء إلا وتحته حكمة بليغة.. علمها من علمها، وجهلها من جهلها، والله يفتح على عباده بما شاء كيف شاء!

ولَكَم سمع المرء من أهل القرآن نظرات وخواطر عميقة تدهش العقل، ثم يأتي عليه قوم آخرون فيذكرون في ذات الآية والسورة نظرات أخرى لا تقل عن سابقتها في الإدهاش والإعجاز.. فكأن كتاب الله طبقات عديدة، وكأنه كتب كثيرة في كتاب، ينهل كل واحد منها على حسب عقله وقلبه، وبما فتح الله عليه.

أقول: كنت أحاول أن أفهم لماذا جاءت قصة طالوت في هذا الموضع من السورة، حتى كنتُ في مجلس علم وذكر، فكأنما فُتِح علي الحكمة في ذلك.

بدايةً، فإن سورة البقرة -كما ذكرنا في مقال سابق- هي التي رافقت تكوين المجتمع المسلم في المدينة، فهي قد بدأ نزولها مع بداية العهد المدني، ثم ظلت تتنزل آياتها متفرقة حتى نهاية هذا العهد، حتى إن آخر آية نزلت على النبي هي آية سورة البقرة {واتقوا يوما تُرجعون فيه إلى الله... الآية}.

وذكرنا أن موضوع السورة كما يبدو من جمع أجزائها هو: إعلان انتقال الخلافة الربانية إلى أمة الإسلام، فإنها تُقَدِّم لذلك بخيانة بني إسرائيل للرسالة ونكثهم، ثم يأتي الانتقال بحادثة تحويل القبلة، ثم تتنزل الكثير من التشريعات على أمة الإسلام.. وسُمِّيت السورة بهذا الاسم "البقرة" تنبيها للمسلمين وتذكيرا لهم بقصة البقرة، وأن تشريعات الله وأوامره يجب أن تؤخذ بالطاعة والتسللم لا بالجدال ولا المفاوضة.

[إن شاء الله، سأضع لك روابط للمقال ولأمور أخرى آخر هذا المنشور]

وفي هذا السياق تبدو سورة البقرة على هذا النحو:

1. الجزء الأول منها: يتحدث عن قصة الخليفة وأصل المعركة بين الحق والباطل، وكيف وصلت الرسالة إلى بني إسرائيل فخانوها!

2. ثم يُسَلِّم هذا الجزء إلى الجزء الثاني الذي يروي قصة البيت الحرام وبنائه، تمهيدا للحديث عن تحويل القبلة، ثم تنزل آيات التشريع كثيرة: في الصلاة والصيام والزواج والطلاق والخلع والبيع وغيرها.. ثم يختم هذا الجزء الثاني بقصة طالوت مع بني إسرائيل.

3. ويبقى في السورة أقل من نصف جزء، كله تقريبا عن الأموال، فمعظمه عن الإنفاق في سبيل الله، ثم الربا والدَّيْن.. وهذا الأمر تناولناه في مقال سابق، سأضع لك رابطه في نهاية هذا المنشور.

السؤال الذي نقصده هنا: لماذا جاءت قصة طالوت في هذا الموضع من السورة؟

والجواب، والله أعلم وأحكم، أن في هذه القصة نهجًا للمسلمين يعرفون بها الدواء إذا فسد حالهم وضعفوا وتغلب عليهم عدوهم، فطردهم من أرضهم واستولى على مقدساتهم..

لقد استعرضت السورة قصة خيانة بني إسرائيل، وأقامت قواعد أحكام تنظم حياة المجتمع المسلم، فما بقي إلا أن يُقال: ما هو العلاج إذا وقع الفساد.

ولئن صحَّ تصوري، فالعلاج في سورة البقرة قد جاء في هذه القصة، ثم لم يبق بعدها في السورة إلا حديث الإنفاق في سبيل الله وتحري الحلال والحرام في الأموال.

وخلاصة العلاج كما في قصة طالوت هي: توسيد الأمر إلى أهله!

وفيها أيضا بشرى للأمة المسلمة، وهي: أن توسيد الأمر لأهله يأتي بنتائج سريعة مثمرة في وقت قصير.. كما أن نزع الأمر من أهله يؤدي إلى النكبات الكبيرة.

نحن نرى كيف أن بني إسرائيل طُردوا من الأرض المقدسة، واستولى العمالقة على مقدساتهم (التابوت)، مع أنهم كانوا يحتوون في مجتمعهم هذا الرجل القائد الذي سيحررهم، ويحتوون فيه أيضا: الجنود الأبطال الذين سيأتون بالنصر.

ولكن صلب الأزمة كان في أن هذا القائد ليس في موقع القيادة، وكان في أن هؤلاء الجنود ليسوا خالصين للجندية.. كان حولهم كثيرون ممن يتكبرون عن الحق، أو يتثاقلون عن الكفاح، أو ينفرون من الجندية والتنظيم.

ولهذا، فسرعان ما تغير الوضع.. ما إن تولى طالوت موقع القيادة، حتى تساقط عنه عدد من الناس: تساقط الذين ثقل عليهم القتال، وتساقط الذين تكبروا أن يكونوا جنودا تحته.. ثم مضى مرحلتين فتساقط عنه من لم يتحمل التكاليف، ومن لم تصمد نفسه أمام قلتهم وكثرة العدو!

بقي معه ثلاثمائة رجل فحسب..

بالحساب المادي البحت، فإن طالوت قد فرَّق المجتمع ومزَّقه وخسر كثيرا جدا من عناصره، ودخل إلى الحرب في موازين قوة منهارة..

ولكن بحساب الحق وبحسبة النتائج، لقد تخلص طالوت من عناصر الفساد الكثيرة التي تشوش وتخلط وتثير الأزمات، وبقيت له الصفوة الذين أنزل الله عليهم النصر.

اللافت للنظر هنا، وهو موضع الشاهد الذي نريد العناية به، أن بني إسرائيل لم يأتهم مدد من غيرهم، ولم تنزل عليهم معجزة سماوية محسوسة.. لقد انتصروا رغم أنهم في ظاهر الأمر قد نقصوا وقلت أعدادهم.

السر هنا هو في: توسيد الأمر لأهله.. أن يكون الرجل في مكانه الصحيح، مكانه الذي يستحقه، مكانه اللائق به.

[طبعا في القصة دروس أخرى كلها مهم.. وسأضع لك في آخر المنشور مقالا يتناول بقية الدروس]

لقد كان المجتمع المهزوم المنكوب مهزوما ومنكوبا رغم أنه يحتوي القائد المخلص الكفء، ولكنهم لم يعرفوا موهبته ومقامه فلم يفكروا في الانضواء تحته.. وكان يحتوي الجنود المحررين لكنه لم يكن يعرف لهم مقامهم فلم يجعلهم جيشه ومقاتليه..

شيء يمكن تشبيهه بلوحة "البازل"، لا بد أن تكون كل قطعة في مكانها لتتضح الصورة وتكتمل وتستوي لوحة رائعة تسر الناظرين.. فأما إذا لم تأخذ كل قطعة موضعها، فالنتيجة منظر قبيح مشتت مُنَفِّرٌ غير مفهوم!!

نحن الآن أمة مهزومة منكوبة.. والعلاج -كما نفهمه من هذه القصة- أننا نحتوي داخلنا قادة النصر وجنوده.. الواجب علينا الآن أن نبحث عن القائد الكفء وأن نجتهد ليتولى مكانه الصحيح.. وأن نبحث عن الجند الأكفاء ونجتهد في أن نضع كل واحد منهم مكانه الصحيح.. ذلك هو واجب الجميع.. كلٌّ في مكانه ورتبته ووفق إمكانياته!

يستحيل أن تكون أمة الملياريْن خالية من مائة يصلحون للقيادة، أو خالية من 10 مليون يصلحون للجندية.. لا شك في أن أمتنا تحتوي من يستطيع أن ينهض بها.. لكن المأساة أنهم ليسوا في مكانهم الصحيح..

فذلك هو الواجب.. ابحث فيمن حولك عن كل كفء لمكانه، واجتهد أن تضعه فيه أو توصله إليه أو تساعده في الوصول إليه أو تدعمه في البقاء فيه إن كان قد وصل..

ذلك هو الواجب الذي تعتدل به حياة الأمة كلها.

إنك إذا قرأت سورة البقرة على هذا الحال، فأحسب أنها تستقيم في ضميرك، وتبدو كالموضوع الواحد.. والله أعلم.

 

روابط مفيدة في فهم سورة البقرة:

1. لماذا سميت سورة البقرة بهذا الاسم | https://melhamy.blogspot.com/2024/04/blog-post.html

2. سنن الانتقال من الذل إلى المجد | https://melhamy.blogspot.com/2015/01/blog-post_3.html

3. هل القيادة مثل الحرية تُنْتَزَع ولا توهب؟ | https://t.me/melhamy/3233

4. حلقات تحويل القبلة من مجالس السيرة النبوية

- 52. تحويل القبلة .. أول محنة مدنية | https://youtu.be/RyqjHfHntiI

- 53. إعلان استقلال الأمة | https://youtu.be/TnUBeOGrniI

- 54. معركة تحويل القبلة | https://youtu.be/tCeo9zEEH5c

5. الإنفاق دواء النفاق | https://youtu.be/Jfg3B-VTqNg

الجمعة، يناير 03، 2025

انهيار الباب الأول في جدار حراسة إسرائيل!

 قد فاضت الأقلام، وحُقَّ لها أن تفيض، بما أنعم الله على المسلمين من إسقاط نظام بشار الأسد، وتحرير دمشق، من بعد نصف قرن مظلم كئيب كانت في سوريا ترزح في أسوأ عهودها على الإطلاق!

والحمد لله أن قيَّض لعباده من الظروف والأحوال ما جعل هذا التحرير ممكنا على رغم قلة العدد وضعف العدة وعموم اليأس وانعدام النصير، فإن إسقاط هذا النظام آية من آيات الله، وما كان لأحد أن يتوقع سقوطه بهذه السهولة ولا بهذه السرعة! لكأنما كان سحابا وانقشع! أو سرابا يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا!

إن أمام القوم تحديات عديدة، نسأل الله أن يوفقهم فيها ويهديهم إلى الرشد فيها، لكن العقبة الكأداء قد انهارت، وما بعدها أيسر منها إن شاء الله!

وأهم ما في هذا الفتح ليس ما يتعلق بأهل سوريا وحدهم، بل ما يتعلق بالشام وبمصير المنطقة كلها.. ولقد رأى الجميع كيف سرت صعقة كهربية في سائر الإقليم العربي الإسلامي، بل وفي سائر الدنيا، فإن امتلاك المسلمين لأمرهم في دمشق هو بمثابة قنبلة نووية في قلب النظام العالمي القائم الآن! وما هو بالأمر الذي يُسْمَح به مهما كانت التكاليف!

وما من شكٍّ عندي في أن الأمريكان والغربيين يحاولون اختبار الوضع، واختيار البدائل، مثلما سمحوا لمحمد مرسي بأن يصل إلى رئاسة مصر وهم يظنون ويُقَدِّرون أنهم يستطيعون به إدارة الأمر على ما يحبون ويرغبون، فلما كانت آثار هذا عظيمة لا تحتمل ذهبوا إلى الانقلاب العسكري عليه وتدمير الفرصة التي سبق أن سمحوا بها.

وإني سأقص عليك مختصر القصة، فإن كنت –أخي السوري- لا تجد الوقت أو كنتَ ملولا فاذهب مباشرة إلى آخر قسم في المقال، ففيه الخلاصة.

(1)

لم يكن الرئيس الشهيد محمد مرسي رحمه الله جهاديا، ولا كان في خاطره أن يقاتل الأمريكان والإسرائيليين، بل لقد ظنَّ أن تقديم الوجه الهادئ العملي التصالحي والحفاظ على مصالح هؤلاء الغربيين قد يمنحه الفرصة ليتمكن من البلاد تمكنا هادئا متدرجا، ثم يخرج من هذا التمكن بعد ذلك إلى تغيير الأوضاع!

وما عندي من المعلومات يؤكد أن الأمريكان كانوا يقبلون بهذا، لا حبا في محمد مرسي ولكن لأن هذا يلتقي مع خطة أخرى رغبوا في تنفيذها، تلك الخطة هي: أن يأتي الإسلاميون بالانتخابات النزيهة دون أن يمتلكوا حقيقة السلطة ومفاتيحها، فيعانون هم في الحكم ويعاني الناس من فشلهم فيه وضعف قدرتهم على إدارته، مع التهييج الإعلامي المستمر، والتفزيع الطائفي للأقليات وأصحاب المصالح، والتحكم الغربي عمليا في مراكز القوة العسكرية والأمنية والمالية.. فيكون الرئيس في أحسن أحواله كرئيس البلدية، ويكون أقصى ما يستطيع إنجازه تحسين أحوال الطرق وتنظيم الخدمات المحلية كتوزيع الخبز والغذاء وتحسين أحوال الصحة والصرف الصحي ونحو هذه الأمور! وهذا كله لن يعني شيئا في ظل القصف الإعلامي المتواصل الذي يندب ويصرخ ويشكو من أن هذا ليس كافيا بل ليس شيئا!

فتكون النتيجة النهائية أن تأتي الانتخابات القادمة النزيهة لتُسْقِط الإسلاميين باختيار الشعب وإرادته، فتكون ضربة معنوية قاصمة للإسلاميين في أنفسهم وفي أفكارهم، كما تكون ضربة قوية لأفكار الناس ليس فقط في صلاحية الإسلاميين للحكم، بل في صلاحية الإسلام للحياة!

كان يمكن لهذه الخطة أن تسير جيدا: إن أربع سنوات يراهن فيها الأمريكان على هذا المسار، هي ذاتها السنوات الأربعة التي يودّ مرسي والإخوان أن تسلم لهم؛ فالإخوان مرسي لا يريدون إلا الفرصة والوقت وهم يراهنون أن تمكنهم من تحسين هذه الأوضاع سيعني التفاف الشعب حولهم، وبالشعب وبمن ينحاز لهم من رجال السلطة يمكنهم أن يتمكنوا من الحكم وأن يصلحوا الأحوال تدريجيا وصولا إلى الغايات الكبيرة المنشودة: بداية من تحرير مصر وامتلاك قرارها وحتى تحرير الأقصى!

فإذا وقع اتفاق الإخوان والأمريكان، كلٌّ وفق رؤيته ومصالحه، على شيء.. فلماذا تعطل هذا الاتفاق؟ ولماذا جرى الانقلاب العسكري في مصر؟!

هذا هو مقصود ما أريده من هذا المقال.. فأعطني سمعك وقلبك وعقلك..

(2)

لم يكن أثر وصول مرسي إلى الحكم في مصر قاصرا على مصر وحدها؛ لقد كان لهذا الوضع أصداء واسعة في العالم كله، ولا سيما في الخليج وفي إسرائيل، وفي تركيا وإيران أيضا..

إسرائيل فقدت بانهيار حسني مبارك كنزها الاسترايتيجي –والوصف للوزير الإسرائيلي بنيامين بن إليعازر- وإن آثار الضعف والتفكك الذي عانى منه الجهاز الأمني والعسكري وفَّر فرصة هائلة لنمو المقاومة الإسلامية في فلسطين، لا سيما في غزة التي صارت تأتيها أكداس السلاح، لقد انتعش تهريب السلاح كما وكيفا عبر المسار المصري الذي ضعفت فيه قبضة الجيش والشرطة، وصارت قوة حماس تتضخم في غزة!

وأما الخليج، تلك الممالك التي ترسخ فيها الحكم الملكي والأميري، والذي يعامل الناس عمليا كعبيد لهم المأكل والمأوى ولنا فيهم القرار والسلطان، فقد أصيب بصاعقة حقيقية حين نجحت الثورة المصرية، إذ كيف لرئيس عتيق أن يسقط بعد ثلاثين سنة بهذه السهولة، ثمانية عشر يوما فحسب!! لقد أنعش هذا الآمال المدفونة للشعوب الخليجية لكي تشعر وتتنفس أن يكون لديها من الحرية والإرادة والرأي في النظام. وزاد في ذلك أن تأثير الثورة المصرية سرعان ما انتشر في ليبيا وسوريا واليمن وبدت له بوادر لم تكتمل في البحرين والجزائر والمغرب.. لقد شعر ملوك الخليج أنهم في لحظة تشبه ما عاشه قبلهم ملوك أوروبا القديمة والوسيطة؛ شعروا أنهم أمام ثورة لتحرير العبيد، وقطع رأس الملوك!! فكان لسان حالهم يقول: لئن كانت أمريكا تستطيع أن تصبر أربع سنوات تجرب فيها خطتها، فإن الوضع عندنا لا يحتمل ولا نستطيع أن نصبر! لقد رأوْا كيف أن بعض شعوبهم وضع كلمات الرئيس مرسي كنغمات رنين لهواتفهم الجوالة!.. إن استمرار مرسي سيمثل سقوطا مؤكدا لأنظمة حكمهم!

حتى إيران وتركيا على رغم ما بينهم من التضاد والخلاف، كلٌّ منهم رأى في مرسي فرصة عظيمة يتقوى بها جانبه ويشتد بها محوره..

فأما تركيا فلقد كانت لحظة في غاية الندرة والعظمة للعثماني الجديد –كما تنعته الصحافة الغربية- لكي يجد طريقا ممكنا ليتمدد في العالم العربي بعد مائة عام من العزلة العلمانية الأتاتوركية، فالمتفائل يقول: إنه أول استرجاع تاريخ الدولة العثمانية، والمتحفظ يقول: إنه أول الطريق لتمدد الدولة التركية واتخاذها الموضع اللائق بها في خريطة القوى الإقليمية. والإخوان ومرسي من جانبهم كانوا يرحبون أشد الترحيب بالحليف التركي، الحليف القوي ذي الهوى الإسلامي، في منطقة ترسخ فيها الطغاة والعلمانيون وليس لهم فيها نصير.

وأما إيران، فلقد وجدت في وصول مرسي للحكم فرصة ممتازة لتمد علاقات قوية مع مصر –أكبر الدول العربية وأهمها- بعدما سقطت العقبة الكأداء المتمثلة في حسني مبارك ذي الهوى الصهيوني والأمريكي، إنها لمنحة عظيمة في هذه اللحظة وجود إسلاميين في حكم مصر مثل الإخوان المسلمين، ليس لهم عداء عقدي جذري مع الشيعة، ولهم تطلعات تحررية من الأمريكان، ولهم عداء مع الصهاينة، ويعانون من قلة النصير. ومن ثَمَّ فإقامة علاقة مع هؤلاء هو كسر ضخم في جدار الحصار المفروض على إيران، وتوسيع حضورها، بل وفيها فوق ذلك فرصة كذلك للعمل الشيعي في مصر التي هي بيئة أقرب لقبول الفكرة لما لدى أهل مصر من حب لآل البيت ولما في مصر من معالمهم ومشاهدهم.

السودان أيضا رأى في فوز مرسي فرصة عظيمة للخروج من حالة الحصار التي كان فيها عمر البشير، النظام الفقير الذي أجبر قبل شهور على تنفيذ التقسيم والتخلي عن جنوب السودان بعد طول تصلب ومثابرة، وما كانت له من عقدة أشد وأكبر من العقدة المصرية، فها هي قد انفتحت، ثم ها قد جاء إليها الإخوان المسلمون أنفسهم الذين هم على ذات خط فكر الحزب الحاكم في السودان.

أمورٌ أخرى يمكن قولها، ولكنها أقل أهمية.. على أن القصد الذي يجب التركيز عليه أن التجربة المصرية كانت في بعض وجوهها تجربة اتفق أصحابها واتفق الغرب على منحهم الوقت والفرصة، كلٌّ لأغراضه المعاكسة للآخر، لكن تأثيراتها على الجوار هي التي عصفت بها!

لقد دخلت ممالك الخليج وإسرائيل على الخط لتتحطم هذه التجربة في أسرع وقت وأقرب فرصة ومهما كان الثمن، وفي حين كان الأمريكان يتخوفون من الفوضى لو جرى الانقلاب العسكري على مرسي، فإن إسرائيل وممالك الخليج والخونة في العسكر المصري تكفلوا لهم أن يكون الانقلاب أسهل ما يكون. فما ظنَّ أحدٌ منهم أن مرسي يمكن أن يتصلب في وجه الجيش، كيف ولم يفعلها مبارك العسكري ذي الثلاثين عاما في مقعد الحكم؟ فهل يفعلها الإصلاحي التدريجي الخالي من القوة والذي لم يتمكن في مقعد الحكم؟!.. وكان مرسي قد أبدى من الضعف ما يجعل الانقلاب عليه فكرة تستحق التجربة، وقد خُدِع في السيسي وسُحِر به انخداعا وسحرا يجعل نتيجة الانقلاب عليه تبدو مؤكدة السهولة!

ثم حصل ما حصل مما هو معروف..

وأنا أكتب الآن من موقع شاهد العيان، فلو كان مرسي قد أبدى جرأة وقوة وإقداما مثل الذي أبداه من تصلب وثبات بعد وقوع الكارثة لكنا نكتب تاريخا آخر. ولو كانت الجماعة قد قاومت ونزلت بثقلها بعد الكارثة لكان تاريخ آخر!

(3)

الشاهد الذي أقصده الآن، والذي أتوجه به لإخواني في الثورة السورية.. أن الأمريكان والغربيين يمكنهم أن يحاولوا تجريب الوضع الجديد واختبار الفرص المتاحة ودراسة شخصية أحمد الشرع ومصادر قوته ونقاط ضعفه، وإلى أي مدى يمكن تحقيق مصالحهم في وجوده.. مع الاستعداد لتغييره في كل الأحوال، حربا أو اغتيالا أو انقلابا ممن حوله، ولكن هذا الاستعداد الغربي يحتمل التأجيل!

أما الأنظمة العربية وإسرائيل فلا تملك الوقت ولا الصبر على ذلك، وإن اشتياقها لتدمير التجربة وتحطيمها لا يتمهل، ولئن كان القوم لم يحتملوا مرسي –على كل ما فيه من إصلاحية، وعلى كل ما لهم من نفوذ داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية في مصر- فكيف برجل مثل أحمد الشرع، ذلك القادم من مسار جهادي سلفي، وقد حمل السلاح، وفريقه ليس فيه هذا الحضور ولا النفوذ؟!

لقد أبدت أنظمة الخليج لمرسي تقبلا، ورسمت له في دهاليز العلاقات الخلفية ابتسامات وضحكات، وكانت تطعنه من الخلف (وهذا ملف لم يُعرف بعدُ أكثره)، حتى لقد رأيت بنفسي في فريق مرسي من كان مطمئنا لهم غاية الاطمئنان، وكان سعيدا لما أغرقوه به من الحفاوة، ولا يتصور أن هذا قد يكون غدرا.. أقصد القول: ليس الذي يحدث الآن مع أحمد الشرع غريبا ولا هو يعني تقبلا حقيقيا لوجوده!

إن تحرير دمشق، كما تقرؤه العواصم السياسية العربية، هو إسقاط لأخ عريق في الطغيان والتجبر، وهو دليل على أن نجاح الثورات ممكنة رغم كل المآسي والجراح، وهذا درسٌ هائل عظيم، كم أنفقوا المليارات والمجهودات لإثبات عكسه، حتى صارت سوريا المثال الأبرز عليه، فكان يقال للمقهورين: "احمدوا ربكم أحسن من سوريا"!

وإن تحرير دمشق، كما تقرؤه العواصم العالمية، هو انهيار بوابة حديدية كبرى في جدار حراسة إسرائيل، بل هو انهيار ثلث الجدار، وبقي ثلثاه: مصر والأردن!.. فكيف يكون حال قومٍ خسروا في أيامٍ بابا من ثلاثة أبواب تحمي مشروعهم الأثير: إسرائيل؟!.. وكيف يكون حال إسرائيل نفسها، وهي التي لم تخرج بعد من الصفعة المدوية التي تلقتها في غزة! غزة التي لا تملك إلا السلاح الخفيف والمتوسط، والمحاصرة منذ سبعة عشر عاما؟!

لئن كانت نافذة غزة قد تدفق منها طوفان الأقصى، فكيف يتوقعون أن يكون التدفق الذي سيأتي من باب سوريا الكبير؟!!

أسأل الله تعالى أن يتم نعمته على إخواننا في سوريا، وأن يهدي قائدهم أحمد الشرع ورجاله لما فيه السداد والرشاد والخير والهدى والفلاح، وأن يجنبهم كيد الكائدين وغدر الغادرين.