الأحد، ديسمبر 07، 2025

أمر تكشفه سورة الأحزاب.. أخطر من اجتماع الأحزاب!!

 

اترك ما في يدك إن كنت منشغلا.. وتعالَ أحكِ لك أمرًا وجدتُه في سورة الأحزاب..

لقد تناولت سورة الأحزاب أخطر غزوة تعرضت لها الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة، لقد كانت لحظة تهدد فيها الوجود الإسلامي كله، عاصمة الدولة الإسلامية على وشك الاجتياح والتدمير والانتهاء..

كل ما بُنِي طوال خمس سنوات من عمر الدولة الإسلامية يبدو وكأنه الآن معرض للانهيار.. وخلفه ثلاثة عشر عاما من العذاب والكفاح في مكة..

عشرة آلاف من تحالف الكفار يوشك أن يجتاح المدينة!!.. لحظة زالزال شديد..

لم يكن المسلمون قادرون، حتى على المدافعة، لفارق العدد الكبير.. لولا أن جاء سلمان الفارسي بخطة لم تعرفها العرب.. وهي بناء الخندق..

كانت خطة ممتازة تلائم جغرافية المدينة، المدينة بمثابة الوادي بين جبلين، ومن الجنوب آطام عالية لبني قريظة، فلا مدخل لها إلا من الشمال.. وعلى الفور بدأت حملة محمومة استنفدت كل الجهد والطاقة لصناعة خندق يستكمل إغلاق المدينة من جهتها الشمالية، حتى تعجز خيول المشركين وجحافلهم على اجتياح المدينة..

وبهذا صارت مهمة المسلمين هي حراسة هذا الخندق، لئلا يدبر المشركون لردمه أو نصب جسر يعبرون عليه..

وبهذا استهلكوا جهدهم في حفره.. ثم استهلكوا بقية طاقتهم في حراسته.. وما بقي من الطاقة استهلكوه في الصبر على الجوع والعطش ومقاومة الخوف.. لأن المشركين بعد أن فوجئوا بالخندق، قرروا أن يستعملوا هذا الخندق ضد المسلمين.. فمكثوا بجيشهم يحاصرون المدينة، التي نفدت منها الأقوات، وتعرضت للمجاعة!!

هذه اللحظة سماها القرآن "الزلزال الشديد"..

وفي التاريخ السياسي والعسكري تعد هذه اللحظة لحظة تحول حاسمة.. إذ فشل هذا الحلف في القضاء على الدولة الإسلامية كان يعني أنها قد صارت واقعا غير قابل للزوال، وهو ما يعني نهاية عصر انكماشها وبداية عصر توسعها، وذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الآن نغزوهم ولا يغزونا".

الغريب الذي يلفت النظر أن هذه اللحظة العظيمة الحاسمة لم تأخذ من سورة الأحزاب إلا آيات قليلة.. ست عشرة آية من بين ثلاث وسبعين آية!!

حتى غزوة بني قريظة التي كانت أيضا لحظة حاسمة في القضاء على التهديد الداخلي في المدينة، بعد الخيانة العظمى التى ارتكبها بنو قريظة في لحظة الأحزاب، لم تأخذ من السورة أيضا إلا آيتين!!

وإذن، فما الموضوع الذي هيمن على السورة وشغل أكثرها؟!!

ربما لن تصدق.. إنه شأن العادات الاجتماعية السائدة في المجتمع المسلم، لا سيما: الحجاب، والتعامل بين الرجال والنساء، وإبطال التبني وإباحة الزواج من مطلقة الولد بالتبني..

ويلحق بذلك: التشنيع على المنافقين الذين يتخذون هذه الأمور مدخلا للطعن بالشريعة وصاحبها، فيؤذون النبي ويؤذون المؤمنين، ويشيعون مقالة السوء.

لك أن تتصور أن إبطال العادات الاجتماعية السائدة هو الأمر الذي أطالت السورة في بيانه، وفي التنبيه عليه، وفي التشديد على مخالفته، أكثر من عنايتها بجيش الأحزاب الذي كاد يفني دولة الإسلام بالمدينة!!

ولذلك كثرت في هذه السورة الآيات الشديدة، بل الشديدة جدا، في حق النبي وفي حق زوجاته أمهات المؤمنين، وفي حق المؤمنين أنفسهم.. وكذلك في المنافقين!

إن مواجهة الأمور الباطلة والعادات السائدة، والتقاليد التي ترسخت في مجتمع المؤمنين تبدو أشد وأصعب، على نفوس المؤمنين، وعلى نفس النبي نفسه، من مواجهة الكافرين وقتالهم!!.. وتحتاج لكل هذا التنبيه والتشديد..

وتأمل معي..

ففي التنبيه على خطورة هواجس النفس وضرورة مكافحتها وأن الله مطلع عليها، يقول تعالى:

{إن الله كان بما تعملون خبيرا}، {وكفى بالله حسيبا}، {والله يعلم ما في قلوبكم}، {وكان الله على كل شيء رقيبا}، {إن الله كان على كل شيء شهيدا}

وفي هذه السورة نرى أشد الآيات في ضرورة الطاعة والتسليم لأمر الله:

{وما كان لمؤمن ولا مؤمنة، إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا}

{وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله}

{إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذابا مهينا}

{يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى}

{إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان}

وفي هذه السورة، وفي هذا الموطن، ترى أشد التنبيه على أن الصدق نفسه سيُحاسب الله عليه، فقد يكون الغرض من قول الصدق باطلا، وطعنا، وإلقاء شبهة، كما في قوله تعالى {ليسأل الصادقين عن صدقهم}

وفي هذه السورة، وفي مواطن إبطال هذه العادات الاجتماعية، ترى أشد الآيات التي نزلت في تنبيه النبي على ضرورة قيامه بالرسالة، وأن لا يخشى فيها أحدا إلا الله، وأنه قد أُخِذ منه ميثاق غليظ.. قال تعالى

{وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم، ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم، وأخذنا منهم ميثاقا غليظا}

{الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله}

{وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه}

{ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له}

{أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا}

{ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله}

{قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم، لكيلا يكون عليك حرج}

{ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم}

وفي هذه السورة نزلت أشد الآيات في خطاب أمهات المؤمنين، كقوله تعالى:

{قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعاليْن أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا}

{يا نساء النبي من يأتِ منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين}

{يا نساء النبي لستن كأحد من النساء}

وفي هذه السورة آيات شديدة في المنافقين، سواء في فرارهم من معركة الأحزاب، أو في طعنهم بالنبي وأمهات المؤمنين والمؤمنين، ومن أشدها قوله تعالى:

{والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا}

{لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم، ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا . ملعونين أينما ثُقِفوا، أُخِذوا وقُتِّلوا تقتيلا}

{يوم تُقَلَّب وجوههم في النار، يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا . وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا . ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا}

وهكذا يا صاحبي.. ترى أن إصلاح أحوال المجتمع المسلم، ومكافحة العادات التي رسخت فيه، استغرقت أكثر مما استغرقت آيات مواجهة العدو.. وكانت لهجتها أشد وأقوى من الآيات التي نزلت في شأن الحرب.. وحُذِّر فيها النبي من أن يستحيي أو يخشى الناس أو يشعر بالحرج ما لم يُقَل مثله في شأن مواجهة الكافرين.

وفي هذا درس عظيم عظيم لمن تأمله وتبصر فيه.. فلكم يكون المرء شجاعا في مكافحة العدو الظاهر، ويكون ضعيفا في مواجهة الحبيب القريب.. لكم يكون مقداما في مواجهة الموت، ثم هو يُحْجِم في مواجهة أحوال مستقرة في أهله وأصحابه وأحبابه!!

والسعيد من حمل الأمانة وبلغ الرسالة وقام بالواجب كما أراده الله.. لا يصده عن ذلك عدو شديد، ولا محبة حبيب، ولا رسوخ عادة..

فاللهم اجعلنا ممن أدوا الأمانة وصاروا في موكب صاحب الرسالة!!

الأربعاء، ديسمبر 03، 2025

أبو بكر.. الصاحب الأعظم! كيف رآه المستشرقون والمؤرخون الغربيون!

 

فضَّل الله نبينا على سائر الأنبياء، فهو إمامهم وخاتمهم، وبه اكتملت الرسالات، وهو وحده الذي أُرسل لكل العالمين!

وفضَّل صحابة نبينا على سائر أصحاب الأنبياء، فقد أثنى الله عليهم في كتابه ما لم يُثنِ على غيرهم من أصحاب الأنبياء!

وقد جاء عن نبينا، وهو ما كان عليه المسلمون منذ زمن الصحابة وحتى يوم الناس هذا أن أبا بكر هو أفضل الصحابة وأعلاهم شأنا.. فأبو بكر هو أفضل البشر بعد الأنبياء والمرسلين، وهو أعظم صاحبٍ لأعظم نبي في الأولين والآخرين.

ومن علامات ذلك ودلائله أن أبا بكر قد اشتمل قصة الإسلام، وما ذلك لأحد إلا لأبي بكر، فإنه كان أول مَنْ آمن مِن الرجال، فكان شاهد عيان على ولادة الإسلام وبزوغه، ثم صحب هذا الدين في رحلته منذ كان قولا في صدر رجل، حتى صار أمة في واقع الحياة، وقوة عظمى في عالم السياسة، وصفحة محفورة في كتاب التاريخ!

فما من شيء رنا إليه المسلم إلا وجد فيه لأبي بكر قدوة ومثلا.. في زمان الاستضعاف أو في زمان التمكين، في لحظة المحنة أو لحظة المنحة، في باب الاتباع أو في باب القيادة، في مهجع العبادة أو في ساحة الجهاد، في عمل القلب أو في عمل الجوارح، في حال الغنى أو في حال الفقر، في طريق الدعوة أو في طريق السياسة.. ونادرٌ من البشر من جمع بين هذا كله!

إنه مُعَلِّمٌ كبير في كل شيء، إذ كان حاضرا في كل لحظة.. إنه وزير نبينا الأول! وصاحبه الأثير! وصفيُّه من بين الناس!.. إنه أعظم بشر لم يتصل بوحي السماء!

ومن ها هنا، فلن ترى للمسلمين زمان ولا موقف إلا وجدوا فيه أنهم يستفيدون من أبي بكر ويتذكرون فصولا من سيرته وسياسته.

ولقد شدَّ أبو بكر أنظار المسلمين إلى مثاله حتى أفاضوا من المدح فيه، فلم يتركوا قولا لقائل، فما من كاتب يريد أن يتكلم عن أبي بكر إلا أعوزته العبارة، وتقاصر عن الزيادة..

فلذلك رأيتُ أن أذهب إلى المؤرخين والمستشرقين الأجانب، فأنقل من كلام بعضهم ما لا يمكن اتهامه بأنه صادرٌ عن عاطفة المسلم. ومما رأيتُ فإنهم يلتفتون في سيرة أبي بكر لثلاث محطات أساسية: إسلامه، شدة إيمانه وتصديقه، دوره الهائل عند توليه الخلافة.

 

إسلام أبي بكر

يتفق هؤلاء الغربيون على أن أهم شخص في الإسلام بعد النبي هو أبو بكر، وذلك أنه لما أسلم كان هو الأكثر فعالية في نشر الإسلام من بين المسلمين الأربعة الأوائل، فإنه رجل بالغ حر، ليس امرأة مثل خديجة ولا صغيرا مثل علي ولا مولى مثل زيد بن حارثة. وفوق ذلك فإنه تاجر صاحب أموال، ومؤرخ نسابة صاحب علم، وخلوق عفيف صاحب نفوذ ومكانة وعلاقات. وفوق ذلك كله: لقد آمن بمحمد إيمانا لا مثيل له، وجاءت ثمرات إيمانه سريعا: خمسة شخصيات قوية وفاصلة في تاريخ الإسلام، أسلموا بتأثير أبي بكر!

1.    يقول المستشرق الفرنسي المسيحي المتعصب هنري ماسيه: "أول من آمن بكلام محمد بعد خديجة هو ابن عمه علي بن أبي طالب، ولكن طفولة علي قَلَّلَتْ من أهمية اهتدائه، وكان الاهتداء الأكثر نفعا هو اهتداء أبي بكر، وهو تاجر عظيم نذر لمحمد محبةً لا تنفصم"[1].

2.    وتقول كارين أرمسترونج، الراهبة السابقة والباحثة البريطانية في مقارنة الأديان، عن إسلام أبي بكر: "كان ذلك حدثا له أهميته الحيوية، لم يكن يتمتع كثير ممن دخلوا في الإسلام بنفوذ في مكة يماثل نفوذ أبي بكر"[2].

3.    ويقول الكاتب الفرنسي جان بروا: "لم يكن أبو بكر في الجاهلية بالمغمور أو المجهول، بل كان نابه الذكر، جم الاحترام والتقدير، معروفا في القبائل بحسن أخلاقه وسموّ منزلته، فلم يكن يؤمن بما جاء به صديقه الأمين حتى شرع يؤدي واجب الرسالة ويدعو الناس إلى الإسلام"[3].

4.    ويقول دينيه، المستشرق والرسام الفرنسي الذي أسلم وتسمى بناصر الدين وكتب كتابا عن النبي: "أشاع إسلام أبي بكر في نفس الرسول سرورا عظيما، وكان أبو بكر صدرا معظما في قريش على سعة من المال وحسن الوجه، وصاحب منظر أنيق، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر، وكان أعلم الناس بتعبير الرؤيا، صادقا في حديثه، حسن المجالسة، وقد اختاره قومه قاضيا في المغارم والديات وحكما في المفاخرات، في إيمان حار، أخذ أبو بكر يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثق به من قومه، ويكرس جهده في نشر الإسلام، ويقود أصدقاءه إلى الرسول ليعلمهم الإسلام"[4].

5.    ويقول المستشرق والرحالة الفرنسي كلود إتيان سافاري، الذي سبقت رحلتُه إلى المشرق الحملةَ الفرنسية، وترجم القرآن، وكتب كتابا عن السيرة: "كان أبو بكر مواطنا ذا نفوذ في مكة، مشهورا باستقامته وبثرواته، فشرع محمد يعمل على إسلامه، اعتقادًا منه أنه جدير بأن يعطي قوة لدينه الجديد، وتَوَّج النجاح مجهوداته، وأصبح أبو بكر من أقوى أنصار الإسلام، لقد كان إسلامه نصرا كبيرا، فحمل أبو بكر بين أصدقائه شعلة الإيمان التي ملأت صدره وأخضع بها الكثيرين، وقدَّم إلى النبي عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، آمن الجميع واعتنقوا الإسلام، وكانوا الرعيل الأول للديانة المحمدية"[5].

6.    ويقول المستشرق الفرنسي إميل درمنغم، صاحب واحد من أفضل الكتب الغربية عن النبي، حاول فيه أن يقرب صورة النبي إلى الغربيين حتى أفرط في ذلك وتكلف أن يمحو الفارق بين الإسلام والمسيحية، يقول: "كان لإسلام أبي بكر بالغ الأثر، فقد تابعه على الإسلام من قريش عثمان بن عفان الأموي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وصهره -بعد ذلك- الزبير بن العوام -فقد تزوج أسماء بنت أبي بكر-، وهذا مع ذِكْرِنا أن أبا بكر لم يسطع أن يهدي إلى الإسلام أباه وأولاده، ولا سيما ابنه البكر"[6].

 

تصديق أبي بكر

يتحدث بعض المؤرخين عن أن إيمان أبي بكر، كان له تأثير خاص في مسار الإسلام، وذلك أن أبا بكر كان من صفوة الناس الذين لا يُتهمون بضعف الرأي ولا بالمطمع الدنيء، فما آمن به أبو بكر وهو الراجح العقل يجعل له تأثيرا وقدرا وجاذبية! بل ذهب بعض المؤرخين إلى أن إيمان أبي بكر هو نفسه من دلائل صدق النبي:

7.    يقول ألفونسو دي لامارتين، وهو شاعر ودبلوماسي ومؤرخ فرنسي، صاحب كتاب مشهور عن تاريخ الأتراك، جعل الجزء الأول منه عن سيرة النبي، "حَمَتْ مجاهرة أبي بكر بإيمانه بعقيدة محمد الدين الإسلامي الناشئ من صبغة الجنون والهزء، وهي أول تجلٍّ للسخرية يرسله عامة الناس دون تمحيص إزاء كل ما يصدم تقاليدهم، إذ كان أبو بكر من أولئك الذين يجلب اعتناقهم رأيا احترام الكثرة من الناس إن لم يكن اقتناعهم بسداد ما يرى، وحينما أعلن أن محمدا هو وليه، وقاه من الاحتقار"[7].

8.    ويقول هربرت جورج ويلز، الكاتب والأديب الإنجليزي الشهير، مدافعا عن صدق النبي تجاه غلو الغربيين: "ليس عدلا أن نتخذ الغلو لنا رائدا، هل تراك علمتَ قط بأن رجلا على غير كريم السجايا مستطيعٌ أن يتخذ له صديقا؟ ذلك أن من عرفوا محمدا أكثر من غيرهم كانوا أشد الناس إيمانا به. وقد آمنت به خديجة طوال حياتها –على أنها ربما كانت زوجة محبة. وأبو بكر شاهدٌ أفضل، وهو لم يتردد قط في إخلاصه. كان أبو بكر يؤمن بالنبي، ومن العسير على أي إنسان يقرأ تاريخ تلك الأيام ألا يؤمن بأبي بكر. وكذلك علي، فإنه خاطر بحياته من أجل النبي في أحلك أيامه. لم يكن محمد دجالا بأية حال"[8].

9.    ويقول المستشرق الألماني الشهير، كارل بروكلمان: "في هذه الأثناء كان مسلمو مكة، على ما تقول الروايات، يعانون أزمة جديدة. ذلك ان حديث محمد عن إسرائه العجيب، برفقة جبريل، إلى بيت المقدس ومن ثم إلى السماء، كان قد أوقع موجة من الشك في نفوس بعض المؤمنين. ولكن ابا بكر ضرب بايمانه الراسخ مثلاً طيباً لهؤلاء المتشككين فزايلتهم الريب والظنون"[9].

 

خلافة أبي بكر

ربما يندهش القارئ المسلم إذا عرف أن عديدا من المؤرخين الغربيين ينظر إلى أبي بكر على أنه المؤسس الحقيقي لدولة الإسلام، وذلك أن وفاة النبي كانت لحظة فاصلة تسببت في ردة كثير من قبائل العرب، فإذا بهذا الرجل يقضي على حركة الردة بل ويحولها إلى حركة فتوح واسعة ومدهشة تبدأ في إسقاط القوتين العظميين العالميتين وقتها –فارس والروم، وتلك هي النقلة الهائلة التي جعلت الإسلام دينا عالميا، وكانت تحولا حاسما في مسار التاريخ.

10.          يقول هربرت جورج ويلز: "يقول المؤرخون إن المؤسس الحق للدولة الإسلامية لم يكن محمدا قدر ما هو صديقه ومساعده أبو بكر، فلئن كان محمد هو العقل المفكر والتصور الملهم للإسلام الأصلي، فلقد كان أبو بكر ضميره وإرادته، حتى إذا مات محمد أصبح أبو بكر خليفته، ثم راح بعقيدة تزحزح الجبال، يعمل ببساطة وعقل راجح على إخضاع العالم كله لأمر الله، بواسطة جيوش يتراوح عددها بين ثلاثة أو أربعة آلاف عربي طبقا لتلك الرسائل التي كتبها النبي عليه السلام من المدينة إلى جميع ملوك العالم. فهو بحق مؤسس دولة الإسلام"[10].

11.          ويقول كارل بروكلمان: "كان النبي قد شغل نفسه، في أيامه الأخيرة، بإعداد الجيوش للانتقام من البيزنطيين الذين هزموا المسلمين في مؤتة. فوجد أبو بكر نفسه مسؤولاً عن إنفاذ خطة النبي الأخيرة هذه، على الرغم من أن الأنباء المخوفة عن شيوع الاضطراب في انحاء الجزيرة كانت تتواتر على المدينة من كل حدب وصوب. وهكذا وجه أبو بكر نخبة جيوش الاسلام الى الشمال تحت قيادة أسامة... قضى أسامة وجنوده شهرين خارج المدينة، وبذلك أصبحت عاصمة المسلمين في مركز لا يساعدها كثيراً على الدفاع عن نفسها. والواقع ان أسداً وغطفان، النازلين غير بعيد عن المدينة، كانوا أول هذا الوضع، فهاجموا المسلمين. ولكن أبا بكر استطاع أن يثبت لهم ويصدهم عن أهدافهم"[11].

12.          ويقول المؤرخ الأمريكي الشهير، والاسم اللامع في مدرسة التاريخ العالمي، وليم ماكنيل: "فاختاروا أبا بكر، وهو أول من آمن من الرجال وأقرب أصحاب النبي إليه، ولقبوه بـ «خليفة» رسول الله. وتولى أبو بكر القيادة الفعلية للمجتمع الإسلامي بوصفه خليفة، وكانت سياسته العامة في كل الأشياء هي التمسك الوثيق بسنة النبي نفسه. وكان ذلك يقتضي اهتماما شديدًا بأقوال النبي، ولاسيما ما وصفها بنفسه بأنها تأتي من الوحي. وكان سبيل ذلك القياس الاستوثاق الدقيق من نسب الأحاديث التي تحملها الذاكرة حتى تُستخدم سابقةً صحيحةً في أي موقف يستجد"[12].

13.          ويقول المؤرخ الأمريكي الشهير، ول ديورانت، صاحب موسوعة قصة الحضارة: "كان أبو بكر وقتئذ في التاسعة والخمسين من عمره، وكان قصر القامة، نحيف الجسم، قوى البنية، قليل الشعر، أبيض اللحية حمراء الصبغة، بسيطاً في معيشته، متقشفاً، رحيما في حزم، يعني شخصياً بجميع شئون الإدارة والقضاء جليلها وصغيرها على السواء، لا يهدأ له بال حتى يأخذ العدل · مجراه، وظل يعمل ولا يتقاضى أجراً على عمله، وظل شديد التقشف حتى أقنعه الشعب بأن ينزل قليلا عن تقشفه، ثم أوصى قبل وفاته بأن يعود إلى بيت مال المسلمين كل ما أرغم على أخذه منه. وحسبت قبائل بلاد العرب أن تواضعه ضعف. وإذا كان بعضها لم يتمكن الإسلام من قلوب أفرادها، ومنهم من اعتنقه كارها، فقد ارتد هؤلاء عنه، وأبوا أن يؤدوا الزكاة التي فرضها عليهم الإسلام. ولما أصر أبو بكر على وجوب أدائها زحفوا على المدينة، وجمع أبو بكر جيشاً في ليلة واحدة، وقاده بنفسه في مطلع الفجر، وبدد به شمل العصاة"[13].

رحم الله أبا بكر، صاحب نبينا ووزيره ومستشاره وصهره وخليفته من بعده.. وهيأ لنا رجالا من مثله يرفعون عن الأمة ما هي فيه من الذلة والمهانة والضعف والهزيمة.

نشر في مجلة أنصار النبي - ديسمبر 2025م


[1] هنري ماسيه، الإسلام، ص45.

[2] كارين أرمسترونج، سيرة النبي محمد، ص158.

[3] جان بروا، محمد نابليون السماء، ص28.

[4] دينيه، محمد رسول الله، ص116، 117.

[5] سافاري، مختصر حياة محمد (السيرة النبوية وكيف حرفها المستشرقون)، ص72.

[6] درمنغم، حياة محمد، ص89.

[7] لا مارتين، مختارات من كتاب حياة محمد، ص43، 44.

[8] هربرت ج ويلز، معالم تاريخ الإنسانية، 3/800.

[9] بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ص44.

[10] هربرت ج ويلز، موجز تاريخ العالم، ص203.

[11] بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ص84، 85.

[12] وليم ماكنيل، صعود الغرب، ص533.

[13] ول ديورانت، قصة الحضارة، 13/70، 71.

الأحد، نوفمبر 02، 2025

تحت راية الطوفان في بيت حانون!


محمد إلهامي[1]

 

مهما طالت الحياة فإنها تساوي على الحقيقة تلك اللحظات التي يختزنها صاحبها في ضميره، لا ينساها مهما تطاولت السنون، ويتذكرها مهما باعدتها الأيام، فالحياة هي اللحظات المؤثرة.. ولذلك ترى الناس كلهم يشعرون أن أعمارهم قد انقضت سريعا وأن أيامهم قد مضت كلمح البصر!

وقد كان نبينا الأعظم ﷺ في أواخر عمره وهو بالمدينة، وقد قامت دولة الإسلام وترسخت وانتصرت بعد أهوال وأهوال، يتذكر مواقف مكة القديمة، تسأله عائشة عن أشد ما لقي في حياته، فلا يذكر يوم أحد بل يذكر يوم طُرد من الطائف، وكيف هام على وجهه مهموما فلم يستفق إلا في قرن الثعالب، المنطقة التي تبعد عن مكة نحو ستين كيلا، أي أنه مشى تسع ساعات لم يشعر بها من شدة الهم. كذلك فإنه لما تذكر أشد الكروب عليه لم يكن شيء من ذلك في الهجرة أو في المدينة، بل كانت جلسة التحقيق التي نصبها له كفار قريش لما أخبرهم أنه قد أُسْري به، يقول: فكربت كربة لم أكرب مثلها قط!

أتذكر ذلك الآن، لأن واحدة من تلك اللحظات التي لست أنساها، كانت حين وصلتني رسالة من الشهيد القائد محمد زكي، صاحب هذا الكتاب، وكان ذلك صبيحة عيد الفطر (1445ه = 2024م)، ولم أكن أعرفه ولا بيننا اتصال قط.. غير أني لقيت أخاه أبا عبد الله –حفظه الله ووفقه- مرات قليلة في اسطنبول ضمن فعاليات عامة، وحتى في ذلك كان الحديث بيننا قليلا.

أرسل إلي أبو عبد الله رسالة من أخيه، يهنئني فيها بعيد الفطر، وهي رسالة كتبها في أنفاق بيت حانون، أي على خط المواجهة الأولى في أقصى شمال قطاع غزة!!

وقد غمرتني الرسالة بطوفان من المشاعر؛ أشدها علي وأعظمها عندي، العجبُ من أن رجلا في بيت حانون -بين المعارك والأشلاء والكر والفر- يتذكر رجلا مثلي منعما ممتعا في اسطنبول!!

فشكرته ما أسعفتني لغتي في الشكر، ثم صرت أرسل بالاطمئنان عليه بين الفينة والأخرى!

ثم ما لبث بعدها شهورا، أن أتحفني –حين انعقدت الهدنة التي بدأت في يناير 2025م- أن أتحفني بأمرٍ هو أعز وأغلى وألذ وأحلى.. فقد أخبرني أبو عبد الله أن أخاه أبا زكي كتب كتابا بين الأنفاق والعُقَد القتالية، سمَّاه "تحت راية الطوفان".. دَوَّن فيه بعض ما رآه في هذا الطوفان من عجائب وكرامات ومن شدائد ومحن!!

فطلبتُ إليه أن أقرأ الكتاب قبل نشره، لشدة حرصي على تتبع أخبار الرجال الذين لا يظهرون على الإعلام، ولا يبثون مشاعرهم حتى على مواقع التواصل. فوافق مشكورا مأجورا..

وأخبرني أبو عبد الله أن أخاه القائد الشهيد كان يتابعني بل لقد كان يُدَرِّس بعض كتبي للشباب معه! وقد علم الله، لشأني في نفسي أحقر من هذا وأدنى وأهون.. ولَأَن يجري اسمي على لسان مجاهد لهو شَرَف عزيز، فكيف بهذا المقام؟!

وبينما كنت أقرأ الكتاب –الذي هو الآن بين يديك- وألتهمه، وأتشرب ما فيه من رائحة الأنفاس وصهيلها، وهدير المعارك ولهيبها، وما تثيره من المعاني في القلوب والعقول، وما تثيره من الغبار في الأنوف والصدور.. إذ فوجئت بصاحبنا يذكرني في كتابه بثناء حسن.. فصرت في بحر من الحيرة، لا أدري من أي شيء أعجب، ولا على أي شيء أتحسر.. وأسأل الله أن يسترنا بستره الجميل.. غير أن ثناء المجاهد لا يعدله عندي ثناء مهما عَظُم صاحبه في شأن الدنيا!!

ولك أن تتخيل حال رجل مثلي، عاجز في مكانه، آمن في سربه، معافى في بدنه، عنده أقوات يومه وغده وبعد غده.. كيف يكون حاله إن جاءه ثناءٌ من رجل ترفرف روحه فوق رأسه، يخوض أشرف معارك الأمة؟!!

وقد كنت حينها أمرُّ بكربٍ شديدٍ، فأطمعني هذا الكرم الحاتمي السيال، فأرسلت إليه أطلب دعاءه ودعاء من في الثغور لينفك هذا الكرب، فما أقرب أن يستجيب الله لهؤلاء.. فكان كما هو أهله: أجابني بدعائه الشجي الندي، وقد شاء الله بفضله وكرمه وانحل الكربُ بأمر يشبه المعجزة.. فما أحسب إلا أن هذا كان من كراماته!!

ومضت الأيام، وبعد شهور، إذا به يرسل إليّ يطلب مني أن أكتب مقدمة لكتابه "تحت راية الطوفان"، بعد أن أضاف إليه شيئا من أخبار تجدد القتال بعد انهيار الهدنة في مارس الماضي.. ومن ذا يتخلى عن مثل هذا الشرف!

ثم ما هي إلا أربعة أيام بعدها حتى جاءني نبأ استشهاده.. فلما عرفت اسمه ورأيت صورته وسمعت مقاطع نشرت له عرفتُ بعين اليقين ما كنت شعرت به حين قرأت الكتاب بعلم اليقين.. ذلك سمت شهيد! طال الوقت أم قصر!!

إن في الكتاب روحا من صاحبه، وفي الكتاب ترى رجلا ناهلا من القرآن متعلقا به يحسن الاستشهاد منه على المعنى الذي يريده، حركيا عمليا متعاملا مع نفوس الناس وما يصدر عنها حين الشدة من أوجه ضعف أو خوف أو تردد، فقيها يتكلم في عبادات المجاهد: كيف يصلي وكيف يتطهر، بل كيف يعيد بناء المسجد الذي تهدم في المنطقة التي أبيدت لكي يثبت قلوب الناس ويعيد بث الحق والخير فيهم.

فإذا سمعتَ صوته ورأيت صورته -كما في المقاطع التي نشرت له- رأيت شابا وادعا قد أقام القرآن فصاحة لسانه، وللقرآن أثر في لسان قارئه المدمن له يُعرف من مواضع ترقيقه وتفخيمه ومدِّه وقصره ونحو هذا.. وإذا رأيت ثم رأيت وجها منيرا وسمتا مريحا وإلفا محبوبا!!

ما كان مثل هذا ليكون إلا شهيدا..

ولقد شاء الله ألا يكون استشهاده آخر فضائله علي.. فلقد أرسلت زوجه الكريمة -أفرغ الله على قلبها السكينة والرضا- تقول: كان يحب الشيخ محمد إلهامي فأخبروه أن يدعو له!!

فيا لله، كيف أدعو أنا لمن كان غاية أملي أن أرزق شفاعته من بين سبعين؟!!

ثم وصلني بعد ذلك فرحته وثناؤه حين علم بأني سأكتب المقدمة لكتابه.. ومضى قبل أن يعلم أن فرحتي بذلك أعظم وأشد.. وذلك هو الأليق والأكرم، فإنما يسعد مثلي ويشرف بأن يخدم مجاهدا في أشرف معركة!!

***

هذا عن الشهيد وفضله عليّ.. وبقيت كلمة في شأن الكتاب نفسه!

إنه مهما تابعنا الأخبار وحرصنا عليها فإن القائم في قلب المعركة يعرف منها ما لا نعرف، ويرى فيها ما لسنا نراه..

***

لما قرأت الكتاب، وقد قرأته مرتيْن، كان أشدَّ ما لفت نظري كلمته هذه: "لم يُقْتَل أحد من المجاهدين في كتيبتنا جراء الاشتباك مع قوات العدو الراجلة، كل شهدائنا العظام ارتقوا إلى الله بسبب القصف الجوي".

وصاحبنا الشهيد نفسه قد قضى أيضا بالطيران..

ومعضلة الطيران هذه لا بد أن تكون على رأس أولويات العاملين المخلصين في أمتنا، كلٌّ في مجاله وفي ثغره.. ولو قد كان بيدي أمر هذه الأمة، فلربما جعلت نصف مقدراتها لحل هذه المعضلة وحدها، فمعضلة الطيران هذه هي التي تسببت في هزائمنا طوال هذا القرن الماضي، ولو تخيلنا تاريخ هذه الأمة وعدوها والمعارك التي نشبت فيها وحذفنا منها الطيران لكنا الآن نكتب تاريخا آخر تماما!

إن رجال أمتنا في كل معركة مقاومة يثبتون أنهم على قلتهم وضعف عتادهم قادرون على الصمود لجيوش هائلة من عدوهم، لولا هذا السلاح اللعين الذي يرمينا بحممه من السماء ولا نستطيع له دفعا!

ونعم، إن معضلة الطيران هي فرع واحد من معضلة الأنظمة الخائنة التي تحكم بلاد العرب والمسلمين، فأولئك هم الذين أخضعوا الأمة وأذلوها ومنعوها أن تتقدم وحرسوا تخلفها ليزداد العدو تفوقا، فهم أصل كل بلاء وجذر كل نكبة وبذرة كل مصيبة تعيشها أمتنا.. نعم، المعضلة الكبرى في تاريخنا المعاصر هي الأنظمة الحاكمة الخائنة التي خانت الله ورسوله والمؤمنين ومَكَّنت العدوَّ منا.. ولن نتقدم شبرا قبل أن نتعامل مع هذه الأنظمة باعتبارها أنظمة احتلال أجنبية، مهما بدا أنهم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.

أقول: إن معضلة الطيران هي فرع من هذه المعضلة الكبرى، لكنها على الحقيقة أشد هذه المعضلات وأخطرها في الباب العسكري.. ويحتاج هذا الأمر تفكيرا مطولا وعملا مضنيا ومخلصا من سائر العاملين لحلِّها.. ونعم، إن الحل الجذري الأول هو إسقاط هذه الأنظمة الحاكمة الخائنة، ولكن حتى بعد إسقاطها وقبله وإلى أن نتمكن من ذلك فيجب أن يبدأ تفكير ونقاش وعمل طويل في حل هذه المعضلة!

لست متخصصا في شيء من هذه المجالات ولكن أذكر هذا لإثارة الأفكار:

إن من واجب المهندسين والكيميائيين والفنيين وأمثالهم: العمل على تطوير طيران مكافئ للعدو، فإن لم يمكن فتطوير سلاح مضاد للطائرات يصده، فإن لم يمكن فتطوير طيران يستطيع أن يمثل رادعا، فإن لم يمكن فتطوير سلاح آخر يمكن أن يصيب من عدونا مثلما يصيبون منا فيتحقق توازن الردع إن لم يتحقق توازن القوة!

ومن واجب المبرمجين والقراصنة الإلكترونيين وأمثالهم: بذل غاية الجهد والوسع في العمل على اختراق أنظمة الطيران، وإفسادها وإتلافها وتضليلها، أو اختراق قواعدها أو أبراج مراقبتها، أو الرسائل المشفرة المتبادلة بين الطيارين والقواعد الجوية!

ومن واجب هؤلاء القراصنة وأمثالهم اختراق الأنظمة وقواعد البيانات والوصول إلى بيانات الطيارين أو العاملين في القواعد الجوية أو نحوهم ممن يمكن عبر الوصول إليهم بالاختراق أو الاستمالة أو التحييد أن يتعطل سلاح الطيران!

ولا يقتصر الأمر على أبناء العلوم التطبيقية البحتة التقنية الفنية، بل حتى العلماء والفقهاء والدعاة والمتخصصون في علم النفس والاجتماع والقانون وغيرهم، كل هؤلاء ينبغي أن يفكروا كيف يمكن أن يخدموا الأمة في حل معضلة الطيران هذه..

هذا المتخصص في علم النفس هل يستطيع أن يستخرج لنا صفات نفسية خاصة تتكون لدى الطيارين والعاملين في سلاح الجو، ويقترح علينا أساليب التعامل معها، فنأخذها منه ونوصلها للعلماء والفقهاء والدعاة والإعلاميين والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي؟!

وهذا المتخصص في علم الاجتماع، هل يستطيع أن يستخرج لنا أو يفيدنا بأنماط ينبغي أن نفهمها أو نتعامل معها في بيئة الطيارين والعاملين في سلاح الجو، فنبثها عنه على ألسنة الدعاة والإعلاميين والمؤثرين، بحيث نستطيع كف عادية هؤلاء من خلال نبذهم اجتماعيا أو إشعارهم بالعار؟!

ألا ينبغي أن يتداعى العلماء إلى مؤتمر فقهي جامع يجمعون فيه المسائل المتعلقة بالطيران وواجبات الأمة فيه، بداية من واجبات التصنيع والتطوير التي هي على الحكام والدول، مرورا بواجبات المتخصصين في كل فن، وإصدار الفتاوى للطيارين المسلمين والعاملين في سلاح الجو وفي الدفاع الجوي، حول ما يملكون من وسائل دفع العدو، سواء بإذن قادتهم أو بغير إذنهم، أو في ضرورة نشر تقنية الطيران تصنيعا وترويجا وحثا، بل وفي ضرورة نشر ثقافة تضليل الطيران المعادي، وكيف يمكن للناس أن يساعدوا المجاهدين في ذلك، وفي حث الناس على التبرع والتطوع والوقف لتطوير هذا المجال.. إلخ!

وقل مثل هذا في كل مجال وباب.. إن نازلة الطيران هذه يجب أن ينهض لها كل عامل مخلص ليرى ما الذي يمكنه أن يفعل فيه!

 

***

يعد هذا الكتاب من الردود العملية الشافية للضلالات الفكرية المنحرفة التي تظهر في عصرنا، والتي يحملها منتسبون إلى المشيخة، فمنهم الفاسقون ومنهم الضالون، ومنهم الذين اشتروا الدنيا بالآخرة..

أولئك الذين يطعنون بعقيدة المجاهدين –زعموا- وأنها لم تكن نقية، وأنها رايات ملتبسة.. وكذبوا!

فالعقيدة كما تظهر في فلتات لسانهم هي الاقتصار على ركن التصور النظري الرابض في زاوية علم الكلام، وعلى القضايا التي لم تُثر في عصر الصدر الأول أصلا.. وأما العقيدة كما تظهر في فعالهم فهي متابعة هوى السلطان مهما كان خائنا ومتخاذلا بل مهما ظهر منه الكفر البواح!

وبئس المنتسب إلى العلم، يطعن في العمالقة المجاهدين..

ومن الردود النافعة على هذا الانحراف والضلال مثل هذه الكتب.. تلك التي تنقل حياة المجاهدين وزوايا نفوسهم، فترى فيها هذا النَّفس العالي في فهم الإيمان وقضاياه، وفي التعلق بالقرآن واستنباط معانيه، وفي الحرص على العبادة والطاعة في فروع الفقه عند المجاهدين، وفي هذه الشفافية الرقيقة في التعامل مع خطرات النفس ووساوسها..

تأمل مثلا هذه العبارات المنقولة من هذا الكتاب:

"يظن من يقرأ أخبار المجاهدين أن مقابلة العدو هي البلاء الوحيد في الميدان، والحقيقة أن الميدان طريق مليء بالبلايا، فبالرغم من قسوة المعركة ووعورة المسير، هناك عقبات أخرى، قد تكون من قبيل المخمصة والعطش وأوامر لا توافق الهوى، وهذا ما تقرره الآيات، وكل هذه الاختبارات وظيفتها تهيئة النفوس وإعدادها، فعلى مثل هذا فلتوطن النفس أيها المجاهد"

"النيات تتقلب على المجاهدة، وهنيئا لمن تفقد نيته"

"اعلم أنك إذا جردت القصد له تعبداً، فيلزم أن تصبر لما يختاره لك، فقد تحب الخشوع بلا كلفة، فيختار لك عبودية المجاهدة، ويبتليك بالشواغل وفقد اللذة ونحوها، حتى تجر د قصدك له وتصطبر لعبادته، ثم سيفيض عليك بلطفه ورحمته ولو بعد حين"

"سورة إبراهيم سورة الفتوحات، عاهدت رب ي أن أتلوها وأنا في طريقي لغزوة مباركة ففتح الله بالفتوحات الكثيرة"

"إن تغيير السياسات وأسلمة المجتمع له ضريبة باهظة، وأعداؤنا يعرفون هذا جيداً، فلقد سمع الكبير والصغير أن من أهداف الحرب عند اليهود هو إنهاء حكم حماس في غزة، ويعتقد كثير من الناس أنه لا ينبغي لنا طلب الحكم، وأن سبيل الأنبياء هو الدعوة فقط"

"رجال الله في غزة لو قادهم سين من العلماء لعلمهم التوحيد على مقاييسه النظرية، ولو قادهم سين آخر من الفقهاء لعلمهم البدعة وخطرها على العقيدة، ولو قادهم سين ثالث من العلماء لعلمهم آداب الحديث وعدم رفع الصوت على الأجانب، وأخلاق النبي المتواضع الحنون، ولو قادهم سين من الناس لعلمهم التوبة من الذنوب، وأنه ينبغي ترك جهاد الشوكة حتى نجاهد أنفسنا، ولو قادهم خامس لفصل لهم في الفرق الضالة وبين لهم خطرها عليهم، وأن معركتنا الحقيقية معهم لا مع العدو الكافر الصائل المجرم، هذا غاية ما سيضيفونه على قاموس رجال الله العاملين المجاهدين".

وأكتفي بذلك..

ولكن الذين يتكلمون في شأن المجاهدين، من أولئك القاعدين المترفين، هم الذين نتشكك حقا في عقيدتهم، ليست العقيدة بمعنى التصور النظري الكلامي، بل بمعنى حب الله وخشيته ورجائه وتولي أوليائه والتبرؤ من أعدائه.. إلى آخر هذه الأصول الكبرى التي ضلوا عنها وأضلوا! فصاروا ينطقون بكلام المنافقين {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قُتِلوا}.. فهم أولى بالطعن وبالشك، فسمتهم ولسانهم ينبيء عن منافقين لا عن متشرعين ومتفقهين!

***

رحم الله حبيبنا القائد الشهيد أبا زكي محمدا بن زكي حمد.. وتقبله في الصالحين، ورفع درجته في عليين..

اللهم آجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها!

ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون..

محمد إلهامي

4 ربيع الثاني 1447ه

اسطنبول 26 سبتمبر 2025

 



[1] هذا المقال هو مقدمة كتبتُها لكتاب "تحت راية الطوفان" للشهيد القائد محمد زكي حمد، ورأيت نشره في مجلة أنصار النبي لتعميم الفائدة والتعريف بالكتاب وصاحبه.