الجمعة، يناير 02، 2026

ليست أندلسا واحدة.. فلكم ضيعنا أندلسا

 


محمد إلهامي - مجلة أنصار النبي - يناير 2026م

هذه أيام الذكرى الأليمة المريرة.. ذكرى سقوط الأندلس..

في مطلع يناير 1492م، قرر أبو عبد الله الصغير حاكم غرناطة أن يستسلم، وفي يوم 2 يناير دخل الصليبيون إلى غرناطة، ورُفِع الصليب على المنارة الكبيرة.. وانطوت دولة الإسلام في الأندلس!

بدأ الانحلال يدب إلى الأندلس، ويسري فيها الضعف من ذلك العصر الذي عُرِف بعصر ملوك الطوائف، حيث انهار الحكم الأموي، ولم يعد في البلد زعامة قوية، فغلب كل طامح على ما تحت يده أو ما استطاع أن يحوزه، وإذ بالدولة القوية الفتية تتفتت إلى ثلاث وعشرين مملكة!

ومن ذلك الوقت، تعرضت الأندلس للأخطار الوجودية، غير أنه جرى إنقاذها غير مرة على يد أمراء المغرب الأقوياء، مثل المرابطين ثم الموحدين ثم المرينيين. فلما ذهب الأقوياء من المغرب ودب الضعف إلى تلك البلاد أيضا، لم تجد الأندلس من ينقذها، فسقطت!

يتألم الأكثرون على سقوط الأندلس لكونها بقعة أرض عزيزة من ديارنا المسلمة، أزهرت فيها الحضارة الإسلامية، وأنارت تلك العصور التي يسميها الغربيون المظلمة. لكن ثمة ألما مضاعفًا يغفل عنه الأكثرون من الناس، ويجب أن يُعرف. ذلك أن سقوط الأندلس لم يكن مجرد انهيار حضارة الإسلام في بلد ما، بل كان الأمر أشد من ذلك بكثير..

لقد كانت الأندلس بمثابة القفل الذي يغلق باب الشر الغربي على العالمين، فلما كُسِر القفل وانهار الباب، انفجر الشر الذي أصاب العالم كله: المسلمين وغير المسلمين معًا.

إن سقوط الأندلس ما زال يؤثر علينا حتى اليوم تأثيرا مباشرا وصارخا، ولكننا لا نشعر بذلك. لا نشعر به لأننا نجهل التاريخ مع كل أسف، ونحن نجهل التاريخ لأن هذا الجهل نفسه هو نتيجة تسلط العدو علينا، وتَمَكُّنِه مِنَّا، فلما تسلط علينا وتَمَكَّن منا أنشأ في عموم ديارنا الآن أمثلة رديئة لملوك الطوائف الأندلسيين، وقد تولى هؤلاء الملوك تجهيلنا لكي ننسى ونفقد الذاكرة، ومن ثَمَّ نفقد بوصلة الطريق.

لما سقطت الأندلس، استعان الإسبان والبرتغال بأموال الأندلس وعلومها، فاستطاعوا أن "يكتشفوا" الأمريكتين وأن يكتشفوا طريق الدوران حول قارة إفريقيا للوصول إلى الشرق بغير عبور على قلب العالم الإسلامي في مصر والشام، ثم استطاعوا الدوران حول الكرة الأرضية عبر رأس ماجلان.. فماذا ترتب على هذا؟!

ترتب عليه أن تدفقت عليهم أموال هذه الديار والأرض، وأنشؤوا لأنفسهم المستعمرات، واستعبدوا ملايين البشر في إفريقيا وآسيا والأمريكتيْن، بل طمعوا في الدخول من باب المندب إلى البحر الأحمر لهدم الكعبة ونبش قبر النبي. ازدادوا أموالا، وبها ازدادوا سلاحا وعتادا ورجالا، وأخذوا في غزو المغرب حتى وصلوا إلى طرابلس بعد احتلال السواحل المغربية والجزائرية. ولولا أن قيَّض الله الدولة العثمانية ومجاهدي البحار: المتوسط والأحمر وعدن، لكان الإسلام قد صار نسيا منسيا!

لقد افتتح العالم بعد انهيار الأندلس عصرًا من أظلم عصوره وأكثرها دموية وعنفا: عصر الاستعباد ومحاكم التفتيش، لقد انكسر قفل الأندلس، وانتشر الشر الغربي، فدفعت الشعوب الإفريقية وشعوب الأمريكتين مئات ملايين الضحايا حتى بُنِي على رفاتهم وبأموالهم ومواردهم مجد الرجل الأبيض الذي لا يزال يقهرنا حتى الآن!

إن الذين كانوا يُحاصَرون في غرناطة لم يكونوا يعرفون أن صمودهم في المعركة قد يغير تاريخ العالم لخمسة قرون قادمة أو يزيد. لم يكن يعرف أبو عبد الله الأحمر، آخر ملوك الأندلس، أنه حين يستسلم ويؤثر السلامة ويتنازل عن غرناطة فإنه يزيل بيده آخر حجر في السدِّ الإسلامي الذي سينهمر بعده طوفان الدم الصليبي في العالم كله! كذلك فإن رسائل الاستغاثة التي تلقها الملوك في المغرب والقاهرة واسطنبول لم يكن يعرف أحدٌ من حامليها ولا قارئيها أنها معركة فاصلة في أعمار دولهم هم: دول المغرب ومصر والشام والأناضول والبلقان!

إن التاريخ كان سيتغير تغيرا حاسما لو أن المسلمين قد سبقوا إلى الأمريكتيْن، أو حتى استطاعوا أن يحجزوا الغربيين عن الوصول إليها أو الوصول إلى المشرق ولو لقرنٍ واحد على الأقل.

ونحن حين نقرأ التاريخ لا نقرؤه لنبكي إلى جوار الأوراق، بل نقرؤه لنعرف كيف نفعل حين نقوم من على الكتاب..

فإذا تأملنا في مصير الأندلس وما أوصلها إلى ذلك، فمن حسن الحظ أن سنجد إماما كبيرا شجاعا كان في عصر ملوك الطوائف، لخَّص لنا أسباب الحالة، وخلاصتها: خيانة الأمراء وجبن العلماء!

ذلك هو الإمام ابن حزم الذي قالها بأسلوبه الملتهب:

"عُمدة ذلك أن كل مدبر مدينة أو حصن في شيء من أندلسنا هذه، ولها عن آخرها، محارب لله تعالى ورسوله وساع في الأرض بفساد؛ للذي ترونه عياناً من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية التي تكون في ملك من ضارهم، وإباحتهم لجندهم قطع الطريق على الجهة التي يقضون على أهلها، ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين، مسلطون لليهود على قوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية والضريبة من أهل الإسلام، معتذرون بضرورة لا تبيح ما حرم الله، غرضهم فيها استدام نفاذ أمرهم ونهيهم. فلا تغالطوا أنفسكم ولا يغرنكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المُزَيِّنون لأهل الشر شرَّهم، الناصرون لهم على فسقهم. فالمخلص لنا فيها الإمساك للألسنة جملة واحدة إلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذمِّ جميعهم؛ فمن عجز منا عن ذلك رجوت أن تكون التقية تسعه، وما أدري كيف هذا، فلو اجتمع كل من ينكر هذا بقلبه لما غلبوا"[1].

وخلاصة كلامه لمن لم يفهم تلك اللغة العالية: أصل المشاكل هو في أمراء الطوائف، وكلهم محارب لله ورسوله ومفسد في الأرض، ومعهم علماء فُسَّاق يُزَيِّنون لهم الأمر. والواجب على الأمة ترك كل شيء إلا تغيير هذا الحال، ومن عجز عن ذلك فربما كان يُعذر، لكن هذا نفسه مُحَيِّر، فلو قد تكلموا جميعا لما غلبهم الأمراء ولاضطروا للانصياع لهم.

وبعد هذه الفقرة بقليل، يقول ابن حزم أيضا عن ملوك الطوائف وفرضهم الضرائب على المسلمين وإباحتهم بيع الخمر وغيره من المعاصي: "هذا هو هتك الأستار ونقض شرائع الإسلام وحل عراه عروة عروة، وإحداث دين جديد، والتخلي من الله عز وجل. والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيُمَكِّنونهم من حُرَمِ المسلمين وأبنائهم ورجالهم يحملونهم أسارى إلى بلادهم، وربما يحمونهم عن حريم الأرض وحسرهم معهم آمنين، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفاً من سيوفه"[2].

ذلك الكلام الواضح الصريح دفع ابنُ حزم ثمنه في حياته، لكنها بقيت قولة حق خالدة، ثم دفعت الأندلس والأمة كلها الثمن العظيم بعد وفاته بقرون.. ولا زلنا ندفع!

والآن.. قد صارت ديارنا كلها أندلسا!

وما نكاد نخرج من حرب يُستأصل فيها المسلمون إلا وندخل في غيرها، فلم تنقض حرب غزة إلا وقد نشبت حرب في السودان، وقد شهدنا قبل غزة تناقص أقطار المسلمين في بورما وتركستان الشرقية وكشمير والبوسنة وكوسوفا وزنجبار.. ولا فائدة من الاستقصاء والتعداد!

والكلام الذي قاله ابن حزم لا يزال قائما.. ولا يزال القائلون به قلة!!

ولا تزال القلة تتعرض للفتنة والعذاب والمطاردة والسجن والنفي والملاحقة.. والبقية تختار السكوت.. مع أن الجميع لو تكلم لاعتدل الحال..

ثم نجلس جميعا لنبكي على الأندلس في ذكراها.. ونحن نضيع ما بقي في أيادينا من أشباه الأندلس!!

لئن قال ابن حزم ما قال عن حكام الطوائف في عصره، فإن قوله هذا أكثر انطباقا وأشد لزوما على حكام عصرنا نحن.. فلئن كان يتوقع استشرافا أنهم لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نرى بأعيننا الآن كيف قد مَكَّنوا للصليبيين والصهاينة في بلادنا!

وهذه الأيام نفسها، انظر كم في ديار العرب والمسلمين من احتفالات بعيد النصارى (الكريسماس)، مما لا يُفعل شيء منها في أعياد المسلمين: الفطر والأضحى!!.. إنني أكتب هذه السطور قبل موعد الاحتفال، ولكن كما قال البارودي:

ولست بعلام الغيوب وإنما .. أرى بلحاظ الرأي ما هو واقع

وقد عوّدتنا الإمارات، لا سيما: دبي، على احتفالات صاخبة ماجنة تسفح فيها ملايين من أموال المسلمين، وثلاثة أرباع المسلمين جوعى وغرقى ومرضى ومصابون بأنواع الإصابات والهموم!

وهل أتاك نبأ من الأردن، حيث ملكها ينتسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هو يعتقل الدعاة والشباب الذين ينصحون المسلمين ويبينون لهم حرمة الاحتفال بأعياد النصارى؟!!

وهل أتاك نبأ الديانة الإبراهيمية؟!!

من قرأ تاريخ الأندلس، رأى فيه شخصية كانت محور السقوط والانحدار، وهي شخصية الوزير الإشبيلي أبو بكر بن عمار.. كان وزير سوء وصاحب فتنة، فكأنما هو وزير للقشتاليين لا للأندلسيين، وإنه ليشنّ الحروب على الأندلسيين ويحرض النصارى عليهم أكثر مما يفعل النصارى أنفسهم.. ما أشبه هذا الوزير بشخصية محمد بن زايد رئيس الإمارات، وصاحب كل سهم في كل حرب تجري على المسلمين!

ما من نقيصة كانت في ملوك الطوائف الأندلسيين ليست قائمة ظاهرة في ملوكنا اليوم، بل لقد كان في ملوك الطوائف الأندلسيين من العلم والثقافة والازدهار الحضاري ما ليس مثله في الحاكمين الآن. ولقد جاء يوم على كبيرهم "المعتمد بن عباد" فرأى أنه لما وقع الاختيار، اختار جانب المسلمين، وقال: "رعي الإبل خير من رعي الخنازير".. أما هؤلاء الحكام المعاصرون، فقد هيؤوا حظيرة الخنازير ونزلوها وباعوا أعراضهم فيها، ثم هم يجتهدون في إدخال من لم يدخل إليها.. وما نبأ تواطئهم على أهل غزة ببعيد!

ولقد كان في ملوك الطوائف شعراء، وما في هؤلاء الحاكمين الآن رجل واحد فصيح.. بل يتنافسون في عي اللسان ورداءة القراءة من الأوراق المكتوبة لهم!

ولقد كان في ملوك الطوائف من يحضرون الجُمَع والجماعات، ويدخل عليهم العلماء فربما وعظوهم واشتدوا عليهم، وأما هؤلاء الحاكمين الآن ففي كل يوم لهم تسريب وفضيحة، وحتى علماؤهم الذين ينافقونهم هم عندهم في أذل مقام وأقل مكان!

ترك لنا واحدٌ من ملوك الطوائف مذكراته، وهي كسائر مذكرات السياسيين جُلُّها تبرير وتزيين وزخرفة، ذلك هو عبد الله بن بلقين بن باديس بن حبوس، ثالث ملوك غرناطة في عصر الطوائف وآخرهم، وقد ذكر لنا في مطلع هذه المذكرات كيف بدأ الانحلال.. لقد كانت البداية: إيثار السلامة وترك الجهاد!

ساعتها، قام ملك الأندلس الكبير محمد بن أبي عامر، الذي هو ذروة التاريخ الأندلسي، فصار يأتي بالمجاهدين من عدوة المغرب، فكثر أهل المغرب في الأندلس لذلك العهد، وبهم كان آخر عصر الجهاد الكبير في الأندلس. ومنذ ذلك الوقت صار أهل الأندلس يعتمدون على إخوانهم أهل المغرب. فلما ضعف المغاربة ضعف الأندلسيون والمغاربة جميعا!

فما لم نقم الآن بواجب الوقت في إسقاط هؤلاء الخونة، وفي تعرية العلماء الفسقة، وفي استنهاض طاقة الأمة للجهاد.. فنحن في كل يوم على موعد مع أندلس جديد!!

وصدق الذي قال:

ما زلنا نذكر أندلسا .. نبكيها في صبح ومسا

ليست أندلسا واحدة .. فلكم ضيَّعنا أندلسا

 



[1] ابن حزم، رسائل ابن حزم، 3/173.

[2] ابن حزم، رسائل ابن حزم، 3/176.

الأربعاء، ديسمبر 03، 2025

أبو بكر.. الصاحب الأعظم! كيف رآه المستشرقون والمؤرخون الغربيون!

 

فضَّل الله نبينا على سائر الأنبياء، فهو إمامهم وخاتمهم، وبه اكتملت الرسالات، وهو وحده الذي أُرسل لكل العالمين!

وفضَّل صحابة نبينا على سائر أصحاب الأنبياء، فقد أثنى الله عليهم في كتابه ما لم يُثنِ على غيرهم من أصحاب الأنبياء!

وقد جاء عن نبينا، وهو ما كان عليه المسلمون منذ زمن الصحابة وحتى يوم الناس هذا أن أبا بكر هو أفضل الصحابة وأعلاهم شأنا.. فأبو بكر هو أفضل البشر بعد الأنبياء والمرسلين، وهو أعظم صاحبٍ لأعظم نبي في الأولين والآخرين.

ومن علامات ذلك ودلائله أن أبا بكر قد اشتمل قصة الإسلام، وما ذلك لأحد إلا لأبي بكر، فإنه كان أول مَنْ آمن مِن الرجال، فكان شاهد عيان على ولادة الإسلام وبزوغه، ثم صحب هذا الدين في رحلته منذ كان قولا في صدر رجل، حتى صار أمة في واقع الحياة، وقوة عظمى في عالم السياسة، وصفحة محفورة في كتاب التاريخ!

فما من شيء رنا إليه المسلم إلا وجد فيه لأبي بكر قدوة ومثلا.. في زمان الاستضعاف أو في زمان التمكين، في لحظة المحنة أو لحظة المنحة، في باب الاتباع أو في باب القيادة، في مهجع العبادة أو في ساحة الجهاد، في عمل القلب أو في عمل الجوارح، في حال الغنى أو في حال الفقر، في طريق الدعوة أو في طريق السياسة.. ونادرٌ من البشر من جمع بين هذا كله!

إنه مُعَلِّمٌ كبير في كل شيء، إذ كان حاضرا في كل لحظة.. إنه وزير نبينا الأول! وصاحبه الأثير! وصفيُّه من بين الناس!.. إنه أعظم بشر لم يتصل بوحي السماء!

ومن ها هنا، فلن ترى للمسلمين زمان ولا موقف إلا وجدوا فيه أنهم يستفيدون من أبي بكر ويتذكرون فصولا من سيرته وسياسته.

ولقد شدَّ أبو بكر أنظار المسلمين إلى مثاله حتى أفاضوا من المدح فيه، فلم يتركوا قولا لقائل، فما من كاتب يريد أن يتكلم عن أبي بكر إلا أعوزته العبارة، وتقاصر عن الزيادة..

فلذلك رأيتُ أن أذهب إلى المؤرخين والمستشرقين الأجانب، فأنقل من كلام بعضهم ما لا يمكن اتهامه بأنه صادرٌ عن عاطفة المسلم. ومما رأيتُ فإنهم يلتفتون في سيرة أبي بكر لثلاث محطات أساسية: إسلامه، شدة إيمانه وتصديقه، دوره الهائل عند توليه الخلافة.

 

إسلام أبي بكر

يتفق هؤلاء الغربيون على أن أهم شخص في الإسلام بعد النبي هو أبو بكر، وذلك أنه لما أسلم كان هو الأكثر فعالية في نشر الإسلام من بين المسلمين الأربعة الأوائل، فإنه رجل بالغ حر، ليس امرأة مثل خديجة ولا صغيرا مثل علي ولا مولى مثل زيد بن حارثة. وفوق ذلك فإنه تاجر صاحب أموال، ومؤرخ نسابة صاحب علم، وخلوق عفيف صاحب نفوذ ومكانة وعلاقات. وفوق ذلك كله: لقد آمن بمحمد إيمانا لا مثيل له، وجاءت ثمرات إيمانه سريعا: خمسة شخصيات قوية وفاصلة في تاريخ الإسلام، أسلموا بتأثير أبي بكر!

1.    يقول المستشرق الفرنسي المسيحي المتعصب هنري ماسيه: "أول من آمن بكلام محمد بعد خديجة هو ابن عمه علي بن أبي طالب، ولكن طفولة علي قَلَّلَتْ من أهمية اهتدائه، وكان الاهتداء الأكثر نفعا هو اهتداء أبي بكر، وهو تاجر عظيم نذر لمحمد محبةً لا تنفصم"[1].

2.    وتقول كارين أرمسترونج، الراهبة السابقة والباحثة البريطانية في مقارنة الأديان، عن إسلام أبي بكر: "كان ذلك حدثا له أهميته الحيوية، لم يكن يتمتع كثير ممن دخلوا في الإسلام بنفوذ في مكة يماثل نفوذ أبي بكر"[2].

3.    ويقول الكاتب الفرنسي جان بروا: "لم يكن أبو بكر في الجاهلية بالمغمور أو المجهول، بل كان نابه الذكر، جم الاحترام والتقدير، معروفا في القبائل بحسن أخلاقه وسموّ منزلته، فلم يكن يؤمن بما جاء به صديقه الأمين حتى شرع يؤدي واجب الرسالة ويدعو الناس إلى الإسلام"[3].

4.    ويقول دينيه، المستشرق والرسام الفرنسي الذي أسلم وتسمى بناصر الدين وكتب كتابا عن النبي: "أشاع إسلام أبي بكر في نفس الرسول سرورا عظيما، وكان أبو بكر صدرا معظما في قريش على سعة من المال وحسن الوجه، وصاحب منظر أنيق، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر، وكان أعلم الناس بتعبير الرؤيا، صادقا في حديثه، حسن المجالسة، وقد اختاره قومه قاضيا في المغارم والديات وحكما في المفاخرات، في إيمان حار، أخذ أبو بكر يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثق به من قومه، ويكرس جهده في نشر الإسلام، ويقود أصدقاءه إلى الرسول ليعلمهم الإسلام"[4].

5.    ويقول المستشرق والرحالة الفرنسي كلود إتيان سافاري، الذي سبقت رحلتُه إلى المشرق الحملةَ الفرنسية، وترجم القرآن، وكتب كتابا عن السيرة: "كان أبو بكر مواطنا ذا نفوذ في مكة، مشهورا باستقامته وبثرواته، فشرع محمد يعمل على إسلامه، اعتقادًا منه أنه جدير بأن يعطي قوة لدينه الجديد، وتَوَّج النجاح مجهوداته، وأصبح أبو بكر من أقوى أنصار الإسلام، لقد كان إسلامه نصرا كبيرا، فحمل أبو بكر بين أصدقائه شعلة الإيمان التي ملأت صدره وأخضع بها الكثيرين، وقدَّم إلى النبي عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، آمن الجميع واعتنقوا الإسلام، وكانوا الرعيل الأول للديانة المحمدية"[5].

6.    ويقول المستشرق الفرنسي إميل درمنغم، صاحب واحد من أفضل الكتب الغربية عن النبي، حاول فيه أن يقرب صورة النبي إلى الغربيين حتى أفرط في ذلك وتكلف أن يمحو الفارق بين الإسلام والمسيحية، يقول: "كان لإسلام أبي بكر بالغ الأثر، فقد تابعه على الإسلام من قريش عثمان بن عفان الأموي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وصهره -بعد ذلك- الزبير بن العوام -فقد تزوج أسماء بنت أبي بكر-، وهذا مع ذِكْرِنا أن أبا بكر لم يسطع أن يهدي إلى الإسلام أباه وأولاده، ولا سيما ابنه البكر"[6].

 

تصديق أبي بكر

يتحدث بعض المؤرخين عن أن إيمان أبي بكر، كان له تأثير خاص في مسار الإسلام، وذلك أن أبا بكر كان من صفوة الناس الذين لا يُتهمون بضعف الرأي ولا بالمطمع الدنيء، فما آمن به أبو بكر وهو الراجح العقل يجعل له تأثيرا وقدرا وجاذبية! بل ذهب بعض المؤرخين إلى أن إيمان أبي بكر هو نفسه من دلائل صدق النبي:

7.    يقول ألفونسو دي لامارتين، وهو شاعر ودبلوماسي ومؤرخ فرنسي، صاحب كتاب مشهور عن تاريخ الأتراك، جعل الجزء الأول منه عن سيرة النبي، "حَمَتْ مجاهرة أبي بكر بإيمانه بعقيدة محمد الدين الإسلامي الناشئ من صبغة الجنون والهزء، وهي أول تجلٍّ للسخرية يرسله عامة الناس دون تمحيص إزاء كل ما يصدم تقاليدهم، إذ كان أبو بكر من أولئك الذين يجلب اعتناقهم رأيا احترام الكثرة من الناس إن لم يكن اقتناعهم بسداد ما يرى، وحينما أعلن أن محمدا هو وليه، وقاه من الاحتقار"[7].

8.    ويقول هربرت جورج ويلز، الكاتب والأديب الإنجليزي الشهير، مدافعا عن صدق النبي تجاه غلو الغربيين: "ليس عدلا أن نتخذ الغلو لنا رائدا، هل تراك علمتَ قط بأن رجلا على غير كريم السجايا مستطيعٌ أن يتخذ له صديقا؟ ذلك أن من عرفوا محمدا أكثر من غيرهم كانوا أشد الناس إيمانا به. وقد آمنت به خديجة طوال حياتها –على أنها ربما كانت زوجة محبة. وأبو بكر شاهدٌ أفضل، وهو لم يتردد قط في إخلاصه. كان أبو بكر يؤمن بالنبي، ومن العسير على أي إنسان يقرأ تاريخ تلك الأيام ألا يؤمن بأبي بكر. وكذلك علي، فإنه خاطر بحياته من أجل النبي في أحلك أيامه. لم يكن محمد دجالا بأية حال"[8].

9.    ويقول المستشرق الألماني الشهير، كارل بروكلمان: "في هذه الأثناء كان مسلمو مكة، على ما تقول الروايات، يعانون أزمة جديدة. ذلك ان حديث محمد عن إسرائه العجيب، برفقة جبريل، إلى بيت المقدس ومن ثم إلى السماء، كان قد أوقع موجة من الشك في نفوس بعض المؤمنين. ولكن ابا بكر ضرب بايمانه الراسخ مثلاً طيباً لهؤلاء المتشككين فزايلتهم الريب والظنون"[9].

 

خلافة أبي بكر

ربما يندهش القارئ المسلم إذا عرف أن عديدا من المؤرخين الغربيين ينظر إلى أبي بكر على أنه المؤسس الحقيقي لدولة الإسلام، وذلك أن وفاة النبي كانت لحظة فاصلة تسببت في ردة كثير من قبائل العرب، فإذا بهذا الرجل يقضي على حركة الردة بل ويحولها إلى حركة فتوح واسعة ومدهشة تبدأ في إسقاط القوتين العظميين العالميتين وقتها –فارس والروم، وتلك هي النقلة الهائلة التي جعلت الإسلام دينا عالميا، وكانت تحولا حاسما في مسار التاريخ.

10.          يقول هربرت جورج ويلز: "يقول المؤرخون إن المؤسس الحق للدولة الإسلامية لم يكن محمدا قدر ما هو صديقه ومساعده أبو بكر، فلئن كان محمد هو العقل المفكر والتصور الملهم للإسلام الأصلي، فلقد كان أبو بكر ضميره وإرادته، حتى إذا مات محمد أصبح أبو بكر خليفته، ثم راح بعقيدة تزحزح الجبال، يعمل ببساطة وعقل راجح على إخضاع العالم كله لأمر الله، بواسطة جيوش يتراوح عددها بين ثلاثة أو أربعة آلاف عربي طبقا لتلك الرسائل التي كتبها النبي عليه السلام من المدينة إلى جميع ملوك العالم. فهو بحق مؤسس دولة الإسلام"[10].

11.          ويقول كارل بروكلمان: "كان النبي قد شغل نفسه، في أيامه الأخيرة، بإعداد الجيوش للانتقام من البيزنطيين الذين هزموا المسلمين في مؤتة. فوجد أبو بكر نفسه مسؤولاً عن إنفاذ خطة النبي الأخيرة هذه، على الرغم من أن الأنباء المخوفة عن شيوع الاضطراب في انحاء الجزيرة كانت تتواتر على المدينة من كل حدب وصوب. وهكذا وجه أبو بكر نخبة جيوش الاسلام الى الشمال تحت قيادة أسامة... قضى أسامة وجنوده شهرين خارج المدينة، وبذلك أصبحت عاصمة المسلمين في مركز لا يساعدها كثيراً على الدفاع عن نفسها. والواقع ان أسداً وغطفان، النازلين غير بعيد عن المدينة، كانوا أول هذا الوضع، فهاجموا المسلمين. ولكن أبا بكر استطاع أن يثبت لهم ويصدهم عن أهدافهم"[11].

12.          ويقول المؤرخ الأمريكي الشهير، والاسم اللامع في مدرسة التاريخ العالمي، وليم ماكنيل: "فاختاروا أبا بكر، وهو أول من آمن من الرجال وأقرب أصحاب النبي إليه، ولقبوه بـ «خليفة» رسول الله. وتولى أبو بكر القيادة الفعلية للمجتمع الإسلامي بوصفه خليفة، وكانت سياسته العامة في كل الأشياء هي التمسك الوثيق بسنة النبي نفسه. وكان ذلك يقتضي اهتماما شديدًا بأقوال النبي، ولاسيما ما وصفها بنفسه بأنها تأتي من الوحي. وكان سبيل ذلك القياس الاستوثاق الدقيق من نسب الأحاديث التي تحملها الذاكرة حتى تُستخدم سابقةً صحيحةً في أي موقف يستجد"[12].

13.          ويقول المؤرخ الأمريكي الشهير، ول ديورانت، صاحب موسوعة قصة الحضارة: "كان أبو بكر وقتئذ في التاسعة والخمسين من عمره، وكان قصر القامة، نحيف الجسم، قوى البنية، قليل الشعر، أبيض اللحية حمراء الصبغة، بسيطاً في معيشته، متقشفاً، رحيما في حزم، يعني شخصياً بجميع شئون الإدارة والقضاء جليلها وصغيرها على السواء، لا يهدأ له بال حتى يأخذ العدل · مجراه، وظل يعمل ولا يتقاضى أجراً على عمله، وظل شديد التقشف حتى أقنعه الشعب بأن ينزل قليلا عن تقشفه، ثم أوصى قبل وفاته بأن يعود إلى بيت مال المسلمين كل ما أرغم على أخذه منه. وحسبت قبائل بلاد العرب أن تواضعه ضعف. وإذا كان بعضها لم يتمكن الإسلام من قلوب أفرادها، ومنهم من اعتنقه كارها، فقد ارتد هؤلاء عنه، وأبوا أن يؤدوا الزكاة التي فرضها عليهم الإسلام. ولما أصر أبو بكر على وجوب أدائها زحفوا على المدينة، وجمع أبو بكر جيشاً في ليلة واحدة، وقاده بنفسه في مطلع الفجر، وبدد به شمل العصاة"[13].

رحم الله أبا بكر، صاحب نبينا ووزيره ومستشاره وصهره وخليفته من بعده.. وهيأ لنا رجالا من مثله يرفعون عن الأمة ما هي فيه من الذلة والمهانة والضعف والهزيمة.

نشر في مجلة أنصار النبي - ديسمبر 2025م


[1] هنري ماسيه، الإسلام، ص45.

[2] كارين أرمسترونج، سيرة النبي محمد، ص158.

[3] جان بروا، محمد نابليون السماء، ص28.

[4] دينيه، محمد رسول الله، ص116، 117.

[5] سافاري، مختصر حياة محمد (السيرة النبوية وكيف حرفها المستشرقون)، ص72.

[6] درمنغم، حياة محمد، ص89.

[7] لا مارتين، مختارات من كتاب حياة محمد، ص43، 44.

[8] هربرت ج ويلز، معالم تاريخ الإنسانية، 3/800.

[9] بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ص44.

[10] هربرت ج ويلز، موجز تاريخ العالم، ص203.

[11] بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ص84، 85.

[12] وليم ماكنيل، صعود الغرب، ص533.

[13] ول ديورانت، قصة الحضارة، 13/70، 71.

الأحد، نوفمبر 02، 2025

تحت راية الطوفان في بيت حانون!


محمد إلهامي[1]

 

مهما طالت الحياة فإنها تساوي على الحقيقة تلك اللحظات التي يختزنها صاحبها في ضميره، لا ينساها مهما تطاولت السنون، ويتذكرها مهما باعدتها الأيام، فالحياة هي اللحظات المؤثرة.. ولذلك ترى الناس كلهم يشعرون أن أعمارهم قد انقضت سريعا وأن أيامهم قد مضت كلمح البصر!

وقد كان نبينا الأعظم ﷺ في أواخر عمره وهو بالمدينة، وقد قامت دولة الإسلام وترسخت وانتصرت بعد أهوال وأهوال، يتذكر مواقف مكة القديمة، تسأله عائشة عن أشد ما لقي في حياته، فلا يذكر يوم أحد بل يذكر يوم طُرد من الطائف، وكيف هام على وجهه مهموما فلم يستفق إلا في قرن الثعالب، المنطقة التي تبعد عن مكة نحو ستين كيلا، أي أنه مشى تسع ساعات لم يشعر بها من شدة الهم. كذلك فإنه لما تذكر أشد الكروب عليه لم يكن شيء من ذلك في الهجرة أو في المدينة، بل كانت جلسة التحقيق التي نصبها له كفار قريش لما أخبرهم أنه قد أُسْري به، يقول: فكربت كربة لم أكرب مثلها قط!

أتذكر ذلك الآن، لأن واحدة من تلك اللحظات التي لست أنساها، كانت حين وصلتني رسالة من الشهيد القائد محمد زكي، صاحب هذا الكتاب، وكان ذلك صبيحة عيد الفطر (1445ه = 2024م)، ولم أكن أعرفه ولا بيننا اتصال قط.. غير أني لقيت أخاه أبا عبد الله –حفظه الله ووفقه- مرات قليلة في اسطنبول ضمن فعاليات عامة، وحتى في ذلك كان الحديث بيننا قليلا.

أرسل إلي أبو عبد الله رسالة من أخيه، يهنئني فيها بعيد الفطر، وهي رسالة كتبها في أنفاق بيت حانون، أي على خط المواجهة الأولى في أقصى شمال قطاع غزة!!

وقد غمرتني الرسالة بطوفان من المشاعر؛ أشدها علي وأعظمها عندي، العجبُ من أن رجلا في بيت حانون -بين المعارك والأشلاء والكر والفر- يتذكر رجلا مثلي منعما ممتعا في اسطنبول!!

فشكرته ما أسعفتني لغتي في الشكر، ثم صرت أرسل بالاطمئنان عليه بين الفينة والأخرى!

ثم ما لبث بعدها شهورا، أن أتحفني –حين انعقدت الهدنة التي بدأت في يناير 2025م- أن أتحفني بأمرٍ هو أعز وأغلى وألذ وأحلى.. فقد أخبرني أبو عبد الله أن أخاه أبا زكي كتب كتابا بين الأنفاق والعُقَد القتالية، سمَّاه "تحت راية الطوفان".. دَوَّن فيه بعض ما رآه في هذا الطوفان من عجائب وكرامات ومن شدائد ومحن!!

فطلبتُ إليه أن أقرأ الكتاب قبل نشره، لشدة حرصي على تتبع أخبار الرجال الذين لا يظهرون على الإعلام، ولا يبثون مشاعرهم حتى على مواقع التواصل. فوافق مشكورا مأجورا..

وأخبرني أبو عبد الله أن أخاه القائد الشهيد كان يتابعني بل لقد كان يُدَرِّس بعض كتبي للشباب معه! وقد علم الله، لشأني في نفسي أحقر من هذا وأدنى وأهون.. ولَأَن يجري اسمي على لسان مجاهد لهو شَرَف عزيز، فكيف بهذا المقام؟!

وبينما كنت أقرأ الكتاب –الذي هو الآن بين يديك- وألتهمه، وأتشرب ما فيه من رائحة الأنفاس وصهيلها، وهدير المعارك ولهيبها، وما تثيره من المعاني في القلوب والعقول، وما تثيره من الغبار في الأنوف والصدور.. إذ فوجئت بصاحبنا يذكرني في كتابه بثناء حسن.. فصرت في بحر من الحيرة، لا أدري من أي شيء أعجب، ولا على أي شيء أتحسر.. وأسأل الله أن يسترنا بستره الجميل.. غير أن ثناء المجاهد لا يعدله عندي ثناء مهما عَظُم صاحبه في شأن الدنيا!!

ولك أن تتخيل حال رجل مثلي، عاجز في مكانه، آمن في سربه، معافى في بدنه، عنده أقوات يومه وغده وبعد غده.. كيف يكون حاله إن جاءه ثناءٌ من رجل ترفرف روحه فوق رأسه، يخوض أشرف معارك الأمة؟!!

وقد كنت حينها أمرُّ بكربٍ شديدٍ، فأطمعني هذا الكرم الحاتمي السيال، فأرسلت إليه أطلب دعاءه ودعاء من في الثغور لينفك هذا الكرب، فما أقرب أن يستجيب الله لهؤلاء.. فكان كما هو أهله: أجابني بدعائه الشجي الندي، وقد شاء الله بفضله وكرمه وانحل الكربُ بأمر يشبه المعجزة.. فما أحسب إلا أن هذا كان من كراماته!!

ومضت الأيام، وبعد شهور، إذا به يرسل إليّ يطلب مني أن أكتب مقدمة لكتابه "تحت راية الطوفان"، بعد أن أضاف إليه شيئا من أخبار تجدد القتال بعد انهيار الهدنة في مارس الماضي.. ومن ذا يتخلى عن مثل هذا الشرف!

ثم ما هي إلا أربعة أيام بعدها حتى جاءني نبأ استشهاده.. فلما عرفت اسمه ورأيت صورته وسمعت مقاطع نشرت له عرفتُ بعين اليقين ما كنت شعرت به حين قرأت الكتاب بعلم اليقين.. ذلك سمت شهيد! طال الوقت أم قصر!!

إن في الكتاب روحا من صاحبه، وفي الكتاب ترى رجلا ناهلا من القرآن متعلقا به يحسن الاستشهاد منه على المعنى الذي يريده، حركيا عمليا متعاملا مع نفوس الناس وما يصدر عنها حين الشدة من أوجه ضعف أو خوف أو تردد، فقيها يتكلم في عبادات المجاهد: كيف يصلي وكيف يتطهر، بل كيف يعيد بناء المسجد الذي تهدم في المنطقة التي أبيدت لكي يثبت قلوب الناس ويعيد بث الحق والخير فيهم.

فإذا سمعتَ صوته ورأيت صورته -كما في المقاطع التي نشرت له- رأيت شابا وادعا قد أقام القرآن فصاحة لسانه، وللقرآن أثر في لسان قارئه المدمن له يُعرف من مواضع ترقيقه وتفخيمه ومدِّه وقصره ونحو هذا.. وإذا رأيت ثم رأيت وجها منيرا وسمتا مريحا وإلفا محبوبا!!

ما كان مثل هذا ليكون إلا شهيدا..

ولقد شاء الله ألا يكون استشهاده آخر فضائله علي.. فلقد أرسلت زوجه الكريمة -أفرغ الله على قلبها السكينة والرضا- تقول: كان يحب الشيخ محمد إلهامي فأخبروه أن يدعو له!!

فيا لله، كيف أدعو أنا لمن كان غاية أملي أن أرزق شفاعته من بين سبعين؟!!

ثم وصلني بعد ذلك فرحته وثناؤه حين علم بأني سأكتب المقدمة لكتابه.. ومضى قبل أن يعلم أن فرحتي بذلك أعظم وأشد.. وذلك هو الأليق والأكرم، فإنما يسعد مثلي ويشرف بأن يخدم مجاهدا في أشرف معركة!!

***

هذا عن الشهيد وفضله عليّ.. وبقيت كلمة في شأن الكتاب نفسه!

إنه مهما تابعنا الأخبار وحرصنا عليها فإن القائم في قلب المعركة يعرف منها ما لا نعرف، ويرى فيها ما لسنا نراه..

***

لما قرأت الكتاب، وقد قرأته مرتيْن، كان أشدَّ ما لفت نظري كلمته هذه: "لم يُقْتَل أحد من المجاهدين في كتيبتنا جراء الاشتباك مع قوات العدو الراجلة، كل شهدائنا العظام ارتقوا إلى الله بسبب القصف الجوي".

وصاحبنا الشهيد نفسه قد قضى أيضا بالطيران..

ومعضلة الطيران هذه لا بد أن تكون على رأس أولويات العاملين المخلصين في أمتنا، كلٌّ في مجاله وفي ثغره.. ولو قد كان بيدي أمر هذه الأمة، فلربما جعلت نصف مقدراتها لحل هذه المعضلة وحدها، فمعضلة الطيران هذه هي التي تسببت في هزائمنا طوال هذا القرن الماضي، ولو تخيلنا تاريخ هذه الأمة وعدوها والمعارك التي نشبت فيها وحذفنا منها الطيران لكنا الآن نكتب تاريخا آخر تماما!

إن رجال أمتنا في كل معركة مقاومة يثبتون أنهم على قلتهم وضعف عتادهم قادرون على الصمود لجيوش هائلة من عدوهم، لولا هذا السلاح اللعين الذي يرمينا بحممه من السماء ولا نستطيع له دفعا!

ونعم، إن معضلة الطيران هي فرع واحد من معضلة الأنظمة الخائنة التي تحكم بلاد العرب والمسلمين، فأولئك هم الذين أخضعوا الأمة وأذلوها ومنعوها أن تتقدم وحرسوا تخلفها ليزداد العدو تفوقا، فهم أصل كل بلاء وجذر كل نكبة وبذرة كل مصيبة تعيشها أمتنا.. نعم، المعضلة الكبرى في تاريخنا المعاصر هي الأنظمة الحاكمة الخائنة التي خانت الله ورسوله والمؤمنين ومَكَّنت العدوَّ منا.. ولن نتقدم شبرا قبل أن نتعامل مع هذه الأنظمة باعتبارها أنظمة احتلال أجنبية، مهما بدا أنهم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.

أقول: إن معضلة الطيران هي فرع من هذه المعضلة الكبرى، لكنها على الحقيقة أشد هذه المعضلات وأخطرها في الباب العسكري.. ويحتاج هذا الأمر تفكيرا مطولا وعملا مضنيا ومخلصا من سائر العاملين لحلِّها.. ونعم، إن الحل الجذري الأول هو إسقاط هذه الأنظمة الحاكمة الخائنة، ولكن حتى بعد إسقاطها وقبله وإلى أن نتمكن من ذلك فيجب أن يبدأ تفكير ونقاش وعمل طويل في حل هذه المعضلة!

لست متخصصا في شيء من هذه المجالات ولكن أذكر هذا لإثارة الأفكار:

إن من واجب المهندسين والكيميائيين والفنيين وأمثالهم: العمل على تطوير طيران مكافئ للعدو، فإن لم يمكن فتطوير سلاح مضاد للطائرات يصده، فإن لم يمكن فتطوير طيران يستطيع أن يمثل رادعا، فإن لم يمكن فتطوير سلاح آخر يمكن أن يصيب من عدونا مثلما يصيبون منا فيتحقق توازن الردع إن لم يتحقق توازن القوة!

ومن واجب المبرمجين والقراصنة الإلكترونيين وأمثالهم: بذل غاية الجهد والوسع في العمل على اختراق أنظمة الطيران، وإفسادها وإتلافها وتضليلها، أو اختراق قواعدها أو أبراج مراقبتها، أو الرسائل المشفرة المتبادلة بين الطيارين والقواعد الجوية!

ومن واجب هؤلاء القراصنة وأمثالهم اختراق الأنظمة وقواعد البيانات والوصول إلى بيانات الطيارين أو العاملين في القواعد الجوية أو نحوهم ممن يمكن عبر الوصول إليهم بالاختراق أو الاستمالة أو التحييد أن يتعطل سلاح الطيران!

ولا يقتصر الأمر على أبناء العلوم التطبيقية البحتة التقنية الفنية، بل حتى العلماء والفقهاء والدعاة والمتخصصون في علم النفس والاجتماع والقانون وغيرهم، كل هؤلاء ينبغي أن يفكروا كيف يمكن أن يخدموا الأمة في حل معضلة الطيران هذه..

هذا المتخصص في علم النفس هل يستطيع أن يستخرج لنا صفات نفسية خاصة تتكون لدى الطيارين والعاملين في سلاح الجو، ويقترح علينا أساليب التعامل معها، فنأخذها منه ونوصلها للعلماء والفقهاء والدعاة والإعلاميين والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي؟!

وهذا المتخصص في علم الاجتماع، هل يستطيع أن يستخرج لنا أو يفيدنا بأنماط ينبغي أن نفهمها أو نتعامل معها في بيئة الطيارين والعاملين في سلاح الجو، فنبثها عنه على ألسنة الدعاة والإعلاميين والمؤثرين، بحيث نستطيع كف عادية هؤلاء من خلال نبذهم اجتماعيا أو إشعارهم بالعار؟!

ألا ينبغي أن يتداعى العلماء إلى مؤتمر فقهي جامع يجمعون فيه المسائل المتعلقة بالطيران وواجبات الأمة فيه، بداية من واجبات التصنيع والتطوير التي هي على الحكام والدول، مرورا بواجبات المتخصصين في كل فن، وإصدار الفتاوى للطيارين المسلمين والعاملين في سلاح الجو وفي الدفاع الجوي، حول ما يملكون من وسائل دفع العدو، سواء بإذن قادتهم أو بغير إذنهم، أو في ضرورة نشر تقنية الطيران تصنيعا وترويجا وحثا، بل وفي ضرورة نشر ثقافة تضليل الطيران المعادي، وكيف يمكن للناس أن يساعدوا المجاهدين في ذلك، وفي حث الناس على التبرع والتطوع والوقف لتطوير هذا المجال.. إلخ!

وقل مثل هذا في كل مجال وباب.. إن نازلة الطيران هذه يجب أن ينهض لها كل عامل مخلص ليرى ما الذي يمكنه أن يفعل فيه!

 

***

يعد هذا الكتاب من الردود العملية الشافية للضلالات الفكرية المنحرفة التي تظهر في عصرنا، والتي يحملها منتسبون إلى المشيخة، فمنهم الفاسقون ومنهم الضالون، ومنهم الذين اشتروا الدنيا بالآخرة..

أولئك الذين يطعنون بعقيدة المجاهدين –زعموا- وأنها لم تكن نقية، وأنها رايات ملتبسة.. وكذبوا!

فالعقيدة كما تظهر في فلتات لسانهم هي الاقتصار على ركن التصور النظري الرابض في زاوية علم الكلام، وعلى القضايا التي لم تُثر في عصر الصدر الأول أصلا.. وأما العقيدة كما تظهر في فعالهم فهي متابعة هوى السلطان مهما كان خائنا ومتخاذلا بل مهما ظهر منه الكفر البواح!

وبئس المنتسب إلى العلم، يطعن في العمالقة المجاهدين..

ومن الردود النافعة على هذا الانحراف والضلال مثل هذه الكتب.. تلك التي تنقل حياة المجاهدين وزوايا نفوسهم، فترى فيها هذا النَّفس العالي في فهم الإيمان وقضاياه، وفي التعلق بالقرآن واستنباط معانيه، وفي الحرص على العبادة والطاعة في فروع الفقه عند المجاهدين، وفي هذه الشفافية الرقيقة في التعامل مع خطرات النفس ووساوسها..

تأمل مثلا هذه العبارات المنقولة من هذا الكتاب:

"يظن من يقرأ أخبار المجاهدين أن مقابلة العدو هي البلاء الوحيد في الميدان، والحقيقة أن الميدان طريق مليء بالبلايا، فبالرغم من قسوة المعركة ووعورة المسير، هناك عقبات أخرى، قد تكون من قبيل المخمصة والعطش وأوامر لا توافق الهوى، وهذا ما تقرره الآيات، وكل هذه الاختبارات وظيفتها تهيئة النفوس وإعدادها، فعلى مثل هذا فلتوطن النفس أيها المجاهد"

"النيات تتقلب على المجاهدة، وهنيئا لمن تفقد نيته"

"اعلم أنك إذا جردت القصد له تعبداً، فيلزم أن تصبر لما يختاره لك، فقد تحب الخشوع بلا كلفة، فيختار لك عبودية المجاهدة، ويبتليك بالشواغل وفقد اللذة ونحوها، حتى تجر د قصدك له وتصطبر لعبادته، ثم سيفيض عليك بلطفه ورحمته ولو بعد حين"

"سورة إبراهيم سورة الفتوحات، عاهدت رب ي أن أتلوها وأنا في طريقي لغزوة مباركة ففتح الله بالفتوحات الكثيرة"

"إن تغيير السياسات وأسلمة المجتمع له ضريبة باهظة، وأعداؤنا يعرفون هذا جيداً، فلقد سمع الكبير والصغير أن من أهداف الحرب عند اليهود هو إنهاء حكم حماس في غزة، ويعتقد كثير من الناس أنه لا ينبغي لنا طلب الحكم، وأن سبيل الأنبياء هو الدعوة فقط"

"رجال الله في غزة لو قادهم سين من العلماء لعلمهم التوحيد على مقاييسه النظرية، ولو قادهم سين آخر من الفقهاء لعلمهم البدعة وخطرها على العقيدة، ولو قادهم سين ثالث من العلماء لعلمهم آداب الحديث وعدم رفع الصوت على الأجانب، وأخلاق النبي المتواضع الحنون، ولو قادهم سين من الناس لعلمهم التوبة من الذنوب، وأنه ينبغي ترك جهاد الشوكة حتى نجاهد أنفسنا، ولو قادهم خامس لفصل لهم في الفرق الضالة وبين لهم خطرها عليهم، وأن معركتنا الحقيقية معهم لا مع العدو الكافر الصائل المجرم، هذا غاية ما سيضيفونه على قاموس رجال الله العاملين المجاهدين".

وأكتفي بذلك..

ولكن الذين يتكلمون في شأن المجاهدين، من أولئك القاعدين المترفين، هم الذين نتشكك حقا في عقيدتهم، ليست العقيدة بمعنى التصور النظري الكلامي، بل بمعنى حب الله وخشيته ورجائه وتولي أوليائه والتبرؤ من أعدائه.. إلى آخر هذه الأصول الكبرى التي ضلوا عنها وأضلوا! فصاروا ينطقون بكلام المنافقين {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قُتِلوا}.. فهم أولى بالطعن وبالشك، فسمتهم ولسانهم ينبيء عن منافقين لا عن متشرعين ومتفقهين!

***

رحم الله حبيبنا القائد الشهيد أبا زكي محمدا بن زكي حمد.. وتقبله في الصالحين، ورفع درجته في عليين..

اللهم آجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها!

ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون..

محمد إلهامي

4 ربيع الثاني 1447ه

اسطنبول 26 سبتمبر 2025

 



[1] هذا المقال هو مقدمة كتبتُها لكتاب "تحت راية الطوفان" للشهيد القائد محمد زكي حمد، ورأيت نشره في مجلة أنصار النبي لتعميم الفائدة والتعريف بالكتاب وصاحبه.