الثلاثاء، أكتوبر 19، 2010

وهكذا سُرق مني "الموبايل"!

اللهم لك الحمد.. أعطيت الكثير وأنعمت بالكثير فضلا .. ومنعت بعضا وأخذت شيئا رحمة منك وحكم..

كان الأمس -18/10/2010- يوما طريفا..

كنت قبل أسابيع قد وصلت إلى "حقيقة " تقول بأنه لابد من شراء الكمبيوتر المحمول "لاب توب" لأن كثيرا من الوقت يضيع لظروف انتقالاتي غير المستقرة، ما يترتب عليه أن كثيرا من الأوقات التي كان يمكن صرفها في القراءة والكتابة تضيع في ما هو أقل شأنا من هذا.. وقد بلغت الحاجة -في تقديري- مبلغا يجعل الاقتراض من أجلها لا يخالف الشرع.. وعزمت على الاقتراض، وحدثت بذلك صديقا كريما فأمهلني أياما..

وقبل أن تنقضي الأيام إذا برزق من الله ينزل علي فجأة دون حساب ولا حتى توقع، ومن طريق لم يخطر لي على بال.. فيسر الله تعالى -صاحب الفضل والنعمة والعظمة .. الرحيم العليم- فاشتريت هذا الجهاز وكان معي صباح الأمس.

بعد انتهاء العمل، وبينما أسير في طريقي إلى المترو، وكنت أحادث خطيبتي المصونة، وإذ بي أشعر أن يدا تمتد فتأخذ الهاتف، في لمح البصر رأيت اثنين قد اختطفاه وانطلقا بدراجتهما البخارية -الموتوسيكل- وكان جريي وراءهما لا يسمح باللحاق لفارق السرعة بالطبع.. ولقد دهش الناس الذي وصلهم صياحي فلم يستطيعوا أن ينتبهوا إلا بعد أن كان السارقان قد ابتعدا جدا..

ألهمني الله تعالى أن أقول "الحمد لله".. وأن آخذ الأمر بلطف وهدوء، قال لي أحدهم: ادع عليهم، قلت في مودة خالصة وصافية "ربنا يهديهم".. هاج الرجل وصرخ في وجهي: "ربنا مش هيهديهم.. دول كذا وكذا".. (ألفاظ لا تصلح للكتابة) غير أني لم أكن ساخطا.. وهذا شيء عجبت له من نفسي.

وإلى هذه اللحظة لست بساخط عليهما، ولقد دعوت لهما طول الليل بالهداية وأن تكون آخر سرقاتهما، ولا أتخيلهما إلا فقراء يحتاجون المال، أو حتى مدمني مخدرات.. إنني أتخيلهما -لا أدري لم- ضحايا يستحقون التعاطف.

هذا رغم أن هذا الهاتف المحمول لم يمض معي سوى شهرين، بعد عناء مع سابقه الذي انتهى عمره الافتراضي فزادني رهقا، ولقد اشتريته أيضا برزق نزل من عند الله، ومن باب لم أتوقعه ولم يخطر لي على بال.

بعد اليأس من استرداده واصلت طريقي نحو المترو، وهناك أخرجت مائة جنيه كانت معي لآخذ تذكرة المترو.. لم يكن مع الرجل سيولة ولم يكن معي أقل من هذه المائة.. وإذا بشاب صغير ربما في أوائل العشرينات يدفع من نفسه تذكرة ثم يقول لي: هذه لك يا شيخ لكي لا تعطل نفسك ويضيع وقتك في الانتظار.

لا أعرفه ولا يعرفني، أدهشني جدا، وأدهشني إصراره وهذه اللفتة اللطيفة.. ربما رأى لحيتي فظن أني من الصالحين فكانت عاطفته أسبق من عقله، أو ربما غير ذلك.. إلا أنه موقف مسح نفسي وغسل قلبي ومنعني من الاحتفاظ بموقف السوء الذي كان قبل قليل..

في هذا اليوم.. رزقني الله بالكمبيوتر المحمول، وبالتعاطف، وبهذا الفتى اليافع.. وأخذ مني الهاتف المحمول..

فاللهم لك الحمد.. أعطيت بنعمتك وفضلك.. وأخذت برحمتك وحكمتك..

الثلاثاء، أكتوبر 12، 2010

حمار الأعرابي الأحمق مات!!


روى ابن الجوزي في "أخبار الحمقى والمغفلين" أن أعرابيا مرض له حمار، فنذر لله إن شُفِيَ حماره أن يصوم عشرة أيام، فشُفيَ الحمار، فصام الرجل الأيام العشرة، فما إن قضاها حتى تُوفي الحمار، فنظر الأعرابي إلى السماء وقال: غررتني يارب، والله لأقضينها من رمضان!!

لقد ظن الأعرابي أن الصيام كُلْفة ومشقة، ولم يفطن إلى أنه مدرسة.. فلولا أنه كان من المغفلين للبث في حمد الله وشكره، وعبادته والصوم له إلى يوم يُبعثون.

لقد طَرَقَ الخاطرَ ونحن في آخر شوال أن شوال قد انتهى، ألا ما أبعد ما بينه وبين انتهاء رمضان، فكأننا في آخر شوال غير الناس الذين كانوا في آخر رمضان، وما بينهما إلا شهر واحد.

الصيام مدرسة، فيها التأديب والتهذيب والتربية، فكان الذين خرجوا من مدرسة الصيام أرق قلوبا وأطيب أفئدة، وأكثر إيمانا وأعمق يقينا.. ما يزال لسانهم رطبا من ذكر الله، وما تزال الوجوه تعلوها مسحة الإيمان ولمسة شفافة كتبها على الجباه قيام الليل.

فكيف تبدو الوجوه، ومن ورائها القلوب، بعد انتهاء شوال؟ أما كان حالنا في نهاية رمضان خيرا من حالنا في نهاية شوال؟

إني أربأ بمن عبدوا الله في رمضان أن يكونوا قد عادوا سيرتهم الأولى، فلم يخطر هذا بالبال أبدا، بل ما زال أثر رمضان في قلوبهم ووجوههم وأعمالهم، إلا أني أتحدث عن الفارق، والفارق واضح وملموس، يراه المرء في نفسه قبل أن يراه غيره فيه.

تلك العزيمة الرمضانية التي كانت تنصب أقدام المرء ساعات في صلاة القيام، لا يمل فيها من القيام ولا من سماع القرآن، فإذا دخل عليه الاعتكاف وَدَّ لو أن الدنيا تتوقف عن المسير، حتى إذا جاء اليوم الأخير رأيت الحزن باديا على الوجوه، ومحسوسا في انكسارة القلوب. ووالله لولا أن الله أمرنا بالفرحة في العيد لما استطاع المؤمن أن يفرح وهو يودع رمضان!

الآن، هذه العزيمة مفقودة، تأتي بعد جهاد ومعاناة، كأنما تُنْتَزع من بين أنياب الدنيا حيث الوقت ضيق والمشاغل كثيرة، والأرض جذَّابة، وهموم تطوف بالبال وتسكن الروح فكأنها لم تترك فيها فسحة لعزم من أهل السماء!!

في رواية أسمعها ولم أهتد لها في كتب الحديث، يروى أن النبي  قال: "لو تعلم أمتي ما في رمضان من الخير لتمنوا أن تكون السنة كلها رمضان"، وسواء صحت الرواية أو حتى كانت إحدى الحِكَم التي هي ضالة المؤمن يأخذها من أي فم خرجت، سواء هذا أو ذاك، فمعناها –حقا- دقيق، خرج من قلب استشعر أمر الصيام كما أراده الله للناس.

رجل رأى في الصوم مدرسة.. لا كهذا الأحمق صاحب الحمار!!

الأحد، أكتوبر 03، 2010

خواطر الوليد

قريبي، ولد له مولود، فنظرت في شوق إلى الوليد،
كان مغمض العينين غارقا في رقود،
تمليت في الوجه الصغير وقلت له:
قد كنت ولم تكن من قبل شيئا، فمن الذي سواك خلقا؟
من الذي أودعك هذه الروح؟
من الذي سوى هذه الملامح؟
من الذي يرعاك وأنت في ذلك الرقود المكين؟..
أين كنت أيها الوليد منذ عام؟
ترى هل ستعيش طويلا أم قريبا تموت؟
وإذا كبرت فما هي طباعك وأحلامك وميولك وآثارك؟
ما هي أفعالك وأقوالك؟
ماذا ستكتب في التاريخ، وماذا سيكتب عنك التاريخ؟ ..

من ذا الذي يعلم كل هذا ويراه كأنه قد كان؟؟

وإذا كبرت يا أيها الوليد، فإنك لاشك ستموت.. ولدت وستموت، كما كل الناس تموت، كما سيموت كل من ينظر إليك الآن، كما سأموت أنا يوما، كما مات كل الذين ولدوا.. كذلك سيموت أمك وأبوك، وأهلك وبنوك..

يا إلهي لماذا ننسى هذه الحقائق ونتوه في الأيام وتشغلنا التفاصيل؟؟

يارب رحماك رحماك.. بصرنا وعلمنا وفهمنا.. واجعلنا نعبدك ونخشاك كأننا نراك.. واجعل خير أيامنا يوم لقاك

الأحد، سبتمبر 19، 2010

هيجل والإخوان وعرفات وعبد القدير خان والمشايخ!

أين هيجل يأتي ليشهد نظريته الجدلية تتحقق في أسخف صورها؟

كان هيجل صاحب نظرية تقول بأن التاريخ ذو غرض كامن، وأن ثمة عقل يدفع مسار التاريخ نحو وجهة عقلانية، ودلل على ذلك بنظريته الجدلية التي تقول بأن الأفكار تلد من داخلها الأفكار النقيضة لها ثم ينشأ صراع بين الفكرة الجديدة وأمها القديمة فينتج عن الصراع فكرة ثالثة، ثم ما تلبث هذه الثالثة أن تلد نقيضتها ثم تصارعها ثم يلد صراعهما فكرة أخرى ... وهكذا.

نظرية هيجل هذه واقعية ولديها القدرة التفسيرية لكثير من الحوادث التاريخية بالفعل، غير أن المشهد المصري والعربي والإسلامي في هذه اللحظة يعطي لها زخما جديدا، هو في الغاية من السخف والمأساوية..

حين بدأ حسن البنا تكوين جماعة الإخوان المسلمين، كان في صلب أحلامه وأحلام من اتبعه أن تكون الجماعة هي القوة الشعبية الأولى في مصر، بل في مصر والعالم العربي والإسلامي أيضا.. وبعد نصف قرن من موت البنا تحقق هذا الجزء من حلمه، وصار الإخوان القوة الشعبية الأولى –أو حتى الوحيدة- في مصر.. ولكن..؟

حين عكف البروفيسور عبد القدير خان على أبحاثه التي يطورها ليصنع قنبلة نووية باكستانية، كان في صلب أحلامه أنها ستكون معادل الردع أمام العدو القديم المقيم "الهند"، كما ستكون القنبلة الإسلامية، التي يفخر بها المسلمون ويتطلعون إليها في مشارق الأرض ومغاربها.. ثم تحققت أحلام عبد القدير خان وهو حي.. ولكن..؟؟

حين حلم ياسر عرفات بأن يعترف العالم بمنظمة التحرير الفلسطينية كان يأمل أن تتحول المنظمة إلى كيان شرعي يعبر عن الفلسطينيين داخل الأرض المحتلة وفي الشتات، أن يكون للمنظمة هيئات مستقرة في الداخل، ومكاتب إعلامية وسياسية أو حتى سفارات في الخارج، أن تستطيع المنظمة إصدار قرارات وأن يكون لها جهاز أمني وإداري، وأن يستطيع من خلال الهيئة المعترف بها عالميا أن يتحدث ويقرر ويناور وهو واقف على أرض صلبة.. وكان له ما حلم به .. ولكن..؟

حين حلم الإسلاميون بأن تكون لهم قنوات وشاشات يستطيعون من خلالها الوصول إلى القرى والنجوع، ومقاومة سيل الإعلام السافل الخليع الذي –ولأول مرة في التاريخ الإسلامي- جعل العاهرات والعاريات والسافلات مواضع القدوة والمثل، وأسوأ منه أن جعل الشرفاء الأطهار إرهابيين، والطغاة المستبدين أهل الفخامة والجلالة والسمو.. كانوا يحلمون بأن تكون ثمة قنوات تنقل الحق إلى الناس، وتنقل الناس إلى الحق، وتساهم في إصلاح حال هذه الأمة.. ولكن..؟

كل هذا تحقق.. ولكن...

حدث ما لم يكن يتوقعه أحد.. ما لم يحسب له أحد حسابا..

ففي اللحظة التي وصل كل فريق إلى حلمه، ورأى هو والناسُ معه بأنه قد اكتسب ميزة جديدة، وومكسبا جديدا، ونقطة قوة جديدة.. في هذه اللحظة انهارت الآمال والأمنيات، وإذ بالأحلام التي هي وسائل تتحول إلى غايات.. ثم تحولت إلى نقاط ضعف.. ثم صار الحفاظ عليها هو هدف المرحلة (وكل مرحلة).. ثم غابت الغايات النهائية وذهبت في مسالك النسيان..

الإخوان المسلمون.. صاروا التنظيم الأكبر والأكثر شعبية في مصر، لكنه تنظيم مقصوص الجناحان، لا يملك أن يحل ولا أن يربط، يتلقى الضربات في صمت وربما ابتسام، تُفرض عليه المواقف السياسية بشكل عملي، ولا يستطيع أن يتجاوز الإطار المسموح له بالتحرك فيه.. لماذا؟ .. لأنه يحافظ على التنظيم، وعلى الجماعة..

فبدلا من أن يكون التنظيم والجماعة وسيلة يتحقق بها هدف الإصلاح، تحول الهدف ليكون الحفاظ على التنظيم نفسه وليتأجل هدف الإصلاح.. ثم تدور عليهم لعبة القط والفأر، فالتنظيم الشعبي الكبير الذي لا يملك شيئا أمام النظام صار –بعد السنين- لا يريد شيئا إلا الحفاظ على التنظيم، وصارت أعظم أمانيه أن يُعترف به رسميا وأن يرفع عنه لقب "المحظورة"..

وصار لزاما عليه أن يفهم المسار السياسي جيدا ليستطيع التعامل معه، وصارت الانتخابات "رسالة" حتى لقد أدت به لعبة السياسة إلى مواقف غير أخلاقية، ولا أبالغ لو قلت مواقف فاضحة، ولا مثال أوضح من ملف الأقباط؛ فالإخوان يتجنبون هذا الملف تماما لأنه ملف ملغوم سياسيا، والكلام فيه يهدد الجماعة ولا يحقق هدف "الحفاظ على التنظيم".. ولذا تصمت الجماعة تماما في موضوع وفاء قسطنطين، ثم تصمت تماما في أحداث مسرحية الإسكندرية والتي وقعت بسببها اشتباكات لما أثارته من تحقير للإسلام والمسلمين، ثم الموقف الأخير وهو السكوت التام والغيبوبة الكبرى إزاء موضوع كاميليا شحاتة، ولا كأن مصر هي عقر دار "كبرى الحركات الإسلامية"..

يا حسرة على الإخوان.. لقد تحولت نقطة قوتهم إلى نقطة ضعف.. هل كان حسن البنا أو أي من أتباعه يتوقع مثل هذه النتيجة؟

نفس الأمر لم يتوقع عبد القدير خان حين أخرج القنبلة النووية الباكستانية، ما كان ليتخيل أن سيأتي برفيز مشرف رئيسا لباكستان ليقول بأن مضطر للتعامل مع الأمريكان والرضوخ لهم حفاظا على القنبلة النووية التي تمثل قيمة استراتيجية يجب الحفاظ عليها مهما كانت التنازلات..

لقد تحولت القنبلة النووية من نقطة قوة إلى نقطة ضعف.. ويا حسرة على باكستان..

وعرفات.. وما أدراك ما عرفات؟

النموذج الأمثل في هذه القصة، لقد أعطوه المنظمة واعترفوا بها، ولكنهم أمسكوه منها، فصار يهذي تائها في مسالك المفاوضات التي لم تنته، ثم إذا أتى رجل لا يتحمل الدوران وليس له مثل صبر عرفات –أعني شارون- ضرب المنظمة بحذائه وحبسه في مقر المقاطعة ثم قتله..

ولقد بذل عرفات في الحفاظ على "مكتسبات" المرحلة الفائتة، وفي التمسك بالمنظمة ما جعله يواجه أبناء شعبه بالقتل والاعتقال والتعذيب، وعمل شرطيا للعدو حتى حقق ما لم يكن العدو يستطيع أن يحققه.. وهكذا، لما نسي هدفه من المنظمة، وصار هدفه المنظمة نفسها.. خسرها وخسر نفسه وخسر هدفه.. وذهب إلى مزبلة التاريخ راضيا غير مرضي عنه.

ثم القنوات الإسلامية.. حلم الإسلاميين الأثير منذ ظهر التلفاز الذي استحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر الله، وصار مأوى لحزب الشيطان.. جاءت القنوات الإسلامية، بدأت ضعيفة مهزوزة ضئيلة الإمكانيات شاحبة الصورة، لكن إخلاص العاملين عليها، وشيوخها، وحرصهم على تبليغ كلمة الله جعلها تلامس القلوب وتدخل البيوت وتثير كوامن الخير التي ظن الناس –وكثير من الدعاة- أنها انتهت إلى غير عودة..

وصار الأثر بعد حين ثمارا يانعة، حتى من كان يحرم التلفاز قال بأن القنوات فعلت في سنة ما كنا لا نستطيع أن نفعله في عشرين سنة من المساجد، ثم دارت العجلة.. ولما رأى المخلصون وأصحاب الأموال أن القنوات الإسلامية تجارة رابحة تكاثرت القنوات وانتشرت، تكاثرت كذلك البرامج الدينية في القنوات التي كان قد استحوذ عليها الشيطان فأنساها ذكر الله..

لقد صار للإسلاميين إعلام قوي.. رغم كل هفواته وزلاته، ومن ذا الذي حاز الكمال!!

ثم .. إذا بنقطة القوة تتحول إلى نقطة ضعف، تدريجيا نسي الشيوخ أن القنوات وسيلة إيصال للحق، فصارت القنوات هدفا بحد ذاتها.. وكما حافظ الإخوان على تنظيمهم، ومشرف على قنبلته، وعرفات على منظمته، حافظ الشيوخ على قنواتهم.. فتجنبوا الملفات الملغومة التي لا ترضي ولي الأمر، ولو كانت من صميم الدين..

حرب لبنان، ثم حرب غزة، ثم كاميليا شحاتة.. صمت وسكون تتناثر على جانبية كلمات يملؤها الحياء ويكسوها التلميح، ظاهرها بعض الحق وباطنها كل التخاذل والتراجع والتولي يوم الزحف.. وإذ بنا بعدما توقعنا أن تخوض القنوات الإسلامية حربا لتحرير المسلمة المفتونة في دينها، التي أسلمت إلى من يسومها سوء العذاب ولو أسفرت المعركة عن إغلاق القنوات.. (أليست الشهادة غاية المجاهد في سبيل الله؟).. إذ بنا نرى القنوات تتولى يوم الزحف .. اللهم إلا قناة الخليجية!

نقاط القوة .. صارت نقاط ضعف، والمكتسبات صارت فتنة! وعاد المجاهدون –بعد جهاد السنين- بخفي حنين، ولست أدري ما يكون نفع هذه القنوات ولا هذه التنظيمات التي تدعو إلى الله، ثم إذا استجيب لها فدخل الناس في دين الله تركوهم يُفتنون في دينهم ويُعادون إلى الشرك وعبادة غير الله؟؟؟

إن مثل الذين ذهبت أهدافهم وتضخمت وسائلهم كمثل أهل الجارية، فقد رُوي أن قوما حمقى ماتت لهم جارية فأتوا رجلا يسألونه كفنا، فقال: ما عندي الآن شيء، فقالوا له: نعود إليك بعد شهر فيكون قد تيسر عندك الكفن!

الأحد، أغسطس 29، 2010

يا معشر العلماء إما اعتدلتم وإما اعتزلتم

للهم توفني وأنت راض عني، توفني غير مفتون، توفني غير يائس..مولاي.. إن أردت بقومي فتنة فاقبضني إليك غير مفتون..يارب.. ماذا أقول وأنت أعلم بي؟ اللهم اسألك لطفا منك يشملني..

ترى من الأحق بالسب والشتم؟ من الذي يستحق أن أفجر نفسي فيه؟ .. لست والله أدري

لطالما سمعنا من الشيوخ والعلماء ودعاة الحركات الإصلاحية أن العيب في الشعوب، فهي لم تترب جيدا، لم تتأهل، ما زال عدد الذين يصلون الفجر لا يساوي الذين يصلون الجمعة، الناس جبناء، الناس خائفون، الناس جاهلون في حاجة للتعليم، الناس يحتاجون لأن يعرفوا عقيدتهم الصحيحة (وهذا بمعنى تمكنهم من الرد على الأشاعرة والمعتزلة والجهمية وطوائف الملل والبدع)، الناس لابد أن يتشجعوا (بمعنى أن يصوتوا لصالح المرشح في الانتخابات حتى ولو بدون أمل في النجاح، أو بدون قدرة على الإصلاح ولو فاز).

الشعوب .. الشعوب .. الشعوب.. الأمة الجبانة .. الضعيفة .. الخائرة .. الخاضعة لحكامها... إلخ

حتى لقد تحولت الأمة إلى أسوأ الأمم على لسان الشيوخ، من بعد ما كانت خير الأمم في قرآن الله وسنة رسوله..

والحقيقة أن الأمة بخير، لكنكم أنتم أيها القادة والعلماء والدعاة .. أنتم شر قادة لخير أمة، أنتم الذين لا تستحقون أن تكونوا على رأسها ولا أن تمسكوا بقيادها.. أنتم الذين لا نراكم إلا جبناء خائرين متخاذلين، تخرج منكم كلمة الحق –إن خرجت- وعليها أطنان الحياء والأدب والرقة والتهذب.. أنتم الذين قتلتم الأمة وأركعتموها للجبابرة وسميتموهم "أولياء الأمر".. أنتم الذين صمتم في موضع القول، وتوليتم يوم الزحف.. تعسا لكم وبعدا لكم..

وما أنتم ببعيد من إخوانكم الذين كانوا في الحبشة منذ قرون، حين فرض ملك النصارى على المسلمين أن يسلموا له في كل عام فتاة لينصرها، فكانوا يسلمونها له، غير أنهم كانوا يكفنونها ويصلون عليها ويقرأون لها القرآن ثم يعتبرونها في عداد الأموات..

الآن يتكرر المشهد، وآخر فصوله الأخت المسلمة كاميليا شحاتة التي ستتعلق برقابكم أمام الله، وتقول: هؤلاء خذلوني وأسلموني، وسكتوا عن أمري، وانشغلوا بمؤتمراتهم وبرامجهم وكتبهم، وأموالهم وأولادهم.. وسلامتهم.

يا الله ...

من ذا الذي تخيل أن يقف القساوسة الغادرون الذين خانوا ذمة المسلمين وخفروها على باب الأزهر، محاطين بكلاب أمن الدولة ثم يسألون من أنت و"هات بطاقتك"؟؟؟ لقد حدثت .. أي والله لقد حدثت.. وما أعرف كيف سيقرأ الأبناء والأحفاد هذه الأخبار ويتذكرون هذا التاريخ المرير الفاضح.

إنه والله أمر ما حدث في عهد سيد طنطاوي، أسوأ من تولى مشيخة الأزهر، وحدث في أيام رجل كان البعض يستبشرون به فإذا به يؤكد أنه شر خلف لشر سلف، تحت شر حكم أظل هذه البلاد.. ولئن كنت كرهت الرجل وأسقطته بسبب من جريمته في حق طلاب الإخوان المسلمين، في القضية التي سوقها الإعلام الفاجر باسم "ميليشيات الأزهر"، فوالله إن منع موظفيه من دخول امرأة في الإسلام لجرم يهون دون كل جرم وكل خطيئة وكل قبيحة..

فكيف وهو لم يمنعها من الإسلام فقط، بل أسلمها لمن يفتنونها عن دينها، فيعذبونها أو يقتلونها أو يحبسونها؟؟؟؟

ألا بئس معشر العلماء، ومعشر الدعاة.. تعسا لكل من علم وخاف على نفسه وعلى حساباته ففضل أن يسكت ولا يقوم بواجبه الذي يفرضه عليه العلم.. أم حسبتم أن العلم جاه ومؤتمرات وتقديم في المجالس والفضائيات؟؟؟

وحقا، جزى الله الشدائد كل خير عرفت بها عدوي من صديقي، وشديدةٌ كمصيبة كاميليا شحاتة كشفت لنا أن أعداءنا ليسوا الحكام فقط، بل الجبناء والساكتين من أهل العلم والدعوة.. ولئن كان علماؤنا –حين كانوا علماء بالفعل- كانوا يقولون للطغاة من قبل: "إما اعتدلتم وإما اعتزلتم".. فإننا نقولها لكم اليوم أنتم يا معشر العلماء والدعاة: "إما اعتدلتم وإما اعتزلتم".