الأحد، مارس 22، 2020

مذكرات رفاعي طه (24 - الأخيرة) كانت خطتنا ثورة شعبية يحميها أفراد من الجيش وقوة مدنية مسلحة


مذكرات الشيخ رفاعي طه (24 - الأخيرة)

من مؤسسي الجماعة الإسلامية المصرية

كانت خطتنا ثورة شعبية يحميها أفراد من الجيش وقوة مدنية مسلحة

·        هذه هي قصة قبول الشيخ عمر عبد الرحمن إمارة الجماعة الإسلامية
·        لم يكتشف أي معسكر للتدريب إلا قبيل اغتيال السادات بأيام
·        نصحت خالد الإسلامبولي أن يحلق لحيته ويبقى في الجيش

سجلها عنه وحررها: محمد إلهامي
لقراءة الحلقات السابقة:
تمهيد: موجز سيرة رفاعي طه – (1) طفولة بسيطة في قرية مغمورة  (2) أول الطريق إلى المسجد، وإلى السياسة – (3) أول تفكير في إقامة دولة إسلامية – (4) فهمت الحديث النبي من ضابط أمن الدولة (5) أحرقَ كتاب سيد قطب في الصومال – (6) قصتي مع التصوف – (7) ثورة في المدرسة - (8) كنت عضوا بالاتحاد الاشتراكي - (9) كنا البديل لما لا يعجبنا - (10) أخفقت خطة إقامة الدولة الإسلامية - (11) انكسار الأحلام في حرب أكتوبر – (12) انضمامي لليسار – (13) قصتي مع اليسار في الجامعة – (14) بيعتي للشيخ السماوي –  (15) بداية زعامة صلاح هاشم – (16) محاولة الإخوان الهيمنة على جامعة أسيوط – (17) كيف صار ناجح إبراهيم أمير الجماعة الإسلامية؟ - (18) الانشقاق بين الإخوان والجماعة الإسلامية في أسيوط – (19) أخفقت في التوفيق بين الإخوان والجماعة الإسلامية – (20) لم يتسامح السادات مع التيار الإسلامي – (21) نظرة من الداخل على التيار الإسلامي بجامعة أسيوط – (22) حاربنا التحرش في جامعة أسيوط بترتيب يمنع الاختلاط – (23) حقيقة الصفقة بين السادات والتيار الإسلامي ضد اليسار

أعود إلى لحظة تأسيس الجماعة الإسلامية..

وكنت ذكرت أنها قامت على رؤية تخالف رؤية الإخوان والسلفيين أيضا، فقد كانت الرؤية: تكوين جماعة ثورية دينية عقدية سلفية للتغيير، ونستطيع التأريخ للاجتماع التأسيسي بهؤلاء الستة (صلاح هاشم وأسامة حافظ وحمدي عبد الرحمن وأبو بكر عثمان وناجح إبراهيم ورفاعي طه)، في أواخر السبعينات (1978 – 1979م). وقد بسطنا رؤيتنا في جلسات عقدناها في الجمعية الشرعية، حددنا فيها "من نحن؟" و"لماذا الجماعة الإسلامية اليوم"؟ وكتبنا فيها هذه الأفكار في كشاكيل كانت تُدَرَّس للإخوة، وهذه وثائق هامة لا أدري إن كان ثمة أحد من قادة الجماعة الإسلامية يحتفظ بها أم لا.

كنا نعرض أنفسنا وأفكارنا على الشباب من واقع ما نخرج به في هذه الجلسات، لم يكن الميثاق قد كُتِب بعد، إنما كتب ميثاق الجماعة الإسلامية فيما بعد في السجن.

تتلخص وسيلتنا للتغيير في: ثورة شعبية يدعمها إخواننا في الجيش أو بعض الإخوة المدربين على حمل السلاح.

وبهذا تلخص عملنا في ثلاثة أمور:
1.    دعوة نشطة تُسَفِّه النظام وتعمل على تثوير الشعب المصري
2.    تكوين مجموعات في الجيش تعمل على الانحياز للثورة أو على الأقل عرقلة وتعويق تحرك الجيش للقضاء عليها
3.    مجموعات مدنية مدربة على السلاح تتمكن من حماية الثورة عند قيامها

ولم نضع تصورا زمنيا لهذا، كنت من الذين يقولون إن التصور الزمني ينبغي أن يظل مفتوحا، حتى نختبر أنفسنا وإمكانياتنا وقدراتنا.

 على أنني، وبعيدا عن عمل الجماعة الإسلامية، وقبل أن تستقر لدينا هذه الرؤية في الجماعة الإسلامية، بل قبل أن تتحول الجماعة الإسلامية التي تكونت في الجامعة إلى تنظيم يعمل خارج الجامعة، قبل هذا كله كنتُ أعمل بشكل ذاتي ومنفرد على تجميع الضباط العسكريين، وبدأت بالفعل في البحث عمن يمكن أن يكونوا نواة عمل في الجيش، مثل الشيخ محمد شوقي مع خالد الإسلامبولي، وهكذا!

وكنت أعرف ضابط من مركز أرمنت اسمه محمد أحمد القيرفاني رحمه الله، وقد سُجِن في أحداث 1981 فيما بعد، وكان برتبة مقدم في كلية الفنية العسكرية ومديرا لمطار الأقصر.

تعرفت على خالد الإسلامبولي حين كنا معا من تلاميذ الشيخ السماوي، وكان من تلاميذ الشيخ السماوي أيضا عبد الحميد عبد السلام وهو المتهم الثاني في قضية اغتيال السادات.

وأذكر يوما قال لي فيه خالد الإسلاميولي: إن الشيخ عبد الله السماوي يحثنا على ترك الجيش بسبب أن إعفاء اللحية ممنوع فيه.

فقلت له: لا تترك الجيش، بل احلق لحيتك.
قال: هل لديك دليل شرعي على هذا؟
قلت: نعم، إن حلق اللحية حرام لا شك، لكن النفع الكبير الذي قد يأتي منك لو بقيت في الجيش أعظم بكثير من إعفاء اللحية وترك الجيش.

وأقنعته بهذا، واقتنع!

ثم قررنا أن نجمع الضباط الذين انضموا إلينا، لنجعلهم في مسؤولية الشيخ عبود الزمر، وكان الشيخ كرم زهدي قد تعرف في ذلك الوقت على أخ من بولاق اسمه شعبان، وكان تعارفهما في العمرة أو الحج، وعرف منه أن ثمة تشكيل آخر في الصعيد يبحث نفس الفكرة.. كان هذا التشكيل هو مجموعة محمد عبد السلام فرج!

عقد الشيخ كرم العزم على التعرف على محمد عبد السلام فرج حين يعود إلى مصر، وزاره مع أخينا شعبان هذا، وحصل بينهما توافق وانسجام، ونمت بينهما أخوة ومحبة في الله، ثم زارنا الشيخ محمد عبد السلام وبدا أنه قريب للغاية منا، وسرعان ما توطدت العلاقة بيننا.

إلى ذلك الحين كان مجلس شورى الجماعة الإسلامية هو المجلس نفسه الذي ضمَّ قيادات العمل في الجامعة، وهم قد تخرجوا الآن، وصاروا مجلس شورى الجماعة الإسلامية التي تكوَّنت لها هذه الرؤية التي أسلفت الإشارة إليها. ثم عزمنا أن ننشيء مجلسا قياديا خاصا بالتنظيم العسكري الذي سيتحمل مؤونة التغيير الثوري، وكان هذا المجلس الخاص بالتنظيم هو الذي ضمَّ صفوة المؤسسين للجماعة الإسلامية باعتباره التنظيم الأهم والأكثر خطورة، لكن تدريجيا صار هذا المجلس الخاص هو هو نفسه مجلس شورى الجماعة الإسلامية كلها.

تكون هذا المجلس من الشيخ طلعت فؤاد قاسم والشيخ صلاح هاشم والشيخ عصام دربالة والشيخ كرم زهدي، وكان لقاؤنا التأسيسي الأول في بيت الشيخ طلعت فؤاد قاسم في نجع حمادي، المركز التابع لمحافظة قنا، وكان المبادر إلى ذلك الشيخ طلعت فؤاد قاسم فتولى هو مسؤولية هذه الجلسة، وفيها بادر الشيخ كرم زهدي قائلا: هذا الأمر عظيم وهذا العمل كبير، ويحتاج إلى قاعدة اقتصادية وقاعدة عسكرية، فأرجو أنكم تفوضوني لهذا الأمر. فوافقنا!

والتفويض هنا بمعنى أن يكون له أمر اختيار الشخص المناسب لكل عمل أو مسؤولية، بحيث يتحقق الهدف: بناء القاعدة الاقتصادية والعسكرية للجماعة الإسلامية بتحقيق وجود قوي للجماعة داخل الجيش وبناء مؤسسات اقتصادية توفر التمويل اللازم لكل العمل الدعوي والتنظيمي.

وسرعان ما انضم إلى المجلس الشيخ حمدي عبد الرحمن والشيخ ناجح إبراهيم والشيخ عاصم عبد الماجد والشيخ محمد عبد السلام فرج والشيخ عبود الزمر، فهذا هو مجلس شورى الجماعة الإسلامية الذي تشكل باختيار من الشيخ كرم زهدي بناء على التفويض المُعطى له في اللقاء التأسيسي أو اللقاء التنظيمي الأول، وكان المجلس يتمثل في أحد عشر عضوا –أو ثلاثة عشر عضوا- بقيادة الشيخ كرم زهدي.

تأخر عن الانضمام الشيخ أسامة حافظ، كان متحفظا على أمريْن؛ الأول: خوض الجماعة في المجال العسكري، فقد رأى أنه يسير بخطوات متسارعة للغاية ويجب أن يكون الأمر أبطأ وأكثر أناة وتريثا. والثاني: العمل مع إخوة الوجه البحري الذين تعرفنا عليهم مثل الشيخ محمد عبد السلام والشيخ عبود وغيرهم. إلا أنه في نهاية الأمر التحق بالركب وانخرط في العمل.

انقسم العمل إلى ثلاث لجان رئيسية: لجنة العُدَّة، ولجنة الدعوة، واللجنة الاقتصادية. فالأولى يهمها الإعداد العسكري ورئيسها الشيخ كرم زهدي، والثانية للعمل الدعوي الشعبي التثويري ورئيسها الشيخ محمد عبد السلام فرج، والثالثة: لتوفير احتياجات العمل كله ولا أذكر الآن من كان رئيسها.

نشطت لجنة الدعوة في الوجه البحري لكونها تحت قيادة محمد عبد السلام فرج، بينما كان نشاط بقية اللجان يغلب عليه الصعيد لطبيعة القائمين عليه.

نبتت في ذهن الشيخ كرم فكرة أن نضع على رأس الجماعة أميرا يكون من علماء المسلمين، فالجماعة إنما هي جماعة إسلامية شرعية دينية، ومن اللائق أن يكون على رأسها عالِم، وبحثنا عن عالم معتبر يمكن أن يقبل بهذه المهمة، فوقع الاختيار على الشيخ عمر عبد الرحمن، فقد كان أكثر العلماء جرأة وقوة في هذه المرحلة.

 ذهب ثلاثة منا، وهم الشيخ كرم زهدي والشيخ طلعت فؤاد والشيخ محمد عبد السلام، إلى الشيخ عمر عبد الرحمن، وعرضوا عليه أفكار الجماعة وأهدافها وقيامها على محور دعوي وعمل عسكري وعمل شعبي وهكذا، وكان السؤال الأول: هل جماعة بهذه الصفة يجوز لها أن يكون على رأسها عالم من العلماء؟ فقال: يجوز أن تستعينوا بعالم من علماء المسلمين ليقوم بأمر الجماعة.

وبعد حين ذهبوا إليه مرة أخرى عارضين عليه أن يكون هو نفسه هذا العالِم:
-      قالوا له: قد وقع اختيارنا على فضيلتك للقيام بهذا الأمر
-      فقال: لا أستطيع ذلك، وهذه مهمة كبيرة، ويحسن أن يقوم بها رجل صحيح وليس ضريرا مثلي!
-      فقالوا: هل كون الرجل ضريرا يمنعه شرعا من أن يتولى إمارة جماعة للمسلمين؟ أم أن الأمر متعلق باستطاعتك أنت نفسك؟
-      فقال: لا، من الناحية الشرعية يجوز للضرير أن يكون أميرا، وقد أمَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أم مكتوم –وكان أعمى- على المدينة حين خرج لبعض الغزوات، لكن المانع هو الصعوبة الخاصة بي أنا.
-      فقالوا له: لا عليك من هذا، فنحن معك، ونحن بصرك الذي تبصر به، وسمعك الذي تسمع به، وكلنا لك أعوان وأتباع.
وانتهى الأمر على أن أقنعوه، وبايعوه أميرا على الجماعة الإسلامية.

صار الشيخ عمر أميرا على الجماعة الإسلامية ولم تعلن إمارته لها، إنما أعلنت بعد أحداث 1981م، ولم يكن الشيخ في ذلك الوقت معروفا لعموم أعضاء الجماعة الإسلامية بل كان معروفا لمجلس الشورى.

ولقد كان الشيخ عمر رجلا كبير النفس قويا، وما كان أمرا سهلا أن يتولى أحد قيادة جماعة على هذا النحو أبدا، وأظن أن المسؤولية عُرِضت على آخرين تلميحا لكن أحدا منهم لم يُبْدِ تجاوبا كافيا للفكرة نفسها، إلا الشيخ عمر، فقد كانت قوته وحماسته وعلو همته وتجاوبه مع الفكرة مما شجعنا على إسنادة الإمارة له، ولما قبلها بعد إلحاحنا عليه، قطع إعارته لكلية البنات الإسلامية في السعودية، وهذه فرصة عمل متميزة يسعى لها الناس، إلا أنه تركها وتخلى عنها وبقي ليتولى أمر الجماعة التي كانت ما تزال في مرحلتها الهلامية ولما يستتب أمرها بعد. ولقد شهدت الجماعة أفضل عصورها في هذه المرحلة.

 ثم تسارع الأمر، وبدأن نختار أماكن لتدريب الشباب في الجبال، كان منها أماكن في قنا وسوهاج، وبدأنا نجمع الإخوة الضباط الذين كانوا معنا مثل الشيخ عبود الزمر وأحمد القيرفاني وخالد الإسلامبولي، وكان هذا التسارع المفعم بالحماسة هو اللائق بشباب حديث التخرج في ذلك الوقت.

ولم يكن كل عضو في الجماعة الإسلامية يرسل به إلى التدريب، بل لا بد أن تتحقق في هذا العضو شروط خاصة، وقد بدأ هذا الأمر من سنة 1979/1980م وبحلول أحداث 1981 كان لدينا في الجماعة من مائتين إلى ثلاثمائة عنصر مدرب من الجماعة الإسلامية، وطوال ذلك الحين لم يُكتشف أي شيء من معسكرات تدريب الجماعة الإسلامية، ولا أي عضو، ولا أي سلاح. بل إن أول حالة جرى اكتشافها في 18 سبتمبر 1981م، أي قبيل أحداث المنصة بفترة وجيزة!

كانت الجماعة الإسلامية، بمثابة الأم، ويُنتقى منها الأعضاء الصالحون لهذا العمل النوعي العسكري الذي يعمل على تغيير النظام، بينما بقية جسم الجماعة علني مفتوح، يمارس النشاط الدعوي والاقتصادي والسياسي، ولها علاقاتها الممتدة بالأطراف الموجودة في ذلك الحين، ولا تستنكف من التعاون مع أحد، وقد آلينا على أنفسنا أن تكون علاقتنا حسنة بالجميع: الإخوان المسلمين والسلفيين والأزهريين والأحزاب القائمة التي كانت في ذلك الوقت منبرا أكثر منها أحزابا حقيقية.

وركزنا العمل في ذلك الوقت على أئمة وزارة الأوقاف، إذ هؤلاء هم خطباء المساجد، وكان لنا في هذا الباب نشاط كبير، وقد كان معظمهم من الشباب القريب منا في السن، وكنا نؤثر فيهم، ونجحنا في مرحلة لاحقة أن يكون كثيرا من هؤلاء على خط الجماعة الإسلامية لا سيما في الصعيد، وبهذا الأسلوب تحولت كثير من المساجد التابعة لوزارة الأوقاف إلى مساجد تابعة لدعوة الجماعة الإسلامية.

ولعل المعاصرين الآن لا يتذكرون أن أئمة وزارة الأوقاف في ذلك الوقت كان السائد فيهم حلق اللحى وتدخين السجائر، وإنما هو يرتقي المنبر ويخطب الجمعة كجزء بارد من وظيفة ميتة يتقاضى عليها أجرا لا أكثر، ولا يخطر بباله أمر الدعوة إلى الله ولا هداية الناس. وقد طرأ التحول على عموم أئمة المساجد والخطباء حتى صار عيبا أن يوجد فيهم حليق اللحية أو مدخن السجائر أو الذي يكرر الخطبة الميتة ويحفظها في المناسبة، هذا التحول إنما كان للجماعة حظ كبير منه!

كانت لنا مجهودات أخرى مع الشيوعيين والصوفية والعصاة، ثم مجهودات أخرى في هذا العمل التغييري، لقد كانت هاتان السنتان (من أواخر 1979 حتى أحداث 1981م) حافلتين بالبركة والنشاط، إن الإنجاز الذي حصل فيهما بالمقارنة إلى حجمنا وقدراتنا كان شيئا عظيما جدا جدا جدا!

لعلنا في الحلقة القادمة نستعرض المجهود المبذول مع الشيوعيين والصوفية والعصاة إن شاء الله..

***
أقول أنا محمد إلهامي:

لكن الله تبارك وتعالى لم يشأ، سبحانه هو الحكيم الخبير، فقد كانت هذه آخر مرة لقيت فيها الشيخ لتسجيل مذكراته، بتاريخ الأول من نوفمبر 2015م، ثم شُغِلْت عنه وشُغِل عني، ولم يتيسر أن نستكمل بقية هذه المذكرات حتى فوجئت بخبر استشهاده في الشام (إبريل 2016م) رحمه الله.


السبت، مارس 14، 2020

في ذكرى وفاة العقاد

 

 بمناسبة ذكرى وفاة العقاد اليوم (14 مارس 1964م)، أجدها فرصة لقول بعض الأمور فيه وعنه:

 1. بداية فإن للعقاد (أربعة) كتب تصنف على أنها من السيرة الذاتية: أنا، حياة قلم، سارة، في بيتي.. لكن الذي يحب أن يغوص في آراء المفكر وتأملاته سيجد بغيته عند العقاد في "أنا" (وهي مجموعة مقالات نشرت بعد وفاته، ولم يختر هو لها هذا العنوان)، أما من يحب أن يستكشف عصر المؤلف في مذكراته فسيجد بغيته في "حياة قلم".

 2. كان العقاد واحدا من أجدر الناس لأن تجتمع فيهم موهبة الأدب وثقل عقل المفكر، وهذان أمران لا يجتمعان إلا للندرة من الناس عبر الأجيال، فالرجل إما بارع اللغة ساحر البيان لكنه أقرب للعاطفة وإما ثقيل العقل صاحب حكمة ولكن بيانه جاف وأسلوبه ثقيل.. ولكلٍّ مشربه، وما علمتُ أحدا صاحب عقل إلا تمنى أن يكون صاحب قلم، ولا صاحب قلم إلا تمنى أن يكون حكيما!

 والذي يغلب على العقاد أنه صاحب عقل، مع موهبته الواسعة في الأدب، لم يستطع أن يكون شاعرا مطبوعا، وأغلب ظني -وهذا شعورٌ يطغى عليّ من قراءاتي له- أن هذا كان أهم أسباب نفوره من شوقي، ولئن كان شوقي لا يُقارن بالعقاد في باب الموسوعية والفكر فإن العقاد لا يصمد أمامه قيد شعرة في باب الشعر.. فشوقي شاعر ساحر يجدد العهد بالبارودي أو حتى بالمتنبي، بينما شعر العقاد شعر حكيم جاف!

 ولا يمنع هذا أن يكون في شعره نادر جميل، كقصيدته "صغير يطلب الكبرا ..." أو كأبياته "أنا لا أُلوم ولا أُلام .. حسبي من الناس السلام"!

 لكن نفسية العقاد التي تطلب المقام الرفيع الأول في كل شيء، حين عجزت عن إدراك هذا مع شوقي، بغت عليه.. وقد ذكر أنيس منصور في كتابه (هؤلاء العظماء ولدوا في هذه السنة 1889م) أن شاعرا أسمعَ العقاد قصيدة لشاعر عراقي فأعجبته وطرب لها، فلما أخبره أنها لشوقي انزعج منه وسبَّه!!

 ولعلي أزيد فأقول إن محاولة العقاد لتنويع القافية في القصيدة الواحدة، فيما سماه هو "تجديد الشعر" إنما كانت لأن دقته التي توجبها عليه نزعته الفكرية يتعسر عليها توليد المعاني في قصيدة طويلة على قافية واحدة.. لا سيما وأن العقاد كان يحارب بقوة محاولات "تجديد الشعر" التي تعني التخلص من الوزن واعتماد التفعيلة، وكان يقول: من لم يُحسن هذا الشعر فلا تثريب عليه أن يتركه ولا يجهد نفسه في تكلف ما لا يحسن، إلا أنه لم ينصح نفسه بهذا حين طلب من القصيدة أن تتغير قوافيها.

 3. سمى العقاد العصر الذي عاش هو فيه بأنه عصر بابل، يقصد بذلك فوضى الأفكار واضطرابها واختلاف أهلها في المسار الصحيح في زمانهم، وكان توصيفه هو لهذا العصر من أجمع ما قرأت من التوصيف، فهو عصرٌ تشابكت فيه الهويات: الإسلامية والوطنية والتغريبية، فثمة احتلال إنجليزي وثمة خديوي وثمة خلافة عثمانية وثمة استقلال شكلي وثمة أحزاب تعبر عن هذا كله، وثمة أحزاب ترفض هذا كله، وتتضارب المصالح والمنازع والمشارب..

 ولهذا فإن تقييم شخصيات هذه الفترة هو في الواقع عمل من أعقد الأعمال أمام المؤرخين، والكتابات السطحية التي تحاول وصف شخصيات هذه الفترة كتابات تسيئ لأصحابها.. نعم، يمكن للمؤرخ والباحث والمفكر أن يقول بخطأ هذا أو صواب هذا، لكنه يجب أن يحمل معه في هذا التقييم شعورا بروح هذا العصر الذي لم تكن فيه العبارة الواحدة تحمل بالضرورة موقفا فكريا، ولم يكن الموقف السياسي يحمل بالضرورة موقفا من الهوية.

 ومع أن العقاد اختار من بين هذه الضوضاء الكثيرة أن يعمل في صفوف حزب الوفد وأن يتغزل بسعد زغلول، إلا أنه -لطبيعة شخصيته الشديدة الاعتزاز بنفسها- سرعان ما ترك الوفد، لم يستطع أحد بعد سعد زغلول أن يحتويه، فاصطدم بالنحاس ومن معه فاستقال، وعاش مستقلا مفكرا معتزا بنفسه.. وكان من الأقلام القوية التي تجابه فساد الحكم، إلى أن جاء انقلاب العسكر 1952 (وكان العقاد وقتها شيخا في الثالثة والستين من عمره) فندَّت من العقاد بعض مدائح له ثم لزم الصمت إلى أن مات (1964م) ولم يستطع أن يقف موقفا قويا كالذي وقفه تلميذه سيد قطب!

 وبالمناسبة، سيد قطب كان من أشد المعجبين بالعقاد والمتحمسين له، لكن العلاقة بينهما فترت حين نقد سيدٌ العقاد مرة، فلم يغفرها له العقاد.. لم يكن يدرك أن انحياز سيد له هو انحياز أديب قوي الشخصية لا انحياز تابع.. ومع هذا، فقد تحدث د. صلاح الخالدي -أشهر من ترجم لحياة سيد قطب- عن أن العقاد كان معجبا بموقف سيد قطب، وإن عجز عن اتخاذ موقف مثله.

 4. رغم هذا الكم الوفير من كتابات العقاد الإسلامية، العبقريات وغيرها، ورغم الموهبة الأدبية التي جعلته لصيق الاستشهاد بالقرآن والسنة وكلام العرب وأشعارهم، إلا أن خلل تصور العقاد عن الإسلام خلل واضح، أو يمكن القول إن العقاد دخل إلى الإسلام من أبواب سجالية جعلت طريقة فهمه ومعالجته لقضاياه غالبة عليها..

 ففي عصر الرموز الكبرى التي ملأت الدنيا وشغلت الناس كتب العقاد عبقرياته، وهو قد كتبها ضمن طريقته في الترجمة، وطريقته في الترجمة متأثرة بالثقافة الغالبة في عصره، والثقافة الغالبة في عصر تُعَظِّم من شأن العلم وقدرته على تفسير كل الظواهر، لهذا كان مدخله إلى تراجم الشخصيات مدخلا تعظيميا لعلم النفس، يبحث في كل شخصية عن مفتاحها الذي يفسر كل أعمالها، وقد أخلص لهذه الطريقة.. إلا أن الإنسان ما يزال أعقد -حتى بعد أكثر من نصف قرن من وفاة العقاد- من أن يخضع لنظرية نفسية، أو لنقل: لم يزل علم النفس لم ينتج نظرية كاملة لتفسير الإنسان.. ومن هنا فقد حملته هذه الطريقة على اعتساف التفسير أحيانا، وعلى التركيز على أمور وإقصاء أمور حتى تخرج الشخصية منتظمة على هيئة المفتاح الذي اجتهد العقاد في اكتشافه. قد يصلح هذا في ترجمة البشر، فالخطأ فيهم هين، أما أن يأتي في شأن الأنبياء والصحابة، فقد وقعت منه أخطاء بعضها لا يمكن قبوله.

 وفي عصر العلم، وسيادة نظرية التطور، خرجت كثير من عبارات العقاد تدل على أنه كان يرى أن المخلوقات غير الإنسان ما هي إلا محاولات الإله غير المكتملة لخلق الإنسان، فهذا الخلق إنما هو مسودات خلق الإنسان.. وهو شغوف بدراسة هذه المخلوقات (وأشار غير مرة إلى اهتمامه بالقراءة في غرائز الحشرات) لكي يفسر بها أخلاق الإنسان!!.. لا أستطيع أن أقول إن العقاد يؤمن بالتطور، أتورع عن قول هذا، وعباراته يمكن حملها على وجوه أخرى.. إنما أقول: كان الخلل في تصوره للإسلام هنا (في باب الخلق هذا) خللا واضحا.

 هذا إلى أمور أخرى تتعلق بالسنة النبوية وبالقراءات القرآنية وبنظام الإسلام في الحكم وبالموسيقى والتمثيل ونحو ذلك من أمور سادت في عصره حتى كانت لديه مقبولة بل وسار في فلسفتها (مثلا: تقبيل الممثل للممثلة عمل تتنحى فيه الغريزة الشهوانية إذ تحضر فيه رغبة الإجادة والإتقان).. كان الخلل في هذه الأمور واضحا لمن تشرب الثقافة الإسلامية.

 ولا يمنع هذا كله من الاستفادة من كتبه، فإن فيها خيرا كثيرا كثيرا كثيرا، وفيها نظرات مبتكرة وتفسيرات بديعة لبعض الظواهر والأمور، كما فيها اعتزاز وفخر بالإسلام، وردٌّ على الشبهات الغربية بمنطق قوي وباستشهادات غربية أيضا.

 ظننتني سأكتب أكثر من هذا حين تذكرت أن اليوم هو وفاة العقاد، ولكني أشعر أن العبارة لا تلين لي الآن، فلعلي أواصل الحديث عن العقاد في منشورات قادمة إن شاء الله.

السبت، مارس 07، 2020

نبوءة "المجتمع" التي تتحقق!


أول معرفتي باسم مجلة "المجتمع" حين كنت في فورة القراءة التي اشتعلت في وقت المراهقة، ولهذا قصة..

كنتُ حينها في أعماق صعيد مصر، وكانت تصلنا بعض أنواع المجلات الإسلامية، ومن بينها مجلة إسلامية كويتية كنت أتابعها بشغف، وفيها نشرتُ أول مقالاتي وأنا في الثالثة عشرة من عمري في بريد القراء، وفي ذلك الوقت كنا نكتب على الورق ونرسل بالبريد ويأكلنا الشوق حتى يأتينا العدد، وأذكر أن العدد الذي رأيت فيه اسمي لأول مرة كان كأنه يشع نورا من فرط فرحتي به!

وفي ذلك الوقت، وبينما كنتُ أزور شيخي الذي أحفظ القرآن على يديه إذ لقيت عنده قرينا له قد جاء من القاهرة، وسمعت من حديثهما أن ثمة مجلة أخرى كويتية أيضا لا تصل إلينا في الصعيد، واسمها "مجلة المجتمع"، وقد اختلف أصحابنا حول سرِّ عدم وصولها إلى الصعيد، فقائلٌ: إنها تتخطف منذ نزولها إلى القاهرة لقوتها وكثرة جماهيرها، وقائلٌ: إن السلطة في مصر لا تسمح بغير عدد ضعيف منها لا يكاد يكفي جمهورها في القاهرة، وقائل: إنها مع مجلات وصحافة أخرى لا تعدو التوزيع خارج القاهرة كما هو الحال في بعض الصحف والمجلات العالمية الأجنبية التي تخوض في السياسة بما لا ترضى عنه السلطة المصرية.

وما بالك بمراهق صعيدي شغوف بالقراءة يعرف أن مجلة إسلامية تتحدث في السياسة، فتوضع على صعيد واحد مع المجلات الأجنبية والصحف السياسية التي لا يقرؤها غير النخبة القاهرية المحظوظة، فعزمتُ على أن أوصي المسافر الثقة إلى القاهرة أن يبحث عن أعداد هذه المجلة ويأتيني بها، إلا أن أحدا منهم لم يفلح!

وقر في يقننا مع الفشل المتكرر في الحصول على نسخة من المجلة أنها صارت ممنوعة لا توزع في مصر، ولم يكن الوصول إلى خبر يقيني ممكنا للقارئين من أهل الصعيد، لشح الأخبار حول ما يُصادَر أو ما يُمنع، وذهب الأمل في العثور عليها.

ثم إني كبرت قليلا وصرت أذهب إلى القاهرة للدراسة أو للعمل، ثم صرت مقيما فيها، وكان العثور على مجلة المجتمع من أهدافي التي ظللت شغوفا بها ولم أعثر عليها قط، في ذلك الوقت تأكدت أنها ممنوعة، صرَّح لي بهذا عدد من موزعي الجرائد والمجلات، وبعضهم نصحني نصيحة المحب الشفوق: يا بني، أنت شاب وفي مطلع حياتك، ابحث عن الأشياء النافعة، ولا تبحث عن مثل هذه المجلات!!

كانت نصيحته هذه قد زادت من شغفي أنني أبحث بالفعل عن الأشياء النافعة..

ثم كان أن فتح الله علينا بالانترنت، وفيها صافحت وجوهنا للمرة الأولى المواد التي تنشر على مجلة المجتمع!

تذكرت هذا كله حين أخبرني مدير التحرير بأن مجلة المجتمع ستكمل نصف قرن هذا العدد، ورغب في أن أكتب، إن كنتُ كاتبا، عن مجلة المجتمع..

لكوني شغوفا بالتاريخ، فلا بد من الشغف بالتقليب في الأرشيف، وقد حداني الشوق قبل زمن للبحث عن العدد الأول منه، وقادني البحث والحمد لله إلى أن استقرت عندي الأعداد الأولى من مجلة المجتمع، وبينما أنا في تقليب هذه الأعداد، إذ لفت نظري قصاصة هي بمثابة النبوءة التي تتحقق، كان مقالا صغيرا تحت مسمى "في الضوء"، وكان شعاره "ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا"، وكان عنوان المقال "الطريق إلى خيبر"، وكان في العدد الثالث من المجلة.

قبل أن نتحدث عن هذه "النبوءة"، يجب أن نذكر أن الزمن الذي بدأت فيه مجلة المجتمع في الظهور كان يحمل خصوصيته، فقد كان زمن انهيار المشروع القومي العربي بعد تلقيه الضربة الهائلة الصاعقة بنكبة 1967م حيث اجتاحت إسرائيل جوارها العربي في عملية عسكرية هي الأسرع منذ الفتوحات العربية (والتعبير للأستاذ المفكر الراحل محمد جلال كشك)، وفي تلك المرحلة طاحت التفسيرات يمنة ويسرة وهي تحاول تقديم سبب الهزيمة، فمنها ما جعل الهزيمة أصلا أصيلا وطبعا طبعيا في جيناتنا ودمائنا وتراثنا وأننا أمة منكوبة مهزومة لا أمل فيها تحمل بذور الهزيمة في تراثها ولغتها وأدبها، ومنها ما قال بأننا لم نتعلمن بما فيه الكفاية أو لم نكن عربا كما ينبغي أو لم نكن علميين أو اشتراكيين بالقدر المطلوب... وهكذا!

كانت "المجتمع" صوتا ضمن الموقف الإسلامي الذي يشير إلى أن سبب الهزيمة على الحقيقة أننا تخلينا –بل وحاربنا- ديننا الذي هو أهم مكونات النصر، ولقد انشغلت المجلة منذ أيامها الأولى بقضايا إسلامية تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن تيار العروبة الجريح، لكنها مع قليل من النظر تسفر عن وجه الحل كما يراه المسلمون، لذا حفلت المجلة منذ أيامها الأولى بأخبار الأقليات المسلمة في عموم أنحاء العالم، وكتب فيها رائد الاقتصاد الإسلامي د. عيسى عبده منذ عددها الأول سلسلة عن الاقتصاد الإسلامي، وحددت المجلة أعداءها منذ غلافها الأول الذي كان يرسم صورة المقاوِم الذي يعبر فوق "الفساد، والاستعمار، والصهيونية"، ولقد وجدتُ عبارة عميقة لمحرر رسائل القراء يقول فيها عن الفارق بين الأمة الإسلامية وعدوها أنهم "أدركوا بعمق الفارق بين كلمتين اثنين، بين كلمة "يجب" وكلمة "كيف".

في ظل هذا كله لم يكن غريبا أن يعاني صندوق بريد رسائل المجلة من التخمة حتى إن محرره ليضطر إلى الاعتذار عن ضيق المساحة واقتضاب التفاعل مع الرسائل، وهو لم يزل في العدد الثالث. في هذا إشارة إلى أن المجلة كانت تملأ فراغا وتشبع احتياجا وتروي تشوقا للصوت الإسلامي لا سيما في هذه المرحلة.

تحولت الصحافة منذ أمد طويل إلى واحدة من أم موارد التاريخ، سواء التاريخ للأحداث أو حتى التأريخ للعلوم، فالذي يبحث في تطور علوم الاجتماع واللغة والخطاب والصورة لا يجد أغزر وأدل من المادة الصحافية. ومن هنا فإن وجود صوت إسلامي في هذه المرحلة بمثل ثِقل مجلة "المجتمع" يمثل إضافة قوية لفهم هذه المرحلة، وفهم الأفكار السائدة فيها، وفهم الحالة النفسية المهيمنة عليها.

في هذا الإطار تأتي "النبوءة" التي أسلفت الإشارة إليها، يشير الكاتب إلى ملاسنة وقعت في مؤتمر جدة بين وزير الخارجية الليبي صالح بوبصير حين طالب الدول الإسلامية بقطع العلاقة مع إسرائيل وهو يشير إلى السنغال، فردّ عليه وزير الخارجية السنغالي بقوله: لماذا تلومون السنغال ولا تلومون فرنسا صديقة العرب وفيها أكبر سفارة لإسرائيل؟ بل لماذا تحرصون على علاقات مع الاتحاد السوفيتي وهو لا يؤمن بالديانات؟

وبالطبع انجلى المؤتمر ولم يغير أحد موقفه لا من إسرائيل ولا من فرنسا ولا من الاتحاد السوفيتي، إذ كلٌّ يعمل على شاكلته أو ضمن مصالحه وارتباطاته الخاصة، وهو ما جعل كاتب المقال يُلَمِّح إلى أن استقلال البلاد الإسلامية لم يغير شيئا من حقيقة الواقع، فالدول التي كانت محتلة وليس لها صوت عند صدور وعد بلفور أو عند تقسيم الأمم المتحدة لفلسطين، لا زالت لا تفعل شيئا، بل إن غاية أحلام بعضا "قطع العلاقات" أو "إزالة آثار العدوان"!

ويندهش صاحبنا ويتفجع، كيف يمكن أن يكون هذا؟.. إنها حلول مخدرة وغير مقبولة، والحل الوحيد المقبول أن نعمل على قطع رأس الحركة اليهودية لا قطع العلاقات معها، وإزالتها من أرضنا وليس إزالة آثار عدوان حزيران. ثم أردف هذا بنبوءته:

"قد يُقال: إن هذا الحل فيه خيال وأحلام.. ونحن نقول: إن أي حل آخر سوف يوقفنا بعد عشرة أعوام موقف اليوم نفسه، والفارق الوحيد أننا سنجد العدو في داخل عواصمنا الكبرى، وفي الطريق إلى خيبر"!

ولقد كان، لقد حلَّ العدو بعد عشر سنوات في القاهرة، أكبر العواصم العربية، وهو الآن في الطريق إلى خيبر.. إن لم يكن قد وصل إليها فعلا!!



الاثنين، مارس 02، 2020

تركيا في إدلب ومبارك في قبره


محمد إلهامي

كان شهر فبراير 2020م حافلا بالأحداث التي تجبر القلم على تناولها، فيه خاضت تركيا ولأول مرة المعركة العسكرية دعما للثورة السورية ضد بشار الأسد، بل على الحقيقة ضد إيران وروسيا، وهو الأمر الذي يضع المخلصون أمامه أيديهم على قلوبهم رغبا ورهبا.

وفيه مات حسني مبارك وهو من أشهر طغاة القرن العشرين والذي حكم مصر لثلاثين سنة قاسية أجهز فيها على مكانة ومقام مصر إقليميا ودوليا فضلا عن مطاردته المحمومة للإسلام وأهله، وتمكينه للعلمانية والطغيان.

ولم ينته الشهر حتى فجعنا بوفاة الأستاذ الدكتور محمد عمارة، وهو من أشهر علماء مصر ورجال الفكر فيها، وقد قضى نصف قرن جنديا في معركة الإسلام ضد العلمانية –بفروعها: الماركسية والليبرالية- وضد الكنيسة الصليبية الطائفية في مصر، وبذل في هذا مجهودا ضخما لا أظن أن عاملا للإسلام في باب الفكر لم يستفد منه.

وفي آخر يوم من الشهر وقع الأمريكان مع طالبان اتفاقية تقضي بانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان بعد نحو عشرين عاما من الاحتلال، بعد مقاومة طويلة صبورة وثبات عنيد مديد، وبعد محاولات مضنية أمريكية لأن تقضي على طالبان حربا، ثم لتأخذ بالسلم ومناورات السياسة ما لم تأخذه بالحرب.

فكل موضوع من هذه الموضوعات جدير بأن يفرد له الكلام الكثير والمساحة الواسعة، ولعل ذلك يكون في مقام آخر، فأما الآن فلا بد من الإشارة بما يتناسب مع المجال المتاح.

(1)

في التاريخ قاعدة مضطردة تقول بأن الدول تولد بالحروب وتختفي بالحروب، فالحرب هي الصفحة الأولى في تاريخ كل دولة، وهي الصفحة الأخيرة في تاريخها، في تاريخ كل دولة حرب استقلال أو تحرير أو ثورة عنيفة تبدأ بها، وفي تاريخ كل دولة حرب السقوط والانهيار.

ولهذا سميت غزوة بدر بالفرقان، وهي المعركة التي تؤسس لوجود دولة الإسلام، وبها انتقل المسلمون من كونهم قلة لاجئة مشردة في ناحية من الأرض إلى قوة إقليمية قادرة على إيقاع الهزيمة العسكرية القوية بجيش قوي! ولهذا كانت لها نتائجها القوية على مستوى الحجاز والجزيرة العربية كلها في ذلك الوقت.

والذين يختلفون حول ما إن كانت هذه القاعدة لا زالت تعمل أم لا في عصرنا الحديث يضربون المثل بالاتحاد السوفيتي الذي سقط وانهار بدون حرب عسكرية كبرى، لكن أنصار هذه القاعدة يجادلون بأن الحرب الباردة -التي كانت بمثابة حرب استنزاف طويلة وشاملة- هي حرب انهيار الاتحاد السوفيتي، وأن الاستسلام الذي أقر به جورباتشوف هو استسلام مهزوم عاجز وليست مراجعات مُفَكِّرٍ شيوعي كما حاول أن تبدو! وبعضهم يذهب إلى أن القوة النووية التي امتلكها أطراف الحرب قد منعت من الانزلاق إلى المواجهة الكبرى في صورتها الصريحة، فقد كانت المغامرة بانتشاب قتال نووي مغامرة خطرة يدرك الجميع أن خطرها ماحق، ولهذا فضَّل الطرف المقهور (السوفييت) أن يعلن الاستسلام ويحتفظ ببعض الإرث بدلا من انهياره كله، ولم يكن لدى الطرف الغالب المتفوق عسكريا مانع من أن يعطي هذا الفتات الباقي!

ليس المقصود الآن الخوض في الدرس الأكاديمي السياسي أو التاريخي، بل المقصود بيان أن التجربة السياسية لا تنجح إلا بعد أن تختبر عسكريا، ولا تنهار إلا بعد هزيمتها عسكريا، وهذا التدخل التركي في سوريا هو المواجهة العسكرية الأولى والاختبار العسكري الأول لتجربة العدالة والتنمية، وهي التجربة –التي مهما كان رأيك فيها- فإنها قد تعلقت بها أبصار المسلمين المتشوقين إلى دولة قوية قائدة، كما تعلقت بها أبصار أعداء الإسلام المتخوفين من بزوغ جديد للقوة الإسلامية.

لا أتذكر أني قرأت كتابا صادرا عن مركز بحثي غربي يتناول تركيا –من قريب أو من بعيد- إلا وكان يشير متخوفا إلى إمكانية أن تعود تركيا من جديد كقائد للعالم الإسلامي، أي: كخطر على الغرب والمسيحية!.. هكذا يرون المشهد. كما لا أتذكر أن قضية قوم مسلمين مقهورين في بقعة ما من الأرض لم يتطلع أهلها إلى الموقف التركي مهما كانت تركيا بعيدة عنهم أو عاجزة عن تغيير شيء من أحوالهم، من تركستان إلى بورما إلى الهند إلى إفريقيا إلى الأقليات المسلمة في الغرب، فضلا عن العالم العربي، تركيا حاضرة في أذهان المسلمين كدولة تستطيع –على الأقل- أن تُنادي بمظلوميتهم أو تمد يد المساعدة أو تكون ملجأ للفارين منها. والذي يتجول الآن في اسطنبول يرى أنها بحق عاصمة المسلمين.

هذه إذن هي المواجهة العسكرية الأولى لتركيا الجديدة، وليس معروفا إلى أي شيء تنتهي، فكما يمكن أن تنتهي سريعا إلى اتفاق ما، كما يمكن أن تنزلق إلى مواجهة كبرى، نسأل الله أن يهيئ لأمة المسلمين رشدا.. لكن المهم في كل الأحوال أن تخرج تركيا من هذه المعركة منتصرة، أن تخرج منها وقد تضاعفت قوتها وأدهشت أطراف النزاع بقدراتها العسكرية فيصير لها في لحظة الاتفاق موضع أحسن من الذي كانت فيه قبلها.

إن تجرؤ الروس على قصف الجنود الأتراك يعني أن الأطراف لم تستطع بالمفاوضات والمناورات الدبلوماسية الوصول إلى حل، وبات على الأطراف أن تتكلم بالنيران لحلحلة الموقف وتحسين مواقعها التفاوضية، وإلى لحظة كتابة هذه السطور يبدو الموقف التركي قويا ومدهشا، حتى إن مسؤولا غربيا بدا منزعجا من الرد التركي في ليلة واحدة إلى الحد الذي تخوف فيه أن يعلن بشار استسلامه!! (والغربي معروف، فهو يدافع عن حقوق الإنسان ما دام الطاغية متمكنا من الذبح، فإذا تزلزل موقفه حدَّثك عن أهمية الطاغية في محاربة الإرهاب وحماية إسرائيل وتحقيق المصالح الغربية!!).

وهذه الثورة السورية المباركة، ثورة الشام العظيمة، الثورة اليتمية بحق، إن كان قد نالها نفعٌ ما فلم يَنَلْها إلا من تركيا، ولستُ مهتما الآن بالدفاع عن الموقف التركي مع إيماني بأن الموقف التركي من الثورة الشامية ليس مجرد موقف مصلحي نفعي برجماتي كما هو حال السياسة المعاصرة العلمانية وإنما هو موقف يحضر فيه الإسلام والقيم كذلك، ولا يخلو بطبيعة الحال من المصالح؛ والمصالح في الحالة التركية الآن هي بمعنى: درء المفاسد لا بمعنى جلب المنافع، والمفاسد ليس أولها عبء اللاجئين الذين يقبل العالم كله بذبحهم في بلدهم ولكن تثور إنسانيتهم لموقف عنصري يصيبهم في تركيا أو بموت أحدهم على الشواطئ، ولا آخرها تهديد الدولة الكردية والوجود الروسي في الخاصرة.

ولقد تردد الأتراك كثيرا وطويلا قبل التدخل العسكري في سوريا، أو بلفظ أدق: لم تسمح أمريكا بذلك للأتراك وحدهم، بينما سمحت بذلك عمليا للإيرانيين –وسائر أتباعهم في لبنان والعراق وباكستان وأفغانستان وغيرها- ثم للروس (بل إن ثمة تسريبات نشرت مؤخرا تتحدث عن أن الأمريكان هم من طلبوا من الروس التدخل) ولآخرين كالفرنسيين والألمان كان وجودهم مقتصرا على أعمال التدريب والدعم والتأهيل. تردد الأتراك طويلا حتى صاروا أكبر الخاسرين وأقل المنتفعين وآخر المتدخلين في الملف السوري. ولا ينفي هذا أن قسما عظيما داخل السياسة التركية كان يتخوف من التدخل لئلا تكون هذه ورطته الكبيرة وبوابة استنزافه الضخم. حتى وصل الحال إلى حدٍّ عبَّر عنه الرئيس التركي بقوله "لو لم نوجد اليوم في سوريا، فغدا سنضطر للحرب داخل تركيا نفسها".

في كتاب "المائة عام القادمة" الصادر 2009م يتحدث جورج فريدمان، وهو من أكبر الخبراء الأمريكيين، عن أن منطقة الشرق الأوسط ستدخل في فوضى، وعن أن روسيا ستحاول أن تتمدد في حالة دفاعية هجومية في ثلاث مساحات: شرق أوروبا ووسط آسيا والقوقاز، وأن تمددها في القوقاز سيؤدي إلى اشتباك مع الأتراك، وأن الأتراك سيتواجهون مع الروس (في عقد الـ 2020م) وسيتلقون الدعم الغربي الكامل لهزيمة الروس وإنهائهم كقوة دولية، ثم ستتحول تركيا إلى دولة عظمى، تمثل –مع المكسيك وبولندا واليابان- التحدي القادم أمام الولايات المتحدة، مما سيؤدي لنشوب حرب عالمية (2050م) تنتصر فيها أمريكا وتحطم فيها هذه القوى العظمى، فالقرن الحادي والعشرين –كما يقول- سيكون قرنا جديدا من التفوق الأمريكي. فيما يخص تركيا، فإنها ستكون قائدة العالم الإسلامي، ستتمدد في القوقاز والبلقان بل ستسيطر على قناة السويس، وستعيد خطابها العثماني في كل هذه المراحل، وحين تبدأ مواجهة أمريكا لها فإن أمريكا ستعيد تجديد خطاب القومية العربية مرة أخرى.

ومما تعلمته من أستاذ متخصص في السياسة الأمريكية هي قوله: "الأمريكان حين يريدون فرض حلٍّ ما فإنهم لا يحاولون إغراء الآخرين به، بل يجعلون الآخرين مضطرين إلى هذا الحل". وحين ذكر لي هذا الكلام قبل سنوات تذكرت مباشرة قضية البوسنة، حيث اضطر علي عزت بيجوفيتش إلى ما لم يكن يرضى به أبدا وما ذلك إلا لأنه وجد نفسه أمام حرب إبادة للمسلمين، فإما الإبادة وإما الحل المطروح فاختار الحل الأمريكي المطروح كأهون الشررين. ثم ترددت كلمته في أذني على مدار السنوات الماضية ونحن نتابع تهجير السوريين من مناطقهم برعاية الأمم المتحدة.. لقد كان هذا أشبه بالجنون إذا عُرِض كحلٍّ في أي نزاع دولي. ذلك أن الحل الدولي المعهود لأي نظام يرتكب إبادة جماعية هي منع تصدير السلاح وفرض حظر جوي وتوجيه ضربات عسكرية إليه، أما أن تأتي الأمم المتحدة لتنظم عملية التهجير وإفراغ المدن ليستولي عليها النظام لقمة سائغة فهذا إبداع جديد!!.. لكن الشاهد هنا: كيف تحول التهجير من حل غير معقول إلى حل مطلوب مرغوب؟ لقد كان ذلك بحرب الإبادة التي صبت على رؤوس الجميع حتى صار الخروج من البلاد في الباصات الخضراء أمنية.

لئن صدقت توقعات –أو لنقل: تخطيط- جورج فريدمان حول النية الأمريكية في إنشاب حرب بين روسيا وتركيا فقد كانت سياسة السنوات الماضية دافعة لكليهما حتى حافة الحرب، ولم يبق إلا اشتعال الشرارة، والواقع أن التصريحات الغربية والأمريكية هذه الأيام تجامل تركيا –الحليف وعضو الناتو- بما لم يبوحوا بشيء منه يوم أزمة إسقاط الطائرة الروسية، حتى لكأن تركيا ليست حليفا ولا عضوا في الناتو!

ولن يكون هذا بعيدا عن المعهود من السياسة الأمريكية في إدارة الحروب، فالعادة الأمريكية هي أن تستنزف الجميع ثم تدخل الحرب في اللحظة الأخيرة لترث المشهد ومكاسبه بعد القضاء على الأطراف المرهقة، هكذا سيرتهم في الحرب العالمية الأولى والثانية، ولما خالفوا هذه السيرة ودخلوا بأنفسهم تورطوا كما في فيتنام وأفغانستان والعراق. وهذه الحرب السورية استنزف فيها الأمريكان السوريين والإيرانيين حتى فقدوا فيها صفوة نخبتهم وقواتهم وعددا ضخما من شباب الشيعة المقاتلين المدربين، ومنذ بدأ التدخل الروسي فقد بدأ استنزاف الروس أيضا، ومن ثَمَّ فإن الجولة القادمة هي لاستنزاف الروس والأتراك معا.

لهذا الوضع المعقد كله، يقف المخلصون لهذه الأمة وهم يضعون أيديهم قلقا من التدخل التركي في روسيا، يرجونه لنصرة المظلومين ولكسر الظالمين ولتقوية تركيا في الساحة العالمية، ويتخوفون من أن تكون هذه هي الورطة والفخ الذي يفضي إلى استنزاف قوتها وكسر نهضتها.. ولسان حالهم يقول (ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين).

فمهما يكون الموقف الجزئي المخصوص من تجربة تركيا أو من سياسة أردوغان، فهي اليوم في موقف إن انتصروا فيه كان نصرهم عائدا على الأمة كلها، وإن كانت الأخرى لا قدر الله، عادت هذه الخسارة على الأمة كلها، وأول الأمة هنا: الثورة اليتمية المقهورة في الشام، ثم ستنتكس أكثر –إن لم يكن: كل- القضايا الإسلامية في المشرق والمغرب. إنه يوم كيوم انقلاب 15 يوليو 2016، يوم تقف فيه الأمة معقلة القلوب والأبصار بربها ترجو ألا يصلح كيد المفسدين.


(2)

حسني مبارك..

لو مات حسني مبارك وهو في السلطة لتوقفت البلد من أجله، ولكانت جنازته جنازة مشهودة يؤمها الرؤساء من الشرق والغرب، ولانتفضت كل الصحافة والقنوات ووسائل الإعلام في التسبيح والتمجيد والتقديس لشخصه، ولنعاه المعارضون بأحر العبارات، وأما من لم تسمح نفسه بالمشاركة في هذه الحفلة فكان سيجلس في بيته حتى تنقضي العاصفة، يخشى على نفسه إذا تكلم ضد التيار.

فأما لو مات حسني مبارك بُعيْد ثورة يناير وهي في زخمها القوي، فإن مجلسه العسكري نفسه لم يكن ليجرؤ على إقامة جنازة عسكرية له، ولم يكن ليجرؤ أحد من الساسة في الإقليم أو العالم أن يتحدث عن فجيعته بفقد مبارك ولا أن يفكر في المخاطرة بحضور جنازته التي ستكون مقتضبة قصيرة عاجلة، ولربما أجراها مجلسه العسكري في إجراءات أمنية مشددة لئلا تكون مدخلا لاشتباك أو اقتتال تنفلت به الأمور مرة أخرى، وعندئذ، كان الذي سيمدح مبارك هو الذي سيتكلم خجلا متحفظا وملء كلامه العبارات الاستدراكية التي تنفي عنه تأييده، وأما الذين عُرفوا بتأييد مبارك فأغلبهم لم يكن ليتكلم أصلا، فإن تكلم فسيحكي عن فساده وكيف استرحنا منه، تماما كما فعل أكثرهم بعد سقوطه.

وأما إذا مات حسني مبارك في زمن عبد الفتاح السيسي.. فالأمر كما رأينا! جنازة تثبت أن مبارك كان رجلا من رجال الدولة القائمة، ولكنه "كان"، كان ولم يعد، ولهذا فجنازة عسكرية نعم ولكن عابرة، وصحافة وإعلام ينافق ويترحم ولكن سريعا، واهتمام سياسي لا يريد من سيرة مبارك إلا ترسيخ حكم السيسي، يأخذ من القديم بقدر ما يشرعن للجديد، ويترك منه بقدر ما يفارقه.

وهذا هو تأثير الواقع في كتابة التاريخ..

والعكس بالعكس أيضا، وكنت قد كتبتُ مثل هذا المعنى عند وفاة الشيخ عمر عبد الرحمن في السجون الأمريكية، وقلت: لو أنه مات في زمن مبارك لم يكن أحد ليأبه له، ولو أنه مات في زمن مرسي لكان حفل تأبينه في استاد القاهرة يتكلم فيه كل فصيح، ولكن حيث أنه مات في زمن السيسي فقد كانت جنازته العابرة في مصر ولكن حفل تأبينه في اسطنبول، حيث تلجأ المعارضة المصرية، فتكلم عنه مادحا حتى من لم يكن يعرفه.

ومثل هذا يقال في الرئيس الشهيد محمد مرسي رحمه الله..

والحمد لله الذي جعل الحساب خاصا به، وهو يعلم السر وأخفى، ولا تنفع معه قوة ولا عدة ولا سلطة ولا دولة.. يقف الجميع أمامه عاريا خاليا من كل قوة، يقضي فيهم وقد زال عنهم كل سلطانهم، يتلاعن يومها الظالمون وأتباعهم ويحمل بعضهم بعضا المسؤولية، ولا ينفعهم هذا أمام ربهم، (يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم) (يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة، ولهم سوء الدار).

لكن الأمر الذي نستفيده هنا أن الطاغية لا يفسد دنيا الناس فحسب، بل هو يفسد دينهم وأذواقهم وفطرتهم وقيمهم وأفكارهم معها..

هذا الطاغية الذي قضى ثلاثين سنة يحكم فيها البلاد بقانون الطوارئ، بالعنف والقهر والظلم والفساد، ثلاثين سنة كانت كافية لأي مخلص وطني أن ينهض فيها بالبلد لو أنه أراد، ولكنه لم يفعل، بل زاد الفقر وزادت البطالة وزاد المرض وزاد الموت.. وخذ من الموت ما شئت: حرقا أو غرقا أو هدما أو على الطريق أو بالتعذيب في مقرات أمن الدولة وأقسام الشرطة!

وكيف يمكن أن يصف المرء ثلاثين سنة في سطور؟!.. وأين يجد المرء على دليلا على فساد حاكم أوضح من ثورة شعبه عليه؟! فإن الشعوب طويلة الصبر واسعة الصدر لا تثور وتضحي بنفسها إلا إن بلغ منها اليأس كل مبلغ!

كان عهد مبارك أقل سوءا من عهد السيسي، ربما، يمكن أن نتجادل في هذه العبارة، لكن لا ننسى أن عهد مبارك لم تكن فيه فضائيات ولا انترنت ولا هواتف محمولة تستطيع تصوير الفساد وإرساله إلى وسائل الإعلام، المؤكد أن السيسي أكثر افتضاحا منه، لطبيعة التكنولوجيا في عصره، كما أن السيسي بغير شك أكثر سوءا وبلادة وضحالة في الكلام والمنطق، كان مبارك يستطيع أن يقرأ خطاباته بشكل سليم ويعبر عن أفكاره –مهما كانت ضحلة- بشكل مفهوم، بخلاف هذا الذي جمع عيي اللسان مع ضحالة العقل ثم يظن نفسه طبيب الفلاسفة وأنه قد حاز فهم سليمان!

مهما كان أقل أو أسوأ فإن النظام واحد، نظام عسكري علماني حديدي دموي فاجر، لا يبالي بطحن العباد وسحق البلاد، يمص ثرواتهم في القصور والزخارف تاركا نصفهم تحت خط الفقر ونصفهم الآخر يحذر أن يكون تحته! ثم هو نظام يطارد الدين وأهله، أحسن العلماء فيه من يستطيع أن يسكت أو يتكلم بالكلمة المحسوبة، فأما من جهر بالنكير فهذا في القبور أو السجون أو المنافي!.. والسكوت في حق العلماء في ظل هذه النظم قد يكون أعزُّ ما يُطلب منهم، ولا يقدر عليه إلا فحولتهم ورجالهم، وكفى بالصبر على السكوت -تحت بريق الذهب وظل السيف- مقاما عاليا.

إن الأمة اليوم في محنة.. إذ كيف يعرف الناس الحق من الباطل إن كان مقام السكوت للعالم مقام رفيع؟!

وهذا عبد الفتاح السيسي، الذي بلغت جرائمه كل مبلغ.. بل هذا بشار الأسد الذي ضرب الأرقام القياسية في طغيان الحكام العرب في هذا العصر.. هؤلاء لو ماتوا وهم في سلطانهم لسبحت بحمدهم الألسنة، وذرفت لهم العيون، وتوقفت لهم الدنيا.. وما في ذلك من عجب، لقد أفسدوا –ضمن ما أفسدوا- أفكار الناس وقيمهم ودينهم وأذواقهم، فصاروا لا يحسنون صنعا، وبدلا من أن يرجموا الطاغية ترحموا عليه!! وبدلا من أن يكون هلاك الطاغية خبرا سعيدا فإذا به يكون خبرا حزينا!!

إن الذي يملك القول من موقعه في المنفى أو من حسابه المجهول على مواقع التواصل الاجتماعي يقوم بمهمة عظمى، مهمة إصلاح ما أفسده الطاغية من وعي الناس وعقولهم، وما أحسب لمثل هذا أنه يجوز له السكوت أو التكاسل.. لا بد أن يبقى الحق حقا والباطل باطلا، وإلا اندثر الحق كله فلا يُعرف، بل قد يصير الحق باطلا والباطل حقا، وهذه هي عودة الإسلام غريبا كما كان.. وهؤلاء الغرباء هم الذين يحملون عبء إصلاح هذا الفساد وإعادة الإسلام من غربته لتكون له الكلمة العليا والسيادة العليا والمرجعية العليا.

ما أضيع الأمة وأبأس مصيرها إن كان الطاغية الذي يفتك بها في حياتها ويشبعها ذلا وقهرا ونكبات، هو هو نفسه الذي تبكيه عند موته وتترحم عليه وتحزن لأجله.. فيا أصحاب الأقلام والمنابر والقنوات والمواقع، ويا سائر من يملك أن يتكلم: لا تسكت.. لا تسكت.. لا تسكت.. فلعل كلمة منك تنقذ جيلا أو أجيالا، وإن كلمة الحق لها صلصلة تزيل ركام الباطل!

رحم الله كل مظلوم ومقهور ومقتول ومغدور ومأسور بيد كل طاغية، ولا رحم الله في أي طاغية مغرز إبرة منه، وشفى صدور قوم مؤمنين.

***

وأرجو أن يسامحني القارئ الكريم، فقد طال هذا المقال مني رغما عني، حتى صار متعذرا أن أطيله أكثر من هذا في الحديث عن وفاة د. محمد عمارة، وقد والله تركت وفاته في نفسي لوعة أسيفة، ولا عن الاتفاق الأخير بين أمريكا وطالبان، ولعل الله أن ييسر لكل منهما مقام آخر يوفيهما ما يستحقان إن شاء الله.