‏إظهار الرسائل ذات التسميات صحافة وإعلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صحافة وإعلام. إظهار كافة الرسائل

الخميس، يونيو 04، 2026

"أنصار النبي ﷺ" تدخل عامها الخامس


الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه..

بهذا العدد تدخل مجلة "أنصار النبي ﷺ" عامها الخامس، وتلك مناسبة نُذَكِّر فيها برسالة هذه المجلة وبعض الأمور المتعلقة بها.

تصدر المجلة عن "الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ"، وهي الهيئة التي جاءت ثمرة لاستجابة شعبية واسعة وغاضبة تجاه الرسوم المسيئة لنبينا الأعظم ﷺ، تلك الرسوم التي بدأت في فرنسا ثم تبنتها الحكومة الفرنسية، فاندلعت انتفاضة شعبية على شبكات التواصل لمقاطعة المنتجات الفرنسية، وبعد مرور عامٍ على هذه الحملة تداعى بعض العلماء والرموز والمشايخ لتأسيس "الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ".

كان الغرض من هذا التأسيس أن تتحول عملية نصرة النبي ﷺ من ردة فعل، هي بطبيعتها وقتية متفاعلة مع الحدث، ولا بد أنها ستنتهي وتخفت وتذبل مع مرور الأيام، إلى أن تكون مهمة مستمرة ودائمة، وهيئة لها واجباتها العملية الناتجة عن تفكير وتخطيط ومتابعة ومثابرة.

وبعد انطلاق "الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ" بستة أشهر، وُلِدت مجلة "أنصار النبي ﷺ"، لتكون أول فرع من هذه الشجرة، ثم تلتها فروع متعددة، مثل: "القبة الخضراء" وهو مشروع لحفظ سنة النبي ﷺ، و"مشروع بصيرة الدعوي" وهو يعني بدعوة غير المسلمين إلى الإسلام من غير الناطقين باللغة العربية، و"سفراء النبي ﷺ" وهم جمع كريم من المشايخ والدعاة والشباب المتطوعين الذين أخذوا على عاتقهم حمل رسالة هيئة أنصار النبي ﷺ والعمل بها في بلدانهم، و"وقف الأنصار" الذي يُعنى برعاية الأسر المحتاجة ودعمها، ومؤخرا جرى إطلاق "دار الإفتاء الإلكترونية" ردًّا على قانون تضييق الإفتاء في العالم العربي، ليكون منبرا حرًّا للمستفتين والمفتين، ومؤسسة مستقلة عن الخطوط الحمراء الحكومية.

وفيما يخص هذه المجلة، التي تدخل الآن عامها الخامس بفضل الله تعالى، فقد حملت على عاتقها أن تقوم بمهمة النصرة المستمرة، من خلال بيان قدر النبي ﷺ وعظمته وفضله على العالمين، وكيف أن ما جاء به النبي ﷺ من نور الوحي هو الكفيل بحل مشكلات العالم، الجليل منها والحقير!

ومن هذا المنطلق اتخذت المجلة موضوعا لكل عددٍ منها، مع فتح الباب للكتابة في موضوعات أخرى، وكل موضوعٍ من هذه الموضوعات كان متعلقا بمشكلة جاء النبي ﷺ بحلّها، أو بنموذج ارتبط بالنبي ﷺ هو قدوة للعالمين.

ورأينا من واجبنا في هذه المجلة أن نفسح فيها المساحة لصنفيْن من الناس حُرِموا أن يخوضوا معركة نصرة النبي ﷺ المعاصرة، وهما: العلماء والدعاة الراحلون، والعلماء والدعاة الأسرى.

فأما الراحلون فقد عنينا بهم العلماء والدعاة الذين ماتوا خلال هذيْن القرنيْن الأخيريْن فحسب، وذلك أنهما قرنا الهزيمة والنكبة، فمن وُجِد فيهما فقد تحقق له أمران كلاهما يجعل شأنه مختلفا:

الأول: أن الراحلين في هذين القرنين من أعلام الأمة هم في الغالب ممن لم يأخذوا حقهم في التعريف بهم ونشر تراثهم، وذلك أن هاتيك القرنيْن قد غلبت عليهما العلمانية والأحكام غير الإسلامية والحكومات غير الشرعية، فدُثر كثير من تراثهم ولم يحظ بالاهتمام اللائق به، فالواجب على خَلَفهم ممن تربى وتعلم على أيديهم وعلى كتبهم أن يوفي لهم بعض حقهم ويعيد التعريف بهم وبمآثرهم!

الثاني: أن الراحلين في هذيْن القرنيْن كانوا أقرب إلى قضايانا المعاصرة وطبيعة التحديات التي واجهتها أمتنا ممن سبقهم، فالذين عاشوا في عصور الاستضعاف والاحتلال والعلمانية عالجوا من الأمور ما لم يكن قائما لدى أسلافهم الذين عاشوا في عصور استقرار الإسلام وسيادته، فقُرب هؤلاء من قضايانا يجعل كلامهم أقرب إلى قارئنا المعاصر: عقله ونفسه وروحه!

ولهذا رأينا أنه ينبغي أن يُفسح لهؤلاء في مجال النصرة، توفية لحقهم وتعريفا بهم واستفادة منهم.

وأما الأسرى، فأولئك قوم حُرموا حين سُجِنوا من البذل والعطاء في معركة نصرة النبي ﷺ، وقد كانوا أحق بها وأهلها، بل إن تقدمهم في باب النصرة هذا هو ذاته السبب الذي جعلهم الآن أسرى، فإن الحكومات القائمة تبغض كل قائم لله بالحجة، وتبغض كل من كان ولاؤه لله ورسوله متقدما على ولائه للسلطة والنظام.

وحيث كان ذلك كذلك، فإن في بعث تراث هؤلاء المحبوسين المحرومين، واجبا على إخوانهم الأحرار، تعريفا بهم، وتذكيرا بهم، واستفادة من إنتاجهم، وتوفية لحقهم، فلو قد كانوا طلقاء لخاضوا معركة النصرة، فآثرنا أن نكون من أسباب الله التي يُكرمهم بها، فنعيد نثر نفحهم ومسكهم وطيبهم، وقد أريد له أن يكون مأسورا.

وعسى الله أن يهيئ لنا إن متنا أو أُسِرنا من يبث للناس كلامنا، فيكون من العلم الذي يُنتفع به.

على هذه الأقسام الثلاثة انبثقت المجلة في عددها الأول، واستمرت على ذلك في عامها الأول..

وشرعنا ننظر في القضايا التي ينبغي أن نعالجها، فمنها ما يكون مناسبة حاضرة: كالإسرائ والمعراج وتحويل القبلة وشهر رمضان والحج وبداية العام الهجري وذكرى المولد النبوي، ومنها ما يكون انتقاءً لمشكلة حاضرة.. فنأخذ في الاستكتاب لها، ثم في انتقاء ما كُتب فيها من تراث الراحلين والأسرى، حتى صارت المجلة وجبة فكرية دسمة!

ثم ما زلنا نرى من كرم الله وألطافه وتيسيره، ما جعل المجلة تكبر وتتوسع، مع أن فريقها لا يجاوز ثلاثة أفراد بالعدد، حتى كانت المجلة في عامها الرابع قد بلغت سبعة أقسام، ثلاثة ذكرناها وهي: القسم الذي يكتبه علماء الهيئة ودعاتها ومعهم علماء الأمة ودعاتها، وقسم الراحلين، وقسم الأسرى..

ثم أضفنا إليها أربعة أقسام أخرى، هي:

قسم يكتبه المهتدون الجدد الداخلون في الإسلام عبر مشروع "بصيرة" الدعوي، المنبثق عن الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ، يقصون فيها كيف كانت "بصيرة" سببا في اهتدائهم وتعلمهم الإسلام، فلقد فوجئنا في أثناء اجتماعات أقسام الهيئة بقصص عجيبة وطريفة للغاية، كلٌّ منها في ذاته يصلح أن يكون مقالا جميلا، بل حدثنا بعض المهتدين أنهم إنما اهتدوا حين قرؤوا قصص الذين سبقوهم إلى الهداية، فكان القرار أن نصطنع قسما لهؤلاء المهتدين، وهو ما كان، ولا يزال هذا القسم واحة هنيئة ومميزة بين صفحات المجلة، وهو بماثية الدوحة الإيمانية الصافية الرقراقة بين معترك القضايا الفكرية!

وقسمٌ يكتبه "سفراء الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ"، أولئك الذين ينبعثون برسالة الهيئة في بلدانهم، ويقيمون فيها من الأنشطة والفعاليات ما يجعلهم جنودا دائمين في هذه المهمة الشريفة، ومنهم من خرج في قافلة الصمود البحرية لفك الحصار عن غزة، ومنهم من أجرى حوارات مع أعلام بلده أو غيرهم من الأعلام، فكانوا إضافة جليلة لمادة المجلة، وثراءً جديدا فوق ثرائها!

وقسمٌ جديد صرنا نختاره وننتقيه من تراث المستشرقين والمؤرخين غير المسلمين ممن أنصفوا الإسلام والنبي ﷺ والحضارة الإسلامية، وقد وجدنا بالتجربة أن الكلام الذي يقوله أعلام الغرب في النبي مؤثر في أمتنا، ومؤثر في غير المسلمين أكثر من تأثير كلام المسلمين في نبيهم، وهذا حقٌّ من جهتيْن، فهي من جهة أولى: شهادة غير مجروحة، على سبيل {وشهد شاهد من أهلها}، وعلى سبيل: "والفضل ما شهدت به الأعداء"، ولا ريب أن شهادة الخصم والعدو خير من شهادة التابع والحليف والنصير. ثم هي من جهة ثانية شهادة غربيٍّ جاء من عالم الغالبين المتفوقين المتألقين، في حق دينٍ ونبيٍ وحضارة هي الآن في حالة استضعاف، والنفس مجبولة على الإعجاب بالغالب والاستماع منه وتقليده! وقد أبدع مؤرخنا وحكيمنا ابن خلدون وهو يشرح كيف أن "المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب"، فمن ها هنا كان هذا القسم تثبيتا للمسلم، وتقريبا وتأليفا وجذبا لغير المسلم أيضا. وقد صرنا نختار من مقالاتهم وإنتاجهم ما يناسب موضوع العدد أيضا!

وقسم آخر أفردناه لمقالات القراء، حيث صارت المجلة تستقبل مقالات لأقلام واعدة من شباب الكُتَّاب والباحثين.

فاستوى الأمر على سبعة أقسام: قسم الهيئة، وقسم بصيرة، وقسم السفراء، وقسم الراحلين، وقسم الأسرى، وقسم المنصفين، وقسم بريد القراء!

ومع دخول المجلة عامها الخامس، بفضل الله، فقد أضفنا إليها قسما جديدا، هو قسم "الإفتاء"، وفيه نختار عددا من الفتاوى التي أجابت عنها "دار الإفتاء الإلكترونية" التابعة للهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ، كي ننشر فيه أهم الفتاوى الشهرية المتعلقة بأحوال الأمة!

وبهذا تصير أقسام المجلة ثمانية أقسام.. والحمد لله رب العالمين!

وكانت للشيخ محمد الصغير، رئيس الهيئة، عبارة أساسية في بيان منهج الهيئة وتفصيلها، وهي: "لن تكون نصرتنا للنبي ﷺ نصرةً علمانية"، والمعنى: لن نظل نتحدث عن النبي وأخلاقه وما جاء به من حيث هو معنى بعيد لا ينبني عليه عمل ولا واقع، بل نصرتنا للنبي هي اشتباك حقيقي مع قضايا أمته، وانتصارا حقيقيا لأتباعه، ومعالجة ومعاناة حاضرة وتنفيذا عمليا لرسالته!

ومن هذا الباب، فقد كانت المجلة لسانا حاضرا في حرب الطوفان المبارك في غزة، على مدار سنتيْن، وجنَّدت نفسها في هذا الباب، ونثرت من الفتاوى القديمة ومن المقالات الجديدة للراحلين والأسرى والمنصفين –فوق مقالات أعضاء الهيئة وسفرائها- ما استوعب هذه القضية وتطوراتها.. ولم ننس غيرها من قضايا المسلمين في السودان والهند وأفغانستان وطاجكستان وبورما وغيرها، وكنا قبل ذلك ومع ذلك نناقش كيف جاء النبي بعلاج مشكلات الفقر والطغيان وحتى البيئة!

وكما ساهمنا في نصرة النبي ﷺ في وجه الصليبيين والملحدين والعلمانيين، فقد ساهمنا كذلك في نصرته ﷺ في وجه الضالين والمبتدعين، فأفردنا أعدادًا عن صحابته وعن أمهات المؤمنين وعن رفيقه أبي بكر الصديق، ونحسب –ولله وحده الحمد- أننا وقفنا في كل ما عرض لنا من قضايا الأمة وقفة حق وصدق، لم نخش فيها لومة لائم، ولم نرض فيها بالموقف المائع، وتجاوزنا فيها الخطوط الحمراء التي يفرضها المتسلطون والمتجبرون!

ولهذا، فقد رضينا وسعدنا واحتسبنا عند الله، ما أصابنا من جراء ذلك من حملات تشويه وشيطنة واسعة قامت بها وسائل إعلام عديدة: عربية وأجنبية، وحتى هندية، وليس هذا بعجيب ولا غريب، وقد صدق الشاعر لما قال:

إذا رضيت عني كرام عشيرتي .. فلا زال غضبانا علي لئامها

ونحن نرضى ونحب أن نكون في هذا الموقف، ونرضى أمام الله أن يكون محبونا من فريقنا، وأن يكون مبغضونا من خصومنا، فتلك قسمة نرى أن فيها رضا الله تعالى، وذلك انحياز نزداد به إيمانا، فحتى يوم الناس هذا لم نر فيمن حاربنا ولا أبغضنا من كنا نحب أن يكون معنا، ولم نر فيمن أحبنا وانحاز إلينا من كنا نخشى ألا يكون كذلك.. وكما قيل: الطيور على أشكالها تقع!

نسأل الله تعالى الإخلاص والسداد والرشاد والقبول، وغاية الأمل والمنى أن نندرج في قول الله تعالى لنبيه {فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 62 - 66].

بقي أن نتوجه برسالة إلى القارئ الكريم..

هذه المجلة تحتاج منك أمورًا، أقلها: الدعاء للقائمين عليها، وما فوق ذلك فأنت أعلم به! وما يستطيع أحدٌ أن يحيط بإمكانياتك ومواهبك وقدراتك إلا أنت.. فأنت خبير نفسك، وأعلم بما تبذل لله منها!

فمن استطاع أن ينشرها فنحتسب عند الله أن يكون له أجر فريق العمل، فالدال على الخير كفاعله!

ومن استطاع أن يترجم ما فيها وينشره إلى ألسنة العالمين فنحتسب عند الله أن يكون له أجر الأمة التي ترجم إلى لسانها، وكم في الناس من خير مكنوز، وما تدري ماذا يفعل رجل وصلت إليه كلمة خير، كان الحاجز بينه وبينها هو حاجز اللسان واللغة!

ومن استطاع أن يدعم بماله أو بجاهه أو بما تيسر له، فكل ذلك –إن شاء الله- في ميزان حسناته، وخير المقامات مقام نصرة النبي ﷺ، فهو حبيب الله، وهو رحمة الله للعالمين..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

نشر في مجلة أنصار النبي ﷺ - يونيو 2026

السبت، مايو 06، 2023

"أنصار النبي ﷺ" في عامها الأول

 

يمكن اختزال مشكلة المسلمين، ومشكلة البشرية كلها، في أنهم لا يتخذون محمدا ﷺ إمامًا!

ترى لماذا لا يفعلون ذلك؟

(1)

دون ذلك عوائق متينة؛ أولها الجهل بالنبي ورسالته، فمع كثرة المسلمين إلا أن أقلهم أولئك الذين يستطيعون البيان والشرح لفكرة أن النبي ﷺ هو منقذ الإنسانية، وأن رسالته احتوت على أسباب السعادة ونشر العدالة. ولقد يكون الإنسان تائها والخريطة في يده لكنه لا يحسن قراءتها ولا يعرف فائدتها، وقد ضرب شاعرنا القديم مثلا على ذلك فقال:

ومن العجائب، والعجائب جمة .. قربُ الدليل، وما إليه وصول

كالعيس في البيداء يقتلها الظما .. والماء فوق ظهورها محمول

أي: كالإبل في الصحراء يكاد العطش يقتلها، ولا تعرف أنها تحمل الماء فوق ظهرها.

وأشدُّ من ذلك ما ضربه الله من المثل في قوله تعالى {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5]، فالحمار مهما حمل من الكتب لا ينتفع بذلك، بل لو أنزلت الكتب من فوق ظهره ونُشرت أمام عينه لما انتفع بذلك، إذ هو يجهل قراتها وفهم معانيها!

وثانيها: ما تنطوي عليه النفوس من الشهوة والأثرة، فكم في الناس من يعرف الحق ثم تغلبه شهوته وأثرته، فينصرف عن الحق إلى الباطل، وعن العدل إلى الظلم، وعن الخير إلى الشر. فإذا هو واصل السير في هذا الطريق فإنه يصير من أئمة الباطل، فيكون بذلك عدوا للحق وحامليه، وعدوا للمصلحين ودعوتهم، بل عدوا للأنبياء والرسل {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112].. ويبلغ أولئك الحدَّ الذي قال الله فيه {كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70].

وثالثها: ما بلغته الأمة في زماننا هذا من حال ضعف مزرية، جعلها مقهورة تحت عدوها الذي يغمرها بأفكاره ويُلزمها بنظامه ويشكك أبنائها في دينهم، فلستَ ترى منفذا من منافذ التعليم والإعلام والثقافة إلا وهو يُفسد في المسلمين أكثر مما يصلح، ويبعدهم عن دينهم ونبيهم أكثر مما يقربهم إليه، فصارت العقول والقلوب منغمسة في بحر من الشهوات والشبهات، حتى صار من الغريب المستغرب أن يقنع المسلم بأن نبيه ﷺ هو منقذ الإنسانية، وأن ما جاء به هو الدواء الشافي والجواب الكافي!

تأمل في هذه الآية: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 64، 65].

وفي حالة نبينا محمد ﷺ تبدو المسألة أوضح وأعظم، إن رجلا ظهر في التاريخ فجأة فنقل أمة العرب من التمزق والفرقة والحروب، في سنوات معدودة إلى الوحدة والسيادة لهو رجلٌ جديرٌ بالوقوف طويلا أمام قصته وسيرته، وجديرٌ بأن يتعلم منه كل من تفكر في سبيل النهضة!

هكذا ينبغي أن يفكر في الأمر العلماني المادي الملحد الذي لا يبتغي من الحياة إلا النهضة المادية وحدها لنفسه ولقومه، فإن تاريخ محمد ﷺ هو أنجح تجربة على الإطلاق لانبعاث أمة وانبثاق حضارة، يشهد بذلك مؤرخون غير مسلمين قبل أن يشهد له المسلمون.

فكيف، ومحمد ﷺ فوق ذلك وقبله وبعده نبيٌّ يجب على من آمن به أن يتبعه وأن يطيعه؟! وأن ينصت لقوله ويقتدي بفعله ويستسلم لحكمه؟! فإن هذا الذي آمن بالنبي لا يقتصر همُّه على الدنيا وتحقيق النهضة فيها، بل يمتد همُّه إلى مصيره الكبير في الآخرة: الجنة أو النار!

كيف نستطيع أن نرفع حواجز الجهل التي تحول بين المسلمين وبين أن يؤمنوا عن قناعة راسخة وفهم مطمئن أن اتباع النبي هو السبيل الوحيد لإنقاذ البشرية؛ إنقاذها في الدنيا ثم في الآخرة أيضا؟!.. ذلك والله هو التحدي!!

إنه ما من عاقل يستهين أو يستسخف قولَ العالِم المتخصص في علمه، فإذا فاجأك الخبير برأي مُستغرب فإن ما عنده من العلم والخبرة يحملك على التوقف والتفكر في كلامه وتأمله! فكيف إن كان الذي نتحدث عن طاعته والتسليم له نبي رسول، موصول بالسماء، جاء بالعلم الذي ينطق به وحيا صافيا نازلا من عند الله؟!

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ} [النساء: 170]

يبدو الأمر سهلا ومنطقيا وواضحا، ولكن بيننا وبين فهمه وتطبيقه تلك الحواجز العتيدة!

كان أبسط ما واجهناه في هذا العالم الأول من "مجلة أنصار النبي" هو سياسات مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما الفيسبوك، إنه مصمم لنشر التفاهة والانحلال، فهو يزيد من الوصول إليها ومن التفاعل عليها، وأما المحتوى الجاد النافع فإنه مُصَمَّمٌ لدفنه وإخماده. وما هذا بالمستغرب! فإنه ابن الحضارة الغربية المادية المنحلة أخلاقيا التي تسعى سعيا محموما وراء الشهوة واللذة!

ومع ذلك، فيجب القول أيضا بأن هذه المواقع لا تزال مفتوحة، ويمكن النشر عليها، فإن تلك الحضارة المادية الغربية ذاتها قد سيطرت على العالم المادي سيطرةً لا يمكن معها نشر هذه المجلة في عالم الواقع ولا تيسير وصولها إلى الجمهور، فمواقع التواصل –إذن- على كل ما فيها، هي المتنفس الصغير الباقي، في عالم يزداد حصارا وإحكاما على من يقولون: اتبعوا محمدا ﷺ!

ترى هل هو نجاحٌ أم إخفاقٌ أن نقول، بعد مرور عام من صدور هذه المجلة، أننا استطعنا الوصول إلى ثلاثة عشر مليون شخص على الأقل؟!

من نظر من باب الحصار المحكم والإمكانيات المحدودة وسيادة التفاهة رآه نجاحا وعدَّه في سجل المناقب. ولكن من نظر من باب حجم المشكلة التي يحياها العالم والمسلمون رآه إخفاقا! فماذا يفعل مجرد الوصول إلى هذا العدد في مقاومة هذه العوائق الثلاث المتينة؟!

 

(2)

وماذا على أتباع الأنبياء أن يفعلوا إلا ما فعله الأنبياء؟!

لا أتذكر متى انتبهتُ أول مرة إلى هذا المعنى: لقد نزل قول الله تعالى لعباده المؤمنين {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] في أخطر لحظة مرَّت على الدولة الإسلامية، في غزوة الأحزاب، حين كانت عاصمة الإسلام مهددة بالاجتياح، وكانت المعركة معركة وجود! كانت لحظة مهولة مرعبة، وصفها الله تعالى بقوله: {جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10، 11].

في هذا الهول الهائل والرعب الرعيب نزل قول الله تعالى "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"!

وبعدها مباشرة جاءت الآية التالية تقول: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22]، فكأن هذا الذي تعلق برسول الله ﷺ واتخذه أسوة حسنة، يتنزل عليه الأمن والسكينة والاطمئنان، حتى إنه ليصل إلى أن يرى العدو، فلا يشعر بالفزع والخطر بل يشعر بصدق الوعد وبرد اليقين وزيادة الإيمان والتسليم!!

وفي هذا يقول القاسمي في تفسيره: "إذ لا يصح الجبن لمن صح اقتداؤه برسول الله ﷺ لغاية قبحه"! ويقول الشهيد سيد قطب: "كان رسول الله ﷺ على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد، مثابة الأمان للمسلمين، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان. وإن دراسة موقفه ﷺ في هذا الحادث الضخم لمما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم؛ وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر".

هكذا إذن.. خير ما تحصل فيه الأسوة الحسنة بالنبي ﷺ هو وقت المحنة والشدة، وقت الخوف والكريهة، وقت الزلزلة الكبيرة!

إن تعلقنا بالنبي ﷺ هو فوق تعلق الضال التائه بمن يهديه في الطريق المخوفة! وهو فوق تعلق الضعيف الخائف بالقوي الذي يحميه ويسعفه! وهو فوق تعلق الابن العاجز بأبيه وأمه اللذان يرحمانه ويرعيانه ويخلصان له النصيحة! وهو فوق تعلق التلميذ الجاهل بالمعلم الخبير الذي يعلمه ويفهمه! وهو فوق تعلق الحائر المضطرب بالمربي الشفوق الذي يهذبه ويؤدبه! وهو فوق تعلق الكسول الخجول برائده الذي يأخذ بيده ويرفع همته! وهو فوق تعلق الجندي المحدود الرؤية والمهمة بقائده الذي يستشرف ساحة الحرب ويأخذ القرار.. هو فوق كل ذلك، لأنه كل ذلك معًا!

{رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151]

{رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]

{يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]

{اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]

{وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: 54]

{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6]

 

(3)

بقي في هذا المقام أن أتقدم بالشكر الوافر للسادة الأفاضل الأماثل أصحاب السماحة والفضيلة من علماء الهيئة العالمية لنصرة النبي ﷺ، وعلى رأسهم فضيلة الشيخ المؤسس الدكتور محمد الصغير، وهو –بعد الله جل وعلا- صاحب الفضل الأول على المجلة بما أولاها من رعايته وعنايته واهتمامه، ثم أعضاء الأمانة العامة للهيئة، وأعضاء مجلس أمناء الهيئة، والسادة العلماء والأساتذة والباحثون الذين أثروا صفحات هذه المجلة بمقالاتهم الزاهرة الناضرة فاستحالت بهم صفحات المجلة حديقة غناء ذات ثمر شهي يشبع الآكلين ويروي الظامئين!

وأخص بالذكر منهم علماءنا الأسرى الذين نسأل الله تعالى لهم الفرج القريب العاجل، وأن نتشرف بمقالاتهم التي يكتبونها أحرارا، من بعد ما تشرفنا بنشر نتاجهم قبل أَسْرِهم.

ثم الشكر للعلماء الأكارم الذين كتبوا لنا في مناسبة إتمام العام هذه العبارات الغالية الرائقة التي تجدونها مبثوثة في هذا العدد، وعلى رأسهم فضيلة العلامة الكبير الشيخ محمد الحسن ولد الددو، وفضيلة الشيخ الحبيب القريب السهل اللين البشوش الدكتور عبد الحي يوسف رئيس أكاديمية أنصار النبي ﷺ، وغيرهم من مشايخنا المكرمين.

 ثم الشكر لفريق عمل المجلة في الإعداد والتحرير والتصميم الفني، فبمجهودهم خرجت المجلة حديقة ذات بهجة تسر الناظرين والقارئين.

ثم الشكر لإخواني من السادة العلماء ومن غيرهم من الإعلاميين والفنيين الذين تعاهدونا بالملاحظات ومقترحات التطوير والتحسين، ثم لسائر القراء الأفاضل الذين تفضلوا علينا بالقراءة والمتابعة، وخصوصا لمن تفضل منهم بالنشر والترويج وساعدنا في الوصول إلى غيرهم من القراء، وبعضهم ساعدنا في ترجمة بعض المواد المنشورة في المجلة إلى اللغات الأجنبية.. وكنا في كل حين نكتشف أن المجلة وصلت إلى حيث لا نعرف، وبعض من لا نعرف قد نشرها أو ترجم منها إلى لغات، ومنها لغات إفريقية محلية في بلاد نائية!

والمجلة تفتح أبوابها للتعاون مع سائر المحبين والمخلصين من أنصار النبي ﷺ، فمن أراد الكتابة تشرفنا بالنشر له، ومن أراد أن يختار لنا من تراث أئمتنا الراحلين أو علمائنا الأسرى نشرنا ما يقترح مع الإشارة إليه، ومن أراد أن يساعدنا في النشر والترجمة كنا له من الشاكرين، ومن استطاع أن يأخذ بأيدينا إلى وسائل الإعلام أو يأخذ بأيديها إلينا كان له أجر الدلالة على الخير إن شاء الله، وكل امرئ أدرى بما يستطيع أن يفعل من وجوه الخير والدعم، وفي كلٍّ خير.

أسأل الله جميعا أن يكتب لكل أولئك الأجر الجزيل والثواب الوافر. وأن يجمعنا دائما على طاعته وفي نصرة نبيه، وأن يتوفانا على ذلك حتى يجمعنا مرة أخرى في ظل عرشه وعند حوض نبيه ﷺ، فنُسقى من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا.

 نشر في مجلة "أنصار النبي ﷺ"، مايو 2023

الاثنين، سبتمبر 05، 2022

عكرمة صبري: الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بصدد إعادة النظر في فتوى زيارة بيت المقدس

 

الشيخ عكرمة صبري في حوار خاص لمجلة أنصار النبي ﷺ

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بصدد إعادة النظر في فتوى زيارة بيت المقدس

·        الهدم حدث يومي في بيت المقدس، ففي كل يوم يُهدم بيت وبيوت

·        ما يحدث للأقصى الآن أشد من حريق 1969 لكن بأشكال أخرى

·        أهم ما نحتاجه الآن هو المجهود الإعلامي ودعم المؤسسات المقدسية لمواصلة الصمود

 

حاوره: محمد إلهامي

في زيارته الحالية لاسطنبول، وضمن عدد من الفعاليات الإسلامية التي شارك فيها الشيخ عكرمة صبري مفتي بيت المقدس، كان لنا في مجلة "أنصار النبي ﷺ" حظًّا في إجراء هذا الحوار الخاص معه.

- فضيلة شيخنا الكريم، حمدا لله على السلامة، لا شك أنكم من مشاهير هذه الأمة وأعلامها، ولكن لا بأس أن نأخذ منكم تعريفا مختصرا بمسيرتكم العلمية ومسيرتكم في نصرة الأقصى.

بسم الله الرحمن الرحيم، بالنسبة إلى السيرة الذاتية فهي مثبتة في مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن أحب أعطي فكرة عابرة، فلقد نشأت في أسرة علمية توارثت العلم الشرعي جيلا بعد جيل، وبحمد الله فأجدادي علماء، ووالدي هو الشيخ سعيد صبري قاضي القدس الشرعي وخطيب المسجد الأقصى المبارك ثم أتيت وتوليت الخطابة بالإضافة إلى أنني كنت مفتيا والآن أنا رئيس الهيئة الإسلامية العليا التي تعتبر أعلى مؤسسة دينية بالقدس، وأحد أبنائي ورث العلم الشرعي، وهو الآن بروفيسور بالشريعة الإسلامية، أقصد د. عروة صبري، فهو الآن عميد كلية القرآن وعميد كلية الدعوة وأصول الدين، أي عميد الكليتين في جامعة القدس، وثلاثة من أحفادي درسوا شريعة أيضا، أحدهم طالب دكتوراة والثاني في الماجستير والثالث درس البكالوريوس. توليت عدة مواقع، فبدأت حياتي معلما لأنني أحب مهنة التعليم وأعتبرها أسمى وأشرف مهنة إنسانية، والله قد فتح علي في الحياة والعلم من كل جانب من خلال التعليم فأصبحت مدير مدرسة ثم مديرا عاما للوعظ والإرشاد ثم مفتيا ورئيسا لهيئة العلماء والدعاة.

- زوجكم د. نائلة أيضا لها حظ من العلم الشرعي!

- وزوجتي د. نائلة والدها أيضا شيخ وأخوها شيخ كذلك، وألَّفت كتابا في التفسير "المبصر" في أحد عشر مجلدا وهو أول تفسير تكتبه امرأة، بالإضافة إلى كتاب "كواكب النساء".

- نعرف أيضا أن زوجكم د. نائلة كانت أول امرأة ترتدي الثوب الشرعي الإسلامي في القدس، فكانت بذلك بذرة الصحوة الإسلامية النسائية!

- نعم، وكانت إذا سارت في الشارع نظر إليها الناس نظرة غريبة ويسألونها: من أين أتيتِ؟ وابنة من أنت؟ ومن أي بلدة؟.. ولكن الحمد لله، هيأ الله الآن الآلاف بل عشرات الآلاف بل مئات الآلاف الآن ممن يلبسون اللباس الشرعي والحجاب.

- كان لكم تصريح قبل أيام قليلة في ذكرى حريق المسجد الأقصى قلتَ فيه إن حريق الأقصى ما زال مستمرا حتى الآن، بل إن ما يحصل الآن هو أشد من الحريق ولكن بشكل آخر.. فلو تعطينا فكرة عن ما يحدث الآن في المسجد الأقصى.

- ما يحصل الآن في المسجد الأقصى من تجاوزات واعتداءات إسرائيلية أستطيع أن ألخصها بثلاثة أشكال أو ثلاث صور؛ الصورة الأولى: الاقتحامات المتكررة من قبل اليهود، إذ يقتحمون بحراسة مشددة، فيدخلونه بالحراب والأسلحة، ولا يجرؤ أي يهودي أن يقتحم الأقصى بدون حراسة، حتى في الأزقة وشوارع القدس، لا يجرؤ أي يهودي أن يتجول إلا بالسلاح والحراسة. الصورة الثانية: الحفريات المستمرة أسفل الأقصى والتي ينفذونها لزعمهم بأنهم يبحثون عن آثارهم تحت الأقصى، وما وجدوا حجرا واحدا له علاقة بالتاريخ العبري القديم، وما وجدوه من الآثار الإسلامية التي تصادفهم أثناء الحفريات فإنهم يدمرونه، يخربونه. والصورة الثالثة: سياسة الإبعادات، إبعادات الشباب عن الأقصى، وذلك أنهم يعترضون اقتحامات اليهود للمسجد، فتقوم الشرطة الإسرائيلية بإلقاء القبض عليهم وإصدار قرارها بإبعادهم عن الأقصى، ولا توجد دولة في العالم تتخذ سياسة الإبعاد عن أماكن العبادة، إلا سلطة الاحتلال، لأنها سلطة محتلة وتطمع في الاستيلاء على المسجد الأقصى.

- نحن في مجلة أنصار النبي صلى الله عليه وسلم نهتم بكل ما من شأنه نصرة النبي، ومن أوجب هذه الواجبات نصرة المسرى، الذي أسري بالنبي ﷺ إليه، فإذا أردتم أن تحدثوا أنصار النبي ﷺ في كل مكان، ماذا يمكن لهم أن يفعلوا لمواجهة هذا الذي يحدث بمسرى النبي ﷺ؟

- نقول إن مسرى النبي ﷺ هو أمانة في أعناق جميع المسلمين، وهو جزء من عقيدتهم، بقرار من رب العالمين من فوق سبع سموات، ليس بقرار من مجلس الأمن أو هيئة الأمم، وبالتالي فإن المسلم في فلسطين ليس له في الأقصى أكثر من أي مسلم في العالم، ولا بد أن نطرح القضية على أساس كونها قضية إسلامية عقدية وليست قضية فلسطينية محددة، وبالتالي فنحن نركز على موضوع الإعلام، ونشكر وسائل الإعلام وبخاصة الفضائيات التي تنقل الأحداث التي تحصل في القدس والأقصى أولا بأول، وهذا لم يكن سابقا، ونعتبر أن الإعلام طريقة ووسيلة سليمة إيجابية لنصرة قضيتنا، قضية المسلمين. فلا بد من الإعلام ونشر الثقافة والرواية الإسلامية المبنية على القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وبعدة لغات، ليس بالعربية فقط، لدحض الرواية الإسرائيلية الباطلة المزورة التي تنتشر في العالم كله، فنحن أحق منهم في أن ننشر حقنا الشرعي المستند إلى قرار الله سبحانه وتعالى.

- وبخلاف الواجب الإعلامي، ماذا يمكن للمسلمين خارج القدس لنصرة المقدسيين؟

- نعم، يمكنهم ذلك من خلال دعم المؤسسات المقدسية، فإذا دعمت هذه المؤسسات المقدسية، فإنه دعم للمقدسيين أنفسهم، وهذا يساعدهم على الصمود والثبات والحفاظ على المقدسات والأقصى وعلى أماكن سكناهم، لأنه يهمنا نحن أن نثبت المقدسيين ليستطيعوا الدفاع عن الأقصى، فإن تم تهجير هؤلاء، فمن الذي يدافع عن الأقصى ويسعى في عمارته؟!

- ما أهم المؤسسات المقدسية التي تنصح المسلمين بدعمها ودعم أعمالها؟

- لدينا: الهيئة الإسلامية العليا، هيئة العلماء والدعاة، مدارس ورياض الأقصى الإسلامية، جمعية المحبة لرعاية الأيتام، مبرة الرحمة للمسنين.. هذه مؤسسات ترعى شرائح مختلفة من المجتمع بداية من الأطفال وحتى المسنين، بالإضافة إلى المستشفيات، وجامعة القدس بما فيها كلية القرآن والدعوة وأصول الدين. هذه المؤسسات لا بد أن نبحث عن حساباتها، فمعظم حسابات هذه المؤسسات خارج فلسطين ليسهل جمع التبرعات لها.

- ثمة قضايا شائكة نحب أن نسمع رأي د. عكرمة فيها، ومن أهمها قضية: زيارة المسجد الأقصى.. يختلف الناس في ذلك، فبعضهم يقول إنها نوع من التطبيع، وبعضهم يقول: إنها صورة من دعم المقدسيين.

- ما من اجتماع ولا لقاء إلا وأثير معي هذا السؤال واختلف فيه الناس بين لا ونعم، ونعم ولا، على كل حال، أعرف أن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين سيعيد النظر في الفتوى المتعلقة بزيارة المسجد الأقصى، وإعادة النظر في الفتوى ليس غريبا، والإمام الشافعي له مذهبين كما هو معروف، وفي الواقع فقد تأخرت إعادة النظر في هذه القضية، وأنا عضو في اللجنة التحضيرية لهذا الموضوع، وكذلك أخونا الشيخ نواف التكروري (رئيس هيئة علماء فلسطين بالخارج) وكذلك الشيخ محمد الصغير، أظنه أيضا إن لم يكن عضوا في هذه اللجنة فهو متتبع للموضوع.

- ولكن ما هي وجهة نظركم في المسألة؟

- لا أستطيع أن أعطي رأيا الآن، حتى نصل إلى رأي موحد، فثمة تفاوت في الآراء، فالفتوى قائمة لا شك، لكن يجب أن نضع لها ضوابط جديدة.

- بعض الناس يقول: في ظل وجود تطبيع قائم بالفعل، وقد استقر أمرها، فهل يمكن الاستفادة من هذا التطبيع، وإن كنا لا نرضاه، في زيارة بيت المقدس ودعم المقدسيين، مثلما يحصل مثلا في حال الوفود التركية، فتركيا لها علاقة قديمة بإسرائيل، والوفود الشعبية التركية تذهب إلى بيت المقدس، وقد تكون هذه من الحسنات القليلة التي يمكن جَنْيُها من موجة التطبيع الحالية.

- نحن نرفض الزيارة الرسمية، هذا المبدأ ثابت منذ 1967، ولا نقاش فيه، فأي زيارة رسمية من أي إنسان مرفوضة، فهؤلاء الذين جاءوا من دول التطبيع، أغلبهم يأتي مع الأسف لزيارة إسرائيل، ولو أن بعضا منهم يجيئ كزائرين إلى الأقصى فلن يعترضهم أحد، وبعض الناس يأتي للسلام علي في صلاة الجمعة ويخبرني أنه من الأردن أو من مصر، فماذا أقول له؟ أقول: أهلا وسهلا. وليس من اللائق أن أقول له: لماذا أتيت؟ لا يمكن هذا، فمن استطاع أن يصل بأي طريقة وصل، وواجبي أن أرحب به على كل حال، إني أحب أن يأتينا المسلمون، أما كيف جاء هو وكيف وصل، فهذا شأنه! ومن ثم فنحن يهمنا ألا تكون الزيارة –سلفا- زيارة رسمية. ثم بعد ذلك ثمة ضوابط أخرى.

- بالنسبة لما يقوم به بعض المسلمين من إنشاء جامعات ومعاهد وأكاديميات عبر الانترنت، ويجعلون ضمن برامجها مواد لدراسة تاريخ بيت المقدس والتعريف به؟ هل تجدون لها أثرا عندكم؟ وبماذا توصي هذه المعاهد والجامعات لخدمة بيت المقدس؟

- نحن مع أي إعلام وأي تعليم يشرح القضية الفلسطينية، بأي طريقة كانت، عبر التقنيات القديمة أو الحديثة، وعبر استثمار الوسائل الحديثة، فنحن معها؟

- بالنسبة للأوضاع القانونية للمقدسيين، هل لديهم القدرة للاعتراض على قرارات الإبعاد وما شابه؟

- لا.. نحن لا نعترف بإسرائيل ولا بمحاكمها، وهذه المحاكم مرتبطة بأوامر عسكرية، ولا أمل في اللجوء إلى هذه المحاكم، ومجرد اللجوء إليها يعني الاعتراف بها، وأصبحت ملزما بما يصدر عنها، ولن يصدر عنها شيء في صالحنا أبدا.

- فيما يخص عمليات الهدم وإخلاء البيوت مثلما كان في حي الشيخ جراح وغيره، هل هذه الموجة معرضة للزيادة؟

- نعم، تزداد.. في بيت المقدس، الهدم هو حدث يومي، فكل يوم ثمة بيوت تُهدم، فالناس تضطر للبناء بدون رخصة لأن الإسرائيليين يرفضون إعطاء رخصة للمباني، والأعداد تزداد، فالمقدسيون كانوا سبعين ألفا في عام 1967، وهم الآن أربعمائة وسبعون ألفا، أي أنهم تضاعفوا سبع مرات!

- يطرح البعض أن المؤسسات الرسمية التي لها حق الإشراف على المقدسات الإسلامية في القدس، تشكو من أن الاحتلال الإسرائيلي يحجم عملها تحجيما كبيرا، ويمنعها، فيقول بعض الناس أنه قد يكون من الإحراج السياسي للاحتلال والضغط عليه أن تعلن هذه المؤسسات انسحابها ورفع يدها من الإشراف على المقدسات الإسلامية، وهو ما يجعل عبء الإشراف على هذه المؤسسات موضوعا على كاهل الإسرائيليين.. ما رأيكم في هذا؟

- بالنسبة للأقصى، فإن الوقف الإسلامي له حصانته، ولا نسمح أبدا بتدخل اليهود في أعماله، وإذا تدخلوا فنحن نعترض على ذلك، أما المؤسسات التابعة للسلطة الفلسطينية فإسرائيل تمنع نشاطها، وأي نشاط تلاحظه إسرائيل يتبع السلطة الفلسطينية فإنها تلاحقه، وأما بالنسبة للمؤسسات الأردنية التي لها إشراف على المقدسات فلا تزال تتابع عملها ضمن الاتفاقية المعروفة، وهذه إذا أعلنت سحب يدها أو إشرافها فلن يمثل هذا ضغطا على إسرائيل، بل هي فرصة ممتازة لهم، وأحب ما على إسرائيل أن تسحب الأردن يدها لتضع إسرائيل يدها على هذه المقدسات.

- كلمة أخيرة لمجلة أنصار النبي ﷺ ومتابعيها

- نحن نثمن جهود هذه المجلة والقائمين عليها لنصرة سيدنا محمد ﷺ، هذا النبي العظيم الذي رفع الله من شأنه، هذا النبي العظيم الذي أم الأنبياء والمرسلين في ليلة الإسراء والمعراج، هذا النبي العظيم الذي يرفع لواءه يوم القيامة فيكون جميع الأنبياء والمرسلين تحت لوائه، فهذا النبي نحن أنصاره، وكل مسلم هو نصير لنبيه ﷺ، ونسأل الله أن يثيبكم على أعمالكم ثوابا كبيرا.

- بارك الله فيكم شيخنا الكريم، أحسن الله إليكم

- وفيكم بارك الله، شكر الله لكم.

نشر في مجلة أنصار النبي ﷺ، سبتمبر 2022م

الاثنين، أكتوبر 25، 2021

حواري مع مجلة المجتمع عن الهيئة العالمية لنصرة نبي الإسلام

خلال السنوات الأخيرة تصاعدت ظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب وتأجيج كراهية المسلمين، وربط الإسلام زورا بالإرهاب والتطرف، ومن مظاهر هذا كانت جرائم الإساءة للرسول الكريم ﷺ بعدة وسائل كالرسوم المسيئة، قوبل ذلك بحملات شعبية إسلامية تبنت خيار المقاطعة للمنتجات الفرنسية، وهي تتم عامها الأول، واستثمارا لهذا الدور الشعبي جرى مؤخرا تدشين الهيئة العالمية لنصرة نبي الإسلام، لكن كان لابد من استعراض الأمر تاريخيا وكيف تعامل الرسول مع من أساء إليه؟ ثم ما هو سر العداء الفرنسي الحالي، وكذلك الدور الذي يمكن أن تقوم به الهيئة العالمية لنصرة نبي الإسلام؟

 ولهذا كان الحوار التالي مع الباحث في التاريخ والحضارة الإسلامية محمد إلهامي وهو أيضا عضو الأمانة العامة للهيئة.

- من السيرة .. ما هي أبرز مواقف الإساءة للرسول وكيف تعامل معها النبي الكريم؟

 إن أشد الناس بلاء الأنبياء،  فسير الأنبياء عامة هي سير الرجال الذين تحملوا الإساءة والعذاب والأذى في سبيل الرسالة، ومثلهم في هذا الصالحون، فهم قد ورثوا طريق الأنبياء بما فيه من تكاليف ومشاق وصعوبات، ونحن إذا راجعنا السيرة فسنجد أن النبي ﷺ سمع الأذى لأول مرة في قومه منذ بلغ الرجولة يوم أعلن الرسالة، فقيل له "تبا لك، ألهذا جمعتنا؟".. وسرعان ما تحول النبي ﷺ في يوم واحد فقط، هو يوم إعلانه الرسالة، من "الصادق الأمين" إلى "ساحر وكاهن وشاعر ومجنون وكذاب... إلخ"..  وهذه من أشد الأمور على من عاش شريفا نسيبا معظما في قومه.. ثم استمر العنت والأذى، فكان ﷺ كما قال عن نفسه أول من أوذي وأول من أخيف وأول من جُوِّع، كما في الحديث الشريف "لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أُخِفْتُ في الله وما يُخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثالثة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد، إلا ما وارى إبط بلال".

 وقد تعامل النبي مع الأذى بما تتطلبه الحكمة، فبالصبر والتحمل أحيانا في بداية الدعوة، وبالصفح والعفو أحيانا بعد أن صار قائد أمة. ولكن المهم هنا أن العلماء فرقوا بين أمرين: بين موقف النبي ممن سبه وآذاه، وبين موقف الأمة ممن سب النبي أو آذاه، فالنبي ﷺ له أن يعفو عمن سبه، بينما من واجب الأمة أن تقوم لمن سبه، فلا مجال لأن تصفح الأمة عمن سب نبيها بحال من الأحوال، وهذا الأمر مبسوط مفصل في الكتب الفقهية التي تناولت هذا الموضوع.

 - تاريخيا.. لوتستعرض لنا محطات تاريخية شهدت إساءات للرسول وكيف تعامل معها المسلمون؟

 حين كانت الأمة قوية لم يكن شأن سب الرسول مباحا أو متاحا من أصله، ولا كان يستطيع أحد أن يتجرأ على اقترافه، بل تروي بعض المصادر الغربية في الأندلس أن رجلا سب النبي أمام القاضي المسلم فتعامل معه على أنه مجنون، وصار يسأله ليتأكد من سلامة عقله، فأصر الرجل على موقفه، فحبسه ليتأكد ما إن كان ذلك موقفه فعلا أم هي من نوبات الجنون، فلما تيقن من أنه اقترف هذا واعيا أمر بقتله. هذا الرجل تعرفه التواريخ المسيحية باسم الفارو القرطبي، ويعد في تواريخهم طليعة الشهداء المسيحيين في مقاومة الاحتلال الإسلامي.

 ما يهمنا الآن أن المسلمين كانوا حساسين جدا تجاه التعرض لمقام النبي حتى إن الإساءة إليه بالسب لم تكن متصورة، بل كانت عملا يدل على حالة مرضية، ويؤكد هذا ما جاء في أخبار القضاة المسلمين الذين حكموا بقتل من صدرت عنه الإساءة للنبي أو التعريض به.

 طبعا نحن الآن في زمن صارت فيه الأمة مستضعفة، وهذا بنفسه يتحكم في معنى المقدسات، فحتى حرية الرأي والتعبير التي صارت قيمة مقدسة في الزمن المعاصر، تتوقف تماما عند مقدسات الأقوياء، فلا يمكن لأحد التشكيك في المحرقة النازية، أو سب الدولة أو احتقار الدستور أو إهانة العلَم الوطني.. فالواقع أن القوي لا يسمح بانتهاك مقدساته، حتى لو أن حضارته تقوم على أصل "حرية الرأي والتعبير"!!

 - كيف ينظر الغرب لمقام ومكانة الرسول الكريم؟ وهل هنا تختلف نظرة المفكرين والعلماء عن تلك الصورة التي يتم ترويجها للعوام في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي؟

هذا سؤال في غاية الأهمية لأنه يضعنا أمام ثلاثة أمور مختلفة؛ الأمر الأول: أن الغرب كدولة ونظام وثقافة اجتماعية موروثة وسائدة وشائعة ينظر إلى النبي ﷺ نظرته إلى العدو الخطير الذي أخرج أمة تهدد وجوده، ويتحدث كثير من الغربيين أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي هدد وجود الحضارة الغربية لمرتين على الأقل، كما حصل في الموجة الأولى للفتوحات الإسلامية  في صدر الإسلام والتي وصلت إلى باريس، أو في الموجة الثانية التي كانت على يد الدولة العثمانية ووصلت إلى فيينا.

والأمر الثاني: هو موقف المثقفين والباحثين والدارسين الذين استطاعوا أن يقرؤوا المصادر الأصيلة عن النبي، وأن يبحثوها، وهؤلاء تختلف مواقفهم من النبي ﷺ كما تختلف مواقف أي إنسان عرف الحق، فمنهم من آمن بالنبي وأسلم، ومنهم من ظل مقيما على عداوته وحقده، ومنهم من أنصف النبي وهو إنصاف تتفاوت فيه الدرجات والأحوال.

والأمر الثالث: أن هؤلاء الباحثين والمثقفين استطاعوا تكوين موقف مستقل عن الثقافة الجمعية الموروثة والسائدة، وهي الثقافة التي تكونت جذورها في أزمنة الحروب الصليبية -كما يتفق على ذلك المؤرخون والباحثون في العلاقات الإسلامية الغربية- .. ولكنهم رغم استقلالهم في تكوين مواقفهم، إلا أنهم نادرا ما يستطيعون اتخاذ موقف مضاد  ضد مجتمعهم، لأن شبكة القوى والعلاقات داخل المجتمعات الغربية لا تسمح بإنصاف الإسلام ونبيه، ومن يتخذ منهم هذا الموقف فإنه يحكم على نفسه بالمعاناة ومواجهة الصعوبات.. فتكون الثمرة النهائية لجهد الباحثين والمثقفين والمؤسسات الأكاديمية هي ما يخدم السياسة الغربية المهيمنة، ويمكن في هذه المسألة مراجعة تجربة المستشرق الفرنسي المعاصر فرنسوا بورجا.

- خلال العقدين الأخيرين ظهرت موجة الرسوم المسيئة للرسول الكريم في عدة دول غربية كالدنمارك وفرنسا قوبلت بهبة شعبية إسلامية هل ترى أنه تم استثمار الدور الشعبي بشكل صحيح في هذه الأزمة؟

السؤال المهم هو: من يستثمر؟.. المشكلة أن هذه الأزمة الأخيرة مع فرنسا لم تتفاعل معها إيجابيا إلا عدد محدود جدا من المؤسسات الرسمية، بينما ظلت الحكومات تتعامل مع فرنسا أو حتى تدعم موقفها بشكل فجّ لم يكن يحدث في الماضي. إن الحالة السياسية العامة في الدول العربية والإسلامية تقف من الهبات الشعبية موقف التجاهل أو حتى موقف العداء، مع أنها بالمقياس المادي والاقتصادي البحت فرصة مهمة لتنمية الصناعات المحلية وتنشيط المنتجات البديلة وتنويع مصادر الاعتماد الاقتصادي.

ومما يؤكد ما نقول أن الهبات الشعبية نفسها إنما تظهر قوتها في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا تستطيع أن تتحول إلى فعاليات حقيقية في الواقع، بمعنى أنه إن لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي موجودة لظننا جميعا أن الأمة خانت حب النبي ﷺ وانصرفت عن التفاعل مع الإساءة إليه. وهكذا نرى أن المشهد الحالي لا يعبر عن حقيقة مشاعر الأمة ومواقفها.

-مؤخرا تبنت فرنسا بشكل رسمي الرسوم المسيئة للرسول بحجة حرية التعبير، وإصرارا منها على ذلك أعلنت تكريم المدرس الذي عرض تلك الرسوم مؤخرا بمناسبة مرور عام على مقتله، كما أنها سنت عدة قوانين من شأنها التضييق على مسلميها وإغلاق مساجدهم، وتكيل الاتهامات للإسلام بحجة التطرف، متناسية تاريخها الاستعماري المليء بالمجازر بحق بلادنا المسلمة وأفريقيا.. برأيك لماذا تبنت فرنسا هذا الموقف؟

الشيء من معدنه لا يُستغرب، فالافتراس من طبائع الوحوش، والتحليق من طبائع الطيور، وفرنسا عريقة في معاداة الإسلام، منذ 1300 عام، عندما توقفت الفتوحات قبل باريس في معركة بواتيه، منذ ذلك الوقت ترى فرنسا أنها قلعة المسيحية الكاثوليكية، حتى بعد أن تعلمنت في خضم الثورة الفرنسية، فإنها لم تتخل عن روحها الصليبية، حتى قيل بحق: "صليبيون بالنهار، علمانيون بالليل"، ويتسم السلوك الفرنسي تجاه الإسلام بعدائية عميقة ومكشوفة، فحتى الإنجليز والأمريكان -مع كل عدائيتهم- لم يكونوا بهذه الفجاجة الفرنسية في التعامل مع المسلمين سواء في داخل بلادهم أو في البلاد التي احتلوها. ويجب ألا ننسى أن الحروب الصليبية إنما كان نصيب الأسد فيها هو لفرنسا. فمنها انطلقت، وأغلب المقاتلين فيها من الجنود والأمراء كانوا فرنسيين، ولذلك غلب عليها في التواريخ العربية اسم "الفرنجة".

 فالسؤال عن سر العداء الفرنسي يشبه السؤال عن سر افتراس الوحش أو عن سر تحليق الطير،  ثم نضيف إلى ذلك أن فرنسا الآن تشعر بالتهديد وتضاؤل الدور، فلم تعد فرنسا دولة مؤثرة في السياسة العالمية، بل حتى تراجع دورها في أوروبا، ومن المتوقع ممن يشعر بالهزيمة أن يبدأ في إثارة المعارك وافتعال الأزمات ليحصل على الدعم وليحقق التحشيد.. والمسلمون هم الطرف الأضعف الذي يمكن خوض معركة مأمونة العواقب معهم، إذ ليس لهم من يدافع عنهم أو من يهدد مصالح فرنسا إذا استهدفتهم.

-ردا على موقفها.. ظهرت حملة شعبية تدعو لمقاطعة المنتجات الفرنسية، وتعد هذه الحملة من أنجح المواقف الشعبية استمرارية في تبني نصرة الرسول ورفض الإساءة إليه صلى الله عليه وسلم فقد أوشكت أن تتم عامها الأول.. فما هو تقييمك لهذه لحملة؟

 لا شك أن حملة مقاطعة المنتجات الفرنسية كانت أقوى مما تخيل الجميع، واستطاع الناشطون على مواقع التواصل ابتكار العداد اليومي للمقاطعة، وظل وسم المقاطعة وسما متصدرا طوال أيام السنة، التي كانت حافلة بالأحداث الكبيرة والخطيرة.. وحتى لو اختلف بعض الناس حول التأثير الحقيقي للمقاطعة، فمن المؤكد أنه كان تأثيرا مهما، ومن أجل ذلك تحركت الخارجية الفرنسية كثيرا لمحاولة حصار هذه الحملة.

 ولكن النجاح الأهم هو المعنى التربوي والنفسي والإيماني لهذه المقاطعة، فحتى لو لم تكن المقاطعة مؤثرة بأي شكل، فإن استعادة المسلم لكرامته وحميته وغيرته، وتعبيره عن ذلك ولو بمجرد الامتناع عن الشراء، إن مجرد ذلك هو نجاح عظيم ومهم نحتاجه بشدة، ففي اللحظة التي نفقد فيها غيرتنا وحبنا لنبينا أو استهانتنا بالإساءة إليه نكون قد انتهينا وسقطنا في اختبار الإيمان أولا، قبل أن نسقط في التبعية الكاملة لأعدائنا! وهي تبعية اقتصادية وثقافية ونفسية شاملة. 

-هل يمكن تكرار هذا النموذج من الحملات مع الدول التي تسيء للإسلام أو تضطهد المسلمين لديها كالهند؟

أكرر على نفس المعنى: تظل المقاطعة سلاحا تربويا ونفسيا وإيمانيا، وهو مهم جدا جدا، ويمكن استعماله في كل موقف.. ولكن الحديث عن التأثير الاقتصادي للمقاطعة تجاه الدول التي تضطهد المسلمين، يحتاج إلى قياس كل حالة بمفردها، لاختلاف الظروف والتفاصيل والمنتجات والقدرة على التخلي عنها وغير ذلك من العوامل.

-مؤخرا دشنتم الهيئة العالمية لنصرة نبي الإسلام.. من أين جاءت الفكرة؟ وماذا ينتظر من أدوار يمكن أن تقوم بها الهيئة؟

يعود الفضل في هذه الفكرة للشيخ محمد الصغير، عضو الأمانة العامة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وقد كان من أهم وأنشط المتبنين لحملة المقاطعة على مواقع التواصل، وهو لشهرته وكثرة متابعيه مثَّل ضلعا مهما في هذه الحملة. ثم طرح الفكرة على بعض من المشايخ الذين شاركوه هذا الهمّ بحملة المقاطعة، فانتهى الأمر إلى هذه الفكرة.

وإذا أردنا اختصار دور الهيئة، فهي أنها تحاول أن تكون تجميعا لمجهودات نصرة النبي ﷺ بحيث تصل في النهاية إلى تجريم الإساءة إليه في أي مكان، وهو ما يستدعي في الوقت نفسه القيام بحملات للتعريف بالنبي واستنهاض الهمم في نصرته، وإتاحة المجال للطاقات المغمورة والكامنة لتنشط في نصرة النبي، وتوجيه الأنظار والأبصار إلى هذا الموضوع.. ربما يمكن أن نصف مهمة الهيئة بأنها "الدبلوماسية المحمدية"، فلو كان ثمة دولة إسلامية واحدة تعبر عن الأمة لكانت من أوائل مهماتها التعريف بالنبي ونصرته وتحشيد الطاقات في سبيله.

نشر في مجلة المجتمع، 25 أكتوبر 2021