الأربعاء، مايو 06، 2026

الصمود الذي غيَّر التاريخ!

 


هذه سطور في فضائل الصمود، ليست حديثا نظريا، بل وقائع عملية مُختارة من صفحات التاريخ، نرى فيها كيف أن صمود رجل أو جماعة قليلة في لحظة ما، استطاعت تغيير مجرى التاريخ، وتسجيل نتائج حاسمة عاشت لقرون طويلة!

من هذه القلة الصامدة تبدأ التحولات التاريخية الكبيرة، مع أنهم في الأغلب لا يدركون بأنفسهم عظمة ما يصنعون ولا اتساع تأثيره ولا امتداد آثاره عبر القرون!

إن القدرة على المقاومة في لحظة الضعف وانتشار اليأس أمر لا يتمتع به إلا نوادر الناس. وأولئك هم الذين يكونون ملاذ الأمم وبذرة انتهاضها من جديد! هذا الصنف من الناس هم الذين يصمدون فيقاتلون ويقاومون مهما كانت الظروف، ومهما كانت موازين القوى.

وفي الذروة من هذا الصنف من البشر، أولئك الذين منحهم النبي ﷺ وسام “سيد الشهداء”، وهو الوسم الذي احتفظ به رجل يقاوم في الظرف المستحيل، قال ﷺ: “ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله”[1].

إنه الرجل الذي يجابه السلطان الجائر بكلمة الحق، وهو يعلم أنه سيموت.. الرجل الذي يقاوم ويعرف أنه سيدفع الثمن لا محالة، وربما يدفعه دون أثر كبير في المعادلة الكبرى.. الاستشهادي الذي سيكون هو أول شهيد في عمليته الفدائية.. الانغماسي الذي يُلقي بنفسه وسط العدو رجاء أن يُنكِّل بهم ويفتح طريقا لأصحابه من بعده.. أولئك الناس الذين يخرجون عن قانون البشر هم الذين يغيِّرون التاريخ أو يكونون بذرة تغييره!

ولمثل هذا تخشى السلطات والتقنيات الأمنية مما يسمونه “الذئب المنفرد”.. لهم تسميتهم ولنا تسمية نبينا بأنه “سيد الشهداء”! أولئك الذين يقاومون في الظروف المستحيلة، كان إيمانهم بقضيتهم أعلى من كل أمل مشهود أو منشود، وفي حالتنا نحن المسلمين، كان إيمانهم بالله وبوعد الآخرة وبالجنة أقوى من كل نتيجة مرتقبة في هذه الدنيا، ولهذا أُطلق على الذين يُقتلون في سبيل الله: شهداء.. أي أنهم شهدوا بأرواحهم على حقيقة الله واليوم الآخرة، وهو أسمى مراتب الإيمان واليقين، فالروح أغلى ما يملكه الإنسان.

أولئك الذين يقاومون في الظروف المستحيلة هم الذين يمهدون الطريق لمن بعدهم، ولذلك وصفهم النبي بالغرباء.. لأنهم غرباء بين الناس كأنهم ليسوا منهم.

إلا أن هؤلاء هم من يجدد الأمل في نفوس المغلوبين، ويجدد الفزع في نفوس الغالبين، يعلنون بأعمالهم هذه أن المعركة لم تنتهِ والاستسلام لم يقع، وما زال ثمة أمل للمغلوب، وما زال ثمة خطر يتهدد الغالب! فهم بتضحيتهم هذه يعلنون أن الأمل لم يمت، وأن اليأس لم يهيمن!

والإسلام يُجَهِّز أبناءه ليكونوا على أعلى قدر من الاستعداد والفعالية، لقد حفل القرآن الكريم والسنة النبوية بما ينتشل الإنسان من لحظة الضعف والهزيمة، حين ينهزم بالمعصية أمام نفسه وأمام الشيطان، أو حين ينهزم أمام عدوه من الكافرين، ويمتلئ القرآن بما ينتشل المسلم من اليأس والاستسلام، ويحفزه ويحضه ويحثه على الجهاد والصبر والمثابرة، كما في قوله تعالى ﴿لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [يوسف: 87]، ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]، ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ﴾ [الزمر: 53]، ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَٰلِحًا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٍ﴾ [الفرقان: 70]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]، ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]، ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30].

وتكتظ السنة بهذه المعاني كذلك، فالجهاد ذروة سنام الإسلام[2]، والشهيد في أعلى درجات الجنة حتى ما من أحد يتمنى أن يعود إلى الدنيا بعد دخوله الجنة سوى الشهيد، يريد أن ينال شهادة أخرى[3]، وفي الحديث القدسي يقول ربنا: “يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم”[4]، وأخبر النبي عن ربه أنه لا يزال يغفر لعباده ما داموا يستغفرونه[5]، وأخبر أن الله “يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل”[6].

هذا هو الأمل الذي لولاه لما كان في المسلمين مجاهد ولا شهيد.. أملٌ عريقٌ راسخٌ من صميم الإيمان لا ينفلت عنه ولا ينفصم، ولهذا كان الإسلام هو الخطر الكبير على الجبابرة والمتكبرين، ولا تزال أحلامهم وآمالهم في تغيير نصوصه وتحريف معانيه وتأويل كلامه تسيطر على مجهودهم، يريدون أن يبدلوا كلام الله.

نضرب الآن أمثلة من التاريخ على ضرورة الصبر والصمود، وكيف أفضى هذا إلى نتائج فارقة وخطيرة، ليرى العامل لهذا الدين كيف يجب عليه أن يتسلح بالصبر والصمود، لا سيما ونحن الآن في أزمنة استضعاف وهزيمة لا بد لنا فيها من هذا الصبر والصمود.

 

(1)

أولى الناس بالصبر والصمود من أقاموا الأديان من الأنبياء والمرسلين، لا سيما أولي العزم من الرسل، ومثلهم في هذا الجانب أولئك الزعماء الكبار الذين أسَّسوا دولا وممالك، فإن هذا أمر لا يتم بغير عزيمة هائلة وصبر لا ملل معه ولا نكوص عنه، فما من مؤسس دولة ومملكة إلا وهو آية وقدوة في الصبر والصمود، وبذلك استطاع أن يقلب أوضاع زمنه وينشئ دولته، ويغير التاريخ في حياته ومن بعده!

وأعظم هؤلاء قاطبة: نبينا محمد ﷺ، إذ هو الوحيد في تاريخ البشر الذي أقام دينا عظيما، وأقام حضارة عظيمة أيضا، ولهذا وضعه مايكل هارت كأعظم رجال التاريخ، لأنه “نجح نجاحا مطلقا على المستوى الديني والدنيوي، وهو قد دعا إلى الإسلام، ونشره كواحد من أعظم الديانات، وأصبح قائدا سياسيا وعسكريا ودينيا، وبعد 13 قرنا من وفاته فإن أثر محمد ﷺ ما يزال قويا متجددا”[7].

وتتعدد مواقف صموده وصلابته ﷺ في سيرته، فمنها:

§     اشتد ضغط المشركين على أبي طالب ليكف النبي ﷺ، فأرسل إليه أبو طالب في شدة حر الظهيرة، فلما جاءه قال: إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم فانته عن أذاهم. فحلق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء فقال: “ترون هذه الشمس؟”. قالوا: نعم. قال: “فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منها بشعلة”[8].

§     حديثه ﷺ لخباب بن الأرت حين جاء إليه يشكو ما نزل بهم من العذاب، فكأن النبي ﷺ رأى في كلامه بعض الضعف، فقال له: “كان الرجل فيمن قبلكم يُحْفَر له في الأرض، فيُجْعَل فيه، فيُجَاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيُشَقّ باثنتين، وما يصدّه ذلك عن دينه، ويُمَشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عَصَب، وما يصده ذلك عن دينه، والله لَيتِمَنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون”[9].

ومن ذلك ما قام به صاحبه وخليفته من بعده، والمؤسس الثاني لدولة الإسلام، أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وثباته وصلابته الهائلة في أحداث الردة، وهي الوقفة التي حفظ الله بها الإسلام والمسلمين، فقد أصرَّ رضي الله عنه على إنفاذ بعث أسامة، لأن النبي ﷺ أوصى بإنفاذه، وأصرَّ على مقاتلة المرتدين جميعا: من انخلع منهم من الإسلام بالكليّة، ومن منع منهم الزكاة، وقال مقالته الشهيرة: “والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها”، وكانت وقفته هذه من القوة والرسوخ بحيث قال عمر: “فما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر رضي الله عنه بالقتال فعرفت أنه الحق”[10].

 

(2)

كان انتصار الإسلام في موجة الفتوح الأولى كاسحا وهادرًا، ولم تزل قوة المسلمين عظيمة تلقي المهابة في نفوس الأعداء، ولم يحدث أن فكر الروم في استرجاع الشام من المسلمين إلا بعد ثلاثة قرون، ثم انتهت دون تحقيق كبير نجاح، حتى جاءت موجة الحملات الصليبية في القرن الخامس الهجري، فاستطاعت الحملة الصليبية الأولى أن تحتل الساحل الشامي، وأن تؤسس أربعة إمارات صليبية، كانت مراكزها في: الرها وأنطاكية وطرابلس وبيت المقدس.

وجاءت هذه الموجة في وقت عصيب انقسم فيه المسلمون بين خلافتيْن: الخلافة العباسية في بغداد، والخلافة العبيدية (الفاطمية) في القاهرة، وكان خط الاحتكاك بينهما في الشام الذي انقسم في الولاء بين العباسيين والعبيديين. ثم إن كلا الخلافتيْن كانتا قد دخلتا في طور من الضعف، فالعباسيون كانوا تحت السيطرة الفعلية للسلاجقة فيما عُرِف بعصر سيطرة السلاجقة، والعبيديين كانوا تحت السيطرة الفعلية لوزرائهم فيما عُرف بعصر الوزراء. ومما زاد في الخطورة أن دولة السلاجقة أيضا قد دخلت في انكسار مفاجئ بعد موت وزيرها الأقوى والأشهر نظام الملك الطوسي، وموت أميرها القوي السلطان ملكشاه في شهرين متتالين (رمضان وشوال 485ه)، فترتب على هذا انقسام الدولة السلجوقية الكبيرة إلى عدة دول، ثم انقسام ولايات الشام بين الأمراء السلاجقة الذين ضربهم التنازع.

في هذا الوضع الممزق جاءت الحملة الصليبية الأولى..

ومع ذلك، فإن النظر في تفاصيل ما جرى من المعارك يشير إلى أن بعض الأمراء لو بذل مزيدًا من الصمود والصبر، لكان مصير الحملة الصليبية هو الفشل، ولو فشلت هذه الحملة الأولى، لظل المسلمون قرنًا آخر على الأقل لا يجرؤ الروم على التفكير في استعادة الشام منهم، ولكن صبر الساعة المفقود هذا قد أورث الأمة قرنيْن من الكفاح الدامي، والذي كانت له نتائج فارقة في كل التاريخ الإنساني، فإن الحروب الصليبية هي واحدة من أهم الأحداث الفارقة في تاريخ هذا العالم.

لا يسعنا التوقف هنا عند كل اللحظات، ولكن اخترنا من بينها هذه اللحظة:

كان أمير أنطاكية يسمى ياغيسيان، وكان ذا ذكاء وبطولة، ولما سمع بتوجه الجيش الصليبي إليه، خشي من خيانة نصارى أنطاكية، فتحايل على إخراجهم منها حتى تمكن من ذلك، وجاء الجيش الصليبي فظلّ محاصرًا للمدينة تسعة أشهر لم يستطيعوا أن يفعلوا فيها شيئا لما أظهره ياغيسيان من القوة والمهارة، حتى هلك أكثرهم موتا وجوعا وعطشا، يقول ابن الأثير واصفا نتيجة هذا الصمود بأن الفرنجة “لو بقوا على كثرتهم التي خرجوا فيها لطبقوا بلاد الإسلام” أي لاحتلوا الكثير من البلدان وليس الشام فحسب.

ولكن الخيانة جاءت من حارس أحد الأبراج، استطاع الفرنجة أن يعدوه بالمال والإقطاع، فخان المسلمين، وفتح لهم الطريق، فانتهزوا فرصة فاقتحموا البلد من هذا المكان!

هنا انهار صمود ياغسيان دفعة واحدة، ففزع واستولى عليه الرعب، وفتح باب البلد وخرج هاربا هائما على وجهه، فكان هروبه هذا، كما يقول ابن الأثير، “معونة للفرنج، ولو ثبت ساعة لهلكوا”.

ومن شدة فزعه ورعبه، لم ينتبه إلى ما حصل إلا “لما طلع عليه النهار رجع إليه عقله، وكان كالولهان، فرأى نفسه وقد قطع عدة فراسخ، فقال لمن معه: أين أنا؟ فقيل: على أربعة فراسخ من أنطاكية، فندم كيف خلص سالما، ولم يقاتل حتى يزيلهم عن البلد أو يُقْتَل، وجعل يتلهف، ويسترجع على ترك أهله وأولاده والمسلمين، فلشدة ما لحقه سقط عن فرسه مغشيا عليه، فلما سقط إلى الأرض أراد أصحابه أن يركبوه، فلم يكن فيه مسكة فإنه كان قد قارب الموت فتركوه وساروا عنه، واجتاز به إنسان أرمني كان يقطع الحطب، وهو بآخر رمق، فقتله وأخذ رأسه وحمله إلى الفرنج بأنطاكية”[11].

وهكذا سقطت أنطاكية، وانفتح الطريق إلى بيت المقدس!

 

(3)

نجح صلاح الدين في سلسلة انتصارات قوية على جيوش الصليبيين، حتى توَّج ذلك بدرة انتصاراته في معركة حطين التي حطَّم فيها الجيش الرئيسي للصليبيين، ولم يبق بعدها إلا أن يفتح المدن والمعاقل، ففتح بيت المقدس، وسار من فتح إلى فتح، حتى اصطدم بمدينة صور، فحاصرها، وفشل في اقتحامها وتحريرها، لتكون أول إخفاق له بعد سلسلة طويلة من الانتصارات المظفرة!

كان أهم أسباب هذا الإخفاق ذلك الصمود الصلب الذي أظهره فارس صليبي باسل يدعى كونراد دي مونتفرات، حيث قاد فلول المهزومين من الصليبيين اللاجئين إلى صور، وحيث كان العفو الواسع الذي أصدره صلاح الدين عن فرسان الصليبيين وقادتهم –وهذه من أخطائه الفادحة- قد جعل كثيرا من هؤلاء يجددون القوة الصليبية من جديد، ويواجهون بها جيوش المسلمين، ومن هؤلاء كثيرون ذهبوا إلى صور وانضووا تحت قيادة كونراد دي مونتفرات.

أظهر كونراد قيادة ذكية، فأوقع بالأسطول الإسلامي الذي جاء يحاصره من البحر، فضمن بذلك خط إمداد بينه وبين الصليبيين، وصمد حتى دخل الشتاء الذي كان مطيرا باردًا، فاضطر صلاح الدين إلى فكّ الحصار[12]! وتحولت صور إلى مركز المقاومة الصليبية، ومنها انطلقت الأخبار والمبعوثين ليستنهضوا ملوك أوروبا في حملة صليبية جديدة[13]، حتى أثمرت جهودهم فجاءت الحملة الصليبية الثالثة ذات الجيوش الهائلة، وانقلب بها الموقف تماما!! وهكذا “فبفضل هذا الرجل القوي أضحى لصور، الناجية من نكبة الاجتياح الكبرى، في الأيام القادمة دور المنطلق لإعادة الغزو الفرنجي من جديد”[14].

ليس هذا فحسب، بل يقدر بعض المؤرخين أن صور التي أفلتت “بما يشبه المعجزة” من اجتياح صلاح الدين، كانت نقطة تحول في كل تاريخ الحملات الصليبية، بحيث أن صلاح الدين إذا استطاع فتحها فلم يكن ليقع حصار عكا، ولا حتى كانت الحملة الصليبية الثالثة قد استطاعت المجيء أصلا[15]!

 

(4)

كان صلاح الدين سخيا في العفو عن الأسرى، بمن في ذلك الملوك والقادة، وقد أتاح هذا لهم فرصة جديدة للانقلاب على عهودهم والتجمع مرة أخرى للانقضاض عليه، وقد دفع جراء ذلك ثمنا فادحا ومريرا مع الحملة الصليبية الثالثة، التي هي أقوى الحملات الصليبية قاطبة.

ومثلما كان صمود كونراد دي مونتفرات نقطة تحول في مسار الحروب الصليبية، فلقد كان صمود صلاح الدين أمام هذه الحملة الرهيبة نقطة تحول كذلك، ففيها اتحد ملوك أوروبا، وعلى رأسهم فريدريك ملك ألمانيا وفيليب ملك فرنسا وريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، وأنفقت عليها أموال طائلة من بينها ضريبة خاصة جُمِعت على يد الباباوات، سُمِّيت “ضريبة صلاح الدين”.

استطاعت هذه الحملة استرداد سائر المدن الساحلية من عكا إلى يافا، واستطاعت إنقاذ المدن التي لم تسقط بعد مثل أنطاكيا وطرابلس، واستماتت في سبيل انتزاع بيت المقدس –الهدف الأساسي الذي خرجت من أجله- التي استمات صلاح الدين في الدفاع عنها، ثم انتهت إلى الصلح الشهير المعروف باسم “صلح الرملة”.

لو نظرنا إلى هذه النتائج بعين أوروبا الصليبية وفي ضوء قوة الحملة وضخامتها فهي نتائج ضئيلة، وإذا نظرنا إليها بعين المسلمين وفي ضوء موازين القوة فهي حملة خطيرة هددت كل نتائج الجهاد الإسلامي السابق في سبيل تحرير بيت المقدس، وكانت على وشك أن تسترد بيت المقدس مرة أخرى، لولا استماتة صلاح الدين في الدفاع عنها!

لقد أعادت هذه الحملة حالة التوازن من جديد بين المسلمين والصليبيين، من بعد ما كاد المسلمون يزيلون الوجود الصليبي كله، واستطاعت الحملة أن تمدّ في عمر الوجود الصليبي قرنا آخر من الزمان، وهذه النتائج الضخمة الفارقة يمكن أن نعود بها إلى لحظتيْ صمود: لحظة صمود كونراد دي مونتفرات وهو في قلة وضعف أمام قوة صلاح الدين العاتية، ثم لحظة صمود صلاح الدين وهو في قلة وضعف أمام جيوش أوروبا المتحدة!

 

(5)

أختم بهذا المثال الفارق في موضوع الصمود، وهو صمود القسطنطينية!

حين بُعث النبي ﷺ كانت القوى العالمية القائمة هي: فارس والروم، والروم المقصودون هنا هم الروم البيزنطيون، وهم القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية، فلقد انقسمت الإمبراطورية الرومانية الضخمة إلى قسمين: القسم الشرقي وعاصمته القسطنطينية (اسطنبول الآن) وديانته المسيحية الأرثوذكسية ولغته اليونانية، والقسم الغربي وعاصمته روما وديانته المسيحية الكاثوليكية ولغته اللاتينية!

لكن القسم الغربي عصفت به الفوضى، وهاجمته قبائل الشمال، ودخل في طور من الضعف والتمزق، بينما بقيت قوة المسيحية السياسية والعسكرية والحضارية في القسم الشرقي الذي عاصمته القسطنطينية.

ولما بشَّر النبي ﷺ بفتح القسطنطينية ورومية كان يبشر بسيادة الإسلام على العالم المسيحي كله، ولهذا سأل الصحابة: أيها تفتح أولا؟ فقال: مدينة هرقل[16] (أي القسطنطينية). ولهذا اندفع المسلمون إلى فتح القسطنطينية، وقد كانت الأقرب إليهم جغرافيا، وظلوا يحاولون فتحها إلا أنها صمدت أمامهم ثمانية قرون، ولم يمكن فتحها إلا في منتصف القرن التاسع الهجري على يد السلطان محمد الفاتح في زمن الدولة العثمانية.

ماذا ترتب على صمود القسطنطينية ثمانية قرون؟!

ترتب على ذلك أنها وفَّرت الوقت والفرصة للغرب، القسم الغربي من الإمبراطورية الرومانية القديمة، الذي نسميه الآن: أوروبا الغربية، لينهض ويتقوى ويبزغ من جديد.. ومنذ ذلك الوقت، ونحن نعاني من هذا الغرب الويلات تلو الويلات!

لو أن القسطنطينية لم تصمد كل هذا الوقت، ولو أنها فُتِحت في موجة الفتوحات الأولى في زمن الخلافة الراشدة أو الدولة الأموية، لكان الإسلام قد عمَّ وانتشر في أوروبا كلها: شرقها وغربها، إذ لم يكن ثمة قوة أخرى يمكن أن تقف في وجه الجيوش الإسلامية آنذاك!

وذات الكلام يمكن أن يقال عن صمود فيينا أمام الجيوش العثمانية، لقد صمدت مرتين في عهد السلطان سليمان القانوني، وهو ذروة الدولة العثمانية، في عامي (1529، 1532م)، ومرة ثالثة في عهد السلطان محمد الرابع، في عام (1683م). وكان هذا الإخفاق الأخير في فتح فيينا هو بداية الانقلاب والتحول في قوة الدولة العثمانية، التي دخلت من بعد ذلك في طور الجمود! لقد كانت فيينا القلعة التي احتمت وراءها فرنسا وبريطانيا وبروسيا وإسبانيا، ووفَّر صمودها الوقت والفرصة لهذه القوى الصاعدة الناهضة لتؤسس أنظمتها السياسية والاقتصادية الجديدة التي ستجعل منها قوى عالمية ضخمة، ستبتلع فيما بعد الدولةَ العثمانيةَ ذاتَها!

فلو تصورنا أن فيينا قد فُتِحت في زمن سليمان القانوني أو في زمن محمد الرابع، لكان تاريخ الإسلام وأوروبا مختلفا تماما، ولكان الإسلام هو اليد العليا في أوروبا لقرن آخر على الأقل!

وحتى اللحظات الأخيرة في فتح القسطنطينية، كانت المدينة تبدو مستعصية، وقد هلك في فتحها عدد ضخم من الجنود العثمانيين، وعُرِض على السلطان الفاتح ما شاء من الأموال لكي يتراجع عن فتح المدينة، ولكن صموده وإصراره واستماتته في فتحها هو ما جعل الفتح ممكنًا، ولعل الله قد اطلع على إخلاصه وصدق عزيمته ففتح عليه بهذه الفكرة العسكرية العبقرية التي كانت سببا في الفتح، وهو تسيير السفن فوق الجبل في الخطة العسكرية المشهورة في فتح القسطنطينية، وأيده بهؤلاء الجنود الأشاوس الأبطال الذين تم على أيديهم النصر.

ولو تخيلنا أن القسطنطينية لم تُفْتَح في زمن الفاتح، لكانت النتائج أشد سوءا بكثير على مستوى انتشار الإسلام في شرق أوروبا، وعلى مستوى قوة الدولة العثمانية ونموها بالنسبة إلى بقية القوى الأوروبية الأخرى في ذلك الوقت.

تلك النتائج الفارقة التي نعيشها وتؤثر في تاريخ الإنسانية كله، كانت ثمرة صمود بذله الآحاد من الزعماء، أو العشرات من القادة!

نشر في مجلة أنصار النبي - مايو 20206



[1] الحاكم (4884) وقال: صحيح الإسناد. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (374).

[2] أحمد (22121)، الترمذي (2616)، وقال: حسن صحيح، النسائي (11394)، ابن ماجه (3973)، وصححه الألباني.

[3] البخاري (2642)، مسلم (1877).

[4] مسلم (2577).

[5] أحمد (11255) بإسناد حسن، الحاكم (7672) وصححه ووافقه الذهبي

[6] مسلم (2759).

[7] مايكل هارت، الخالدون مائة أعظمهم محمد ﷺ، ص13.

[8] الألباني، صحيح السيرة النبوية، ص144؛ إبراهيم العلي، صحيح السيرة النبوية، ص57. وجاءت رواية أخرى ضعيفة السند بذات المعنى ولكنها مشتهرة، وهي ما روى عنه ﷺ أنه قال: "يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته".

[9] البخاري (6544).

[10] البخاري (1388)، مسلم (20).

[11] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 9/14 وما بعدها.

[12] ابن شداد، النوادر السلطانية، ص137، 138، 156 وما بعدها.

[13] ابن شداد، النوادر السلطانية، ص208؛ ستيفان رنسيمان، تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة: السيد الباز العريني، (بيروت: دار الثقافة، 1997م)، 3/19 وما بعدها.

[14] رنيه غروسيه، موجز تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة: د. أحمد إيبش، ط1 (أبو ظبي، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، 2014م)، ص66.

[15] ستانلي لين بول، تاريخ مصر في العصور الوسطى، ترجمة: د. أحمد سالم سالم، (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2014م)، ص402، 403.

[16] أحمد (6645)، والدارمي (486)، والحاكم (8301) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.