الخميس، يناير 30، 2014

وا ثورتاه




لم تمت الثورة ما دام في الشوارع من يكافح عنها، ولكن النداء عليها بصيغة الميت "واثورتاه" من معاني الحماسة التي اشتهرت في تاريخنا كقول المرأة "وامعتصماه" وقول قطز "وا إسلاماه"، غير أن الحال صعب وفي ضيق وكرب، والأمل في الله لا ينقطع ثم في الشباب الذين يجددون الثورة ويخوضون الآن أحرج معاركها.

لكن الفارق بين الثورة إذ هي شباب هادرة، وبينها بعد أن تآمر عليها العسكر ومن خلفهم عروش ملوك وامبراطوريات فارق كبير.

(1)

الحاكم يريد إحياء النظام..

ليس من تعبير أقوى عن الفارق بين الثورة والانقلاب مثل الفارق بين "الشعب يريد" و"الحاكم يريد"، في الأولى الحاكم يستجيب للشعب وإن رغما عنه، وفي الثانية على الشعب أن ينزل لتفويض الحاكم ليفعل ما يشاء!

بعد الثورات يكون الشعب سيد نفسه ومالك أمره، وإذا ما تجاوزنا المطبات والمناورات التي عبرت بها ثورة يناير فإن صلب الحركة الثورية والمسار السياسي كان بيد الشعب، فالشعب هو الذي وافق على تعديلات دستورية، ثم هو الذي انتخب ممثليه لمجلس الشعب، وممثليه في مجلس الشورى، وهم بدورهم انتخبوا لجنة لكتابة الدستور، وهو من وقف المرشحون أمام الشاشات يستعرضون مهاراتهم وبرامجهم ويتعرضون لامتحانات قاسية ليحاولوا إقناع الشعب بالتصويت لهم، ثم وقف الشعب في الطوابير واختار من شاء في ظل حرية إعلامية ظاهرة، ثم نزل الشعب ليقرر رأيه في الدستور الذي كتبته لجنة منتخبة.. وهكذا كان المسار بعنوان "الشعب يريد".

بعد الانقلاب يختفي الشعب من المعادلة تماما، ويأتي الحاكم ومعه أجهزة الدولة والإعلام والأموال ليفعل ما يريد، فكل من ساهم في كتابة خريطة الطريق شخصيات غير منتخبة ولا تمثل إلا نفسها، فالعسكر هم مجرد موظفين لم يبلغوا أماكنهم باختيار الشعب بل إن الشعب لا يعرف حتى أسماءهم فضلا عن أن يكون اختارهم، والبرادعي مجرد رئيس حزب لم يحصل على أي شعبية في أي استحقاق انتخابي، وكذلك شيخ الأزهر الذي هو مجرد موظف اختاره حسني مبارك، وبابا الكنيسة جاء بالقرعة على يد طفل صغير بعد اختيار كنسي ضيق، فضلا عما سميت حركة تمرد التي بلغت من الفجور حدا غير مسبوق، إذ زعمت أنها جمعت ملايين التوقيعات دون أن تقدم على هذا أي دليل!

في ظل غياب أي إسهام شعبي، عُيِّن موظف بالمحكمة الدستورية شاءت له الأقدار أن يكون الأكبر سنا في تلك اللحظة (!) كرئيس للجمهورية، لكن الأقدار لم تُعطِه إلا الختم ليوقع به على القرارات الانقلابية مثل: حل مجلس الشورى المنتخب، تعيين لجنة لكتابة الدستور من الأصدقاء والمرضيّ عنهم، ثم لم يُسمح لأي مهرج بالمساس بالانقلابيين في أي وسيلة إعلامية، ولم يعد أحد يستطيع أن يفكر في خيار "لا" على الدستور، وفي سابقة "ديمقراطية" كان يقال: من يقول لا فهو خائن، وكانت الشرطة تقبض على من يقول لا أو يفكر في توزيع منشورات تدعو للتصويت بلا.

وهكذا، ما على الشعب إلا أن يستمع لوسائل إعلامنا، ثم ينزل إذا احتجنا أن نرتكب جريمة ليعطينا "التفويض"، والذي ستتولى الكاميرات والإعلام ترجمة مطالبه وتفسير إرادته كما نرغب.. فهكذا صار المسار بعنوان "الحاكم يريد".

فهذا فارق ما بين الثورة والانقلاب.

(2)

كلكم خالد سعيد..

بلغ من عتو النظام أنه لم يضحِّ حتى بأمناء الشرطة الذين قتلوا الشاب خالد سعيد –أيقونة الثورة، كما يحب البعض أن يسميه- فسارت محاكمتهم الهزلية برعاية القضاء الشامخ حتى تمت براءتهم، والآن تواجه أسرته تهمة البلاغ الكاذب ويطالب الجناة بتعويضات مادية ومعنوية!! مشهد يلخص انتكاسة الثورة.

قميص الشهداء رُفِع في وجه مرسي، وكان حقا أريد به باطل، ثم اختفى القميص في ظروف غامضة من بعد الانقلاب العسكري.

كانت "القوى السياسية والثورية" –وما هي بقوى، إن هي إلا ميكروفونات- تؤلف وتزيف وتخترع أرقاما للشهداء، وكان آخر ما بلغه خيالهم أن يقولوا "في عهد مرسي سقط مائة شهيد مصري"، وهذا دجل مفضوح، ولا يستطيع أحدهم إثبات أكثر من عشر حالات أغلبهم من مؤيدي مرسي!! لكنه مشهد الإنسان حين يتجرد من الشرف ويتجرد معه من الحياء!

وقد اكتمل المشهد بسقوط الآلاف في الأيام الأولى للانقلاب، ففي أول مذبحة (الحرس الجمهوري) سقط 112 شهيدا على الأقل، وفي ثانيها (المنصة) سقط 211 شهيدا، وهذا بخلاف المحارق الكبرى في رابعة والنهضة ورمسيس والمهندسين والدقي، وبخلاف العمليات العسكرية في كرداسة ودلجا، وبخلاف المحرقة المنصوبة يوميا ولا نعرف عدد شهدائها في سيناء.

وهم لم ينزلوا قميص الشهداء حتى رفعوا مكانه لواء الإفناء والسحق والاستئصال، وكتبت مقالات جادة تحرض على إفناء الإخوان باعتبارهم حشرات ضارة وأمراض معدية يجب "تعقيم" البلد و"تطهير" الوطن منهم!!

وفي حين تسعى الثورات للاقتصاص لكل خالد سعيد، تسعى الانقلابات لجعل الناس كلهم عبرة ومثلا كخالد سعيد.

(3)

إني هنا القانون..

رسم شاب ظريف كاريكاتيرا بهذا المعنى: قررت الدستورية حل مجلس الشعب، يسأل المواطن: وإرادة الناس؟ فيقال له: القانون فوق إرادة الناس. فلما تم الانقلاب العسكري سأل المواطن: أين القانون فقيل له: إرادة الناس فوق القانون!!

في الانقلابات العسكرية لا مجال لقانون، كان خطاب السيسي يمثل ساعة صفر لحملة إغلاق القنوات الفضائية واعتقال القيادات، وبعد ساعات عزل النائب العام ومدير المخابرات ورئيس الرقابة الإدارية وعدد من المناصب التي يشغلها معارضي الانقلاب، وبعد ساعات أخرى صدر قرار حل مجلس الشعب، وبعد ساعات صدر قرار بتعيين لجنة الدستور، واختفى الرئيس المنتخب فلا يُعرف مكانه لشهور تالية، وتمت كافة الإجراءات بلا أي غطاء قانوني.. ويجب ألا ننسى أن الانقلاب أصلا جريمة قانونية.

لكن، هكذا تكون الانقلابات..

لا كتلك الخديعة التي شربها الناس يوم 11 فبراير حين عُزِل مبارك فاستقر في قصره في شرم الشيخ وظل رجاله أحرارا لشهور، بل بدا لمبارك أن يسرب تسجيلا صوتيا أذاعته قناة العربية يتوعد فيه بمقاضاة كل من اتهمه في ذمته المالية! لو كان مبارك يشك لحظة واحدة أنه قد يُمَسّ لما بقي في مصر، وهذا يدلك على مستوى الأمن والرفاهية التي كانت له ولرجاله حتى أتموا أمورهم في تحويل الأموال وفرم الأوراق وتدبير أمورهم في التجارات والأملاك.

وكانت الحركة الثورية من السذاجة والغباء بحيث ابتلعت –أو حتى طالبت- بأن يأخذ القانون الطبيعي مجراه، وألا تكون المحاكمات ثورية أو استثنائية، وبعد استقرار هذه الخديعة، حدثت أمور مدهشة، إذ كان القضاء مستمرا في صدم الناس بتبرئة القتلة، فيشتم الناس القضاء، فيحاول مرسي إصلاح الوضع فتهب عليه الأعاصير التي ترفع لواء "دولة القانون، القضاء الشامخ، قدسية الأحكام القضائية... إلخ.

ونحن هنا لا نناقش خطأ مرسي الذي كان ينبغي له كرئيس بعد ثورة أن يضرب بهذه الشعارات وأصحابها عرض الحائط ويلقيهم وإياها في أقرب مزبلة أو أقرب زنزانة –أيهما أنسب- بل نناقش قميص القانون الذي اختفى هو الآخر في ظروف غامضة!

وقد صدق نيتشه في قوله "القانون ما هو إلا تعبير عن رغبات الأقوياء"، ومن بعد ما كان رئيس نادي القضاة يملك من الحرية ما يسمح لسفاهته أن تبلغ حد الاستغاثة بأوباما ودن أن يمسه أذى لتحصنه بثوب القضاء، فالآن تجري مذبحة قضائية للأقلية الضئيلة التي تتمتع بنزاهة قضائية.

في عهد مرسي قُتِل الشاب محمد الجندي في ظرف غامض، تقارير طبية قالت بأنه حادث سيارة وتقارير أخرى قالت بأنه تعذيب في معسكر أمن مركزي، وعقدت ثلاث لجان على الأقل للفصل في الحالة. في عهد الانقلاب لم تتحرك دعوى قضائية ضد آلاف المقتولين.

صارت القوة هي القانون، ولم يعد للقانون من قوة..

تماما كما قال القرضاوي في نونيته على لسان حمزة البسيوني، مدير السجن الحربي أيام عبد الناصر:

أين الأُلى اصطنعوا البطولة وادعوا .. أني أعذبهم هنا بسجوني

أظننتمُ هذا يخفف عنكمُ .. كلا فأمركم انتهى، وسلوني

إني هنا القانون أعلى سلطة .. من ذا يحاسب سلطة القانون

إن شئت سامحتكم فبرحمتي .. وإن أبيتُ فذاك طوع يميني

ومن ابتغى موتا فها عندي له .. موتا بلا غسل ولا تكفين

(4)

أرض الزنازين..

بعد الثورات يهدمون المعتقلات، وبعد الانقلابات يبنون المزيد. هذا ما يحدث في مصر الآن.

كانت الخلافات في أيام مرسي مهتمة بالتفاصيل، هل التابلت المصري مصري 100% أم فقط تغلب عليه المكونات المصرية؟ ما هي المزايا التي ستستطيع السيارة المصرية أن تنافس بها الشركات الكبرى؟ هل استطاع مرسي تحقيق المستهدف المعلن من إنتاج القمح أم حقق منه نسبة 75% فقط؟ هل تحسنت السياحة بنسبة ما قبل الثورة أم ما زالت النسبة تعاني ضعفا؟

بينما الخلافات بعد الانقلاب منصبة على أعداد القتلى، هل هم 7000 كما يقول مؤيدي الشرعية أم أربعة آلاف فقط كما يقول خصومهم، وكذلك عدد المصابين والمعتقلين، أين وكم سجنا جديدا أصدرت الحكومة تراخيص إنشائها؟ هل الزنازين الانفرادية يتوفر بها تهوية وإضاءة أم تخلو من كل هذا؟ ما الذي يُسمح بأخذه في زيارات المعتقلين، وما مدى الإهانات في إجراءات التفتيش لأهاليهم؟ هل معتقلي أبو زعبل قُتِلوا وهم يحاولون الهرب أم قُتِلوا لخطأ غير مقصود من الضابط الذي أطلق عليهم قنبلة غاز مسيل للدموع داخل قفص سيارة الترحيلات؟!

توقفت كل المشاريع التي بدأت في عهد مرسي، السيارة والتابلت وخطة الاكتفاء الذاتي من القمح، وصرح وزير التموين الجديد منذ الأيام الأولى بأن خطته هي استيراد القمح، وعادت مصر المستورد الأول للقمح في العالم، وفازت روسيا بمركز المصدر الأول للقمح، وكل الانهيارات في كل المجالات أقسى وأخطر وأفدح مما قبل الانقلاب.

إن مرسي مهما اختلفنا حوله كان يمثل الأمل القادم، بينما السيسي يمثل تجديدا لجحيم العسكر الذي عاشت فيه بلادنا ستين سنة سوداء مظلمة، لم تر فيها لا نصرا خارجيا ولا نهضة داخلية ولا حتى كرامة للإنسان.

مرسي يمثل الثورة، والسيسي يمثل الانقلاب.. وشتان بينهما كما هو شتان بين الثورة والانقلاب.


الأربعاء، يناير 29، 2014

ثمرة الجهاد في عصور الضعف


كم في التاريخ من لحظات كانت تنادي على البطل ولا تجده، وبمناسبة دخول العام الهجري 1435 فقد اخترنا أن نتحدث عن لحظة جرت في مثل هذا العام ولكن قبل ألف عام.. وكان ذلك في بغداد، معقل الخلافة الإسلامية، إذ كانت حينئذ في عصر يصلح أن نطلق عليه "عصر الضعفاء.

***

كانت بغداد، عاصمة الدنيا والخلافة، قد آل أمرها إلى الضعفاء:

1. فالخليفة العباسي ورث خلافة قد ذهبت قوتها بذهاب العباسيين الأقوياء الذين تسلط عليهم البويهيون.

2. والبويهيون –وهم قوم عسكريون- ظهروا أول أمرهم على الساحل الجنوبي لبحر قزوين ثم أخذوا في التوسع حتى سيطروا على بلاد طبرستان وفارس ثم العراق وصاروا ملوك بغداد على الحقيقة. فتحولت السلطة في بغداد إلى رأسين: الخليفة يملك الشرعية ويقوم بالإجراءات الرسمية بينما المُلك على الحقيقة بيد الملك البويهي الذي يدير الأمور ويُجيِّش الجيوش ويتصرف بالأموال وهو يملك –فعليا- إجبار الخليفة على خلع نفسه من الخلافة، لكنهم في العادة تركوا الخليفة يعيش معزولا في قصر الخلافة وأطلقوا له ما يكفيه من الأموال لشؤونه وشؤون أهله.

3. لكن البويهيين الأقوياء ذهبوا، وجاء الضعفاء الذين لم يعودوا يستطيعون السيطرة على الدولة ولا على الجيش الذي بدأت تظهر فيه الانقسامات العرقية بين الأتراك (وهم الذين كانوا يمثلون الجيش الأساسي للدولة منذ قرنين قبل قدوم البويهيين وجيشهم من العرق الديلمي) والديلم، وكانت الكفة تميل لصالح الأتراك بما لهم من مواهب شخصية ومن تاريخ قديم في العسكرية العباسية، وساعدهم على ذلك أن الديالمة أنفسهم ضعفوا بعد أن تفككت الدولة البويهية بتنازع أمرائها فصار بعضهم في فارس وبعضهم في العراق وبعضهم في طبرستان.

غير أن الأتراك يواجهون مشكلة أخرى، أنهم بلا قائد، وليس من بينهم من يمتلك مواهب الزعامة والقيادة، فهم قوة تبحث عمن تتحالف معه لكنها لا تجده!

وهكذا كان حال الخليفة العباسي (القائم بأمر الله) والملك البويهي (جلال الدولة) والأتراك الذين هم أقوى أجنحة الجيش.

فكل طرف من هؤلاء الثلاثة يملك شيئا ويفتقد آخر، الخليفة يملك الشرعية ويفتقد الهيبة والنفوذ والقوة، والبويهيون يملكون النفوذ وبعض القوة (والقوة للبويهيين هي قدرتهم على إدارة البلاد وحكمها) ولكنهم يفتقدون الشرعية والقوة العسكرية، والأتراك يملكون القوة العسكرية ولكنهم يفتقدون شرعية الخلافة والنفوذ والقدرة على الإدارة.

ولهذا جرت أمور السياسة غريبة مثيرة للدهشة، فالأحوال الاقتصادية المنهارة تؤثر على دفع رواتب الجيش، فيحمل هذا الوضعُ العسكرَ التركي على مهاجمة قصر الحكم البويهي ونهبه وخلع جلال الدولة، وجلال الدولة يستسلم لهذا الخلع ويأخذ أسرته ويخرج من بغداد، فيعيش الأتراك أزمة أكبر بعجزهم عن إدارة الدولة، وقد فشلوا أكثر من مرة في إيجاد البديل لجلال الدولة، فيضطرون مرة أخرى للاعتذار له وإعادته إلى الحكم، ويجري بينهم اتفاق يُنَظِّم دفع الرواتب، لكن الاقتصاد المنهار لا يسمح بسريان هذا الاتفاق فيعودون لخلعه فيستجيب ويستسلم ويخرج، فيفشلون في إيجاد البديل، فيعود مرة أخرى.. لقد تكرر هذا السيناريو الدرامي ثلاث مرات في ست سنوات!

وصار الاعتزال سنة، فالأتراك أحيانا يهددون بالإضراب عن العمل والخروج من بغداد لتفرغ من قوة الجيش كي يُستجاب لهم، والخليفة نفسه –الذي صار يُعتدى على بعض أمواله وممتلكاته لتوفير الأموال- يهدد بالخروج من بغداد بما يعني انهيار الشرعية، وبما يعني أن خروجه سيؤدي إلى أن يعرض آخرون من الأسر الحاكمة للأقاليم أن ينتقل إليهم وينزل عندهم، فيكونون بذلك نوابه، فيحلون –بهذا- محل البويهيين، وتكون لهم شرعية السيطرة على بغداد وحكمها باسم الخليفة العباسي أمير المؤمنين، وإضافة إلى ذلك فإن الخليفة يستطيع -بما له من مقام ديني وتاريخي- أن يأمر القضاة وبعض أصحاب المهن بالإضراب العام فتتعطل المصالح بما يسبب ضغطا على جلال الدولة وعلى الأتراك.

وتحت هذه المظلة السياسية الهشة والمتصارعة انهارت الدولة وانهار المجتمع ككل..

فأما انهيار الدولة فهو أنها لم تعد تسيطر إلا على العراق وحده بل هي فعليا لا تسيطر إلا على بغداد بينما استقل الأمراء بالبلاد وتفككت الدولة، بل حتى أطراف العراق قد صارت تحت نفوذ أمراء مستقلين بها ولا تربطهم بالخلافة إلا دفع أموال سنوية فحسب. بينما ما خلف العراق من بلاد فارس وخراسان والسند والهند وما وراء النهر تقوم فيها دول تستقل استقلالا كاملا عن خلافة بغداد، وكذلك الحال في الشام ومصر والشمال الإفريقي والأندلس.. بل وسيطرت عصابات الأعراب والقرامطة على طريق الحج وأجزاء من جزيرة العرب حتى لم يعد العراقيون وأهل المشرق يستطيعون أداء فريضة الحج، وإن غامروا وفعلوا فإنهم يعرفون أنهم يغامرون بحياتهم.

وأما انهيار المجتمع فلقد انتشرت فيه عصابات النهب والسلب وقطع الطرق، وصارت العصابات كيانات لها تنظيمات وعادات وزعماء، وازدهرت مهنة "الحراسات الخاصة"، وحدث بالفعل أن الناس كانوا أحيانا لا يستطيعون أداء صلاة الجمعة، وحدث يوما أن أقيمت الجمعة بثلاثة فقط في مسجد براثي ببغداد، وقد بلغت قوة هذه العصابات حد أنهم يهاجمون قوات الجيش وقد يأسرون بعضهم ونفذوا أكثر من اقتحام لسجون بغداد، ولم يكن أمام سلطة بغداد إلا التفاوض معهم إذا أرادت دخول مناطقهم. وفوق كل هذا وذاك كانت المواسم تحمل تجددا دائما للفتنة بين السنة والشيعة، فالشيعة يحتفلون بعيد الغدير (18 ذي الحجة) وعاشوراء (10 المحرم) فاخترع جُهَّال أهل السنة -مقابلة لهم وردا عليهم- يومين آخرين: نجاة النبي وأبي بكر يوم الغار (26 ذي الحجة) ومقتل مصعب بن الزبير (18 المحرم)[1]، فيتحول هذان الشهران إلى معارك ودماء وتطاحن بين الفريقين، ويزيد الوضع صعوبة حين ينضم العسكر الأتراك إلى السنة وينضم العسكر الديالمة إلى الشيعة فيكون القتال أشرس وأشد، وفي مسرح القتل تشتد وتقوى عصابات المجرمين والنهابين الذين وصلوا حدا مريعا في السرقة والغصب حتى لقد كان يسلب بعضهم ثياب النساء!!

وفي ظل عجز الجميع عن إيجاد أو تثبيت أي حل، فكان الجميع يرضى بالحلول التخديرية والتسكينية والتي ما تلبث أن تنهار لتبدأ الكرَّة من جديد.

ما يثير التأمل، ويثير الضحك المرير، أن جلال الدولة البويهي دخل في نزاع كبير مع الخليفة لأجل أن يُلقَّب بـ "ملك الملوك، مالك الأمم، شاهنشاه الأعظم" ثم استقر الأمر بعد مفاوضات ووساطات إلى أن يكون اللقب "ملك الدولة".

ما يثير التأمل أيضا أن الخليفة لم يكن يزعجه في كل هذا المشهد المرير إلا أن يُعتدى على بعض أملاكه أو تؤخذ بعض أمواله لسدّ حاجة الجيش ودفع رواتبهم، فهذا وحده الذي كان يجعله يرغي ويزبد ويهدد.

***

على أننا حين نرتد بالنظر إلى واقعنا فإننا نجده أسوأ..

ففي ذلك الوقت لم يكن ثمة صراع عالمي يملك فيه أعداء الإسلام من القوة والنفوذ ما يسمح لهم بالتدخل في أحوال الأمة الإسلامية وتجنيد أجنحة السلطة فيها أو السيطرة على جيوشها..

وفي ذلك الوقت كانت بغداد محروسة بالدول الإسلامية التي تحوطها شرقا وغربا، فمهما كانت النزاعات الداخلية مستعرة فهي في النهاية نزاعات إسلامية إسلامية، ليس فيها ما يهدف إلى محو الدين أو إضعاف المسلمين أو التمهيد لأعدائهم من الكافرين أو الملحدين..

وكل هذا إنما كان من الثمار المتأخرة لعصر الفاتحين، ذلك العصر الذي مدَّ خطوط التماس بعيدا عن عاصمة الدولة وقضى على قوة الأعداء بحيث صارت الاشتباكات عند أطراف الأمة الإسلامية، وصار بين العاصمة وبين أعداء الأمة بلادا وأراضي من المسلمين، وهذه البلاد كم قامت بواجبات الجهاد وفتح المزيد من البلاد حتى في ظل الضعف الشديد للخلافة في بغداد، فالسامانيون جاهدوا وفتحوا فيما وراء النهر شرقا، والغزنويون والغوريون جاهدوا وفتحوا في وسط آسيا والهند، والطولونيون والإخشيديون والحمدانيون تولوا عبء جهاد البيزنطيين في الشام وأطراف آسيا الصغرى، والأغالبة فتحوا صقلية وظلت تحت حكم الإسلام لقرنين من الزمان، والمسلمون في المغرب والأندلس كانوا يواجهون الصليبيين الإسبان.

وما يزال المرء يتأمل في أحوال التاريخ فلا يجد شيئا أعظم ثمرة ولا أكثر بركة ولا أقوى آثارا من الجهاد في سبيل الله.



[1] اختيار هذين اليومين فيه رد على الروافض؛ فيوم نجاة النبي وأبي بكر من الغار رد على تشنيع الروافض على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ويوم مقتل مصعب بن الزبير كردٍّ على يوم مقتل الحسين، فأرادوا جعل مصعب بن الزبير لهم كالحسين للشيعة، وذلك أن مصعب بن الزبير هو من قتل أبا عبيدة الثقفي الذي كان من زعيم الشيعة ذلك الوقت. لكن التواريخ غير صحيحة، وهذا الأسلوب نفسه في الرد على البدع بابتداع بدعة جديدة باطل لا يقره أهل السنة، وإنما حملت عليه المنازعات المشتعلة.

الاثنين، يناير 13، 2014

عسكر مصر يهددون بحرب على حماس!!


خبر منشور بالأهرام اليوم: اللواء محمود خلف: حماس عليها أن تنتظر عملاً عسكريًا مصريًا إذا لم تسلم غزة للسلطة الفلسطينية.

 التعليق:

 
1. دليل آخر على أن عسكر مصر عملاء مرتزقة وكلب حراسة للصهاينة والأمريكان.

 2. موقف فاصل بين عباد الله المسلمين، وبين عباد سايكس بيكو من الكافرين والمنافقين والمغفلين.


مع العلم أن حدود سايكس بيكو لا يلتزم بها إلا المغفلون، فالحرب على الإسلام لا علاقة لها بالحدود، وإلا فما الذي يدفع عسكر مصر إلى تدخل عسكري خارج هذه الحدود.


3. بلاد العرب بغير جيوش، أفضل منها بهذه الجيوش التي لا تفعل إلا قتل شعوبها، بينما هم كلاب يهزون أذيالهم عند العدو.


4. أسأل الله هزيمة ساحقة للعسكر المجرمين أعداء الإسلام والمسلمين، فهي -على الحقيقة- هزيمة لأحد أذرع الصهاينة والأمريكان.


5. هذا ليس التصريح الأول، فمنذ هذا الانقلاب الملعون تم تدمير مئات الأنفاق -التي هي شريان الحياة، قبل أن تكون شريان المقاومة ضد إسرائيل- بل وسجلت طلعات طائرات مصرية فوق مقرات ومراكز تدريب للمقاومة في غزة.


6. لم تكفهم جرائمهم منذ كامب ديفيد، وحتى حصار غزة أيام مبارك، وما جرَّه هذا على أهلنا في غزة من أمراض وجوع وبرد وتوقف أعمال ومصانع، فالآن يريدون شن الحرب بأنفسهم.


7. لا أنتظر موقفا من كل نجس أو غبي أيد الانقلاب، ثم وضع ذيله في فمه، بما فيهم برهامي وطائفته ورمم الأزهر الرسميين.. فالذين هان عليهم مقاتل الآلاف واعتقال وتشريد عشرات الآلاف داخل حدود سايكس بيكو التي يعبدونها، لن يهزهم شيء مثل ذلك خارج هذه الحدود.


8. في ليلة الانقلاب تمنيت لو أن حماس كسرت خط الحدود، فهي المستهدف الأهم من هذا الانقلاب، وهو ما يعني عودة لعصر ألعن من عصر مبارك.. واستباقا للحرب التي سَتُشَنُّ عليها قبل أن يعدوا لها.

الاحتضان الإسلامي لغير المسلمين (السائحين)


ذكرنا في المقال الماضي "جاذبية الإسلام الاجتماعية" لقطات من صفحات التاريخ، تظهر كيف كانت حياة المسلمين الطبيعية وأخلاقهم غير المتكلفة هي الباب الأكبر الذي دخلت منه الشعوب في دين الله أفواجا، ورأينا كيف أن هذا الباب لا يُغلق أبدا، فهو يؤتي ثماره في عصر القوة والازدهار ويؤتي ثماره كذلك حتى في عصور الضعف والاحتلال.

وفي سياق الحديث عن موضوع: الرعاية الاجتماعية لغير المسلمين وللمسلمين الجدد، يحسن أن نفصل الحديث إلى موضوعين؛ الأول: عن رعاية غير المسلمين في المجتمع الإسلامي سواء أكانوا مقيمين أم زائرين، والثاني: عن رعاية المسلمين الجدد الذين أنبتت في قلوبهم بذرة الإيمان وتحتاج إلى من يتعهدها بالرعاية والسقاية حتى تصير سامقة زاخرة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

ونبدأ بالحديث –في هذا المقال والمقالات التي تليه- عن الموضوع الأول: رعاية غير المسلمين، فالله المستعان..

***

غير المسلمين في بلادنا نوعان: مقيمون فيها أو زائرون لها، وتختلف أغراض الزيارة ما بين السياحة القصيرة وأغراض العمل الطويلة التي قد تمتد إلى عقود متصلة، ولربما لا تبدو الفرصة واضحة في شأن السائحين لمدة أيام أو لأسابيع إلا أنها فرصة كاملة وجاهزة بالنسبة لأولئك المقيمين لأغراض العمل والتكسب، لا سيما في دول الخليج، التي تعتمد على العمالة الأجنبية من أول العامل الفقير وحتى أصحاب المشاريع العملاقة والاستثمارات الضخمة.

أولا: السائحون

ونعني بهم جميع من يرد بلادنا لمدد قصيرة، سواء للسياحة أو لعمل أو لغيره، ونحن إذا تدبرنا في حال من أسلم من هؤلاء -أو على الأقل تغيرت قناعاته عن الإسلام- سنفهم ماذا ينبغي لنا أن نفعل كي نجتذب هذه الشريحة إلى دين الله تعالى.

1. شعائر الإسلام

أول ما ينبغي أن نفهمه أن الإسلام هو أمر "مختلف" بالنسبة إلى هؤلاء، أي أنه لا يجذبهم في بلادنا ما نحاول أن نشابههم به من أنماط البناء والأزياء والمأكل والمشرب والترفيه، بل يجذبهم عندنا ما لا يجدوه عندهم. وقد نستغرب حين نعرف قصة إسلام المستشرق المجري عبد الكريم جرمانوس التي بدأت من صورة في مجلة هذا وصفها "منظر خشبي رأيت فيه منازل ذات سُقُف منبسطة تبرز من بينها هنا وهناك قباب مستديرة يزينها الخلال وسط سماء مظلمة، كما شاهدت رجالا يجلسون القرفصاء على السطح وعليهم حُلل غريبة وقد انتشرت ظلالهم في صفوف غامضة.. لقد ابتهج خيالي بهذه الصورة تبعا لاختلافها الشديد عن المناظر الطبيعية المعتادة في أوروبا، فقد كانت منظرا شرقيا"[1].

وإن أهم وأعظم ما لا يجدوه عندهم هو مظاهر الإسلام وشعائره، وهذه عوامل جذب إلهية لسنا ندري سرها ربما لأننا نشأنا فيها واعتدناها، غير أنها تؤثر فيهم تأثيرا كبيرا، ويستوي في ذلك عامتهم وخاصتهم من المفكرين والفلاسفة والباحثين.

ومن ذلك ما عرضته قناة الجزيرة[2] عن فتاتين أمريكيتين، إحداهما يهودية ومات من عائلتها ثمانية في أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت تزور المغرب، والأخرى نصرانية كانت تزور تركيا، وكلاهما كان سماعهما للآذان هو أول ما طرق قلوبهما وأدخلهما في الإسلام، ذلك الآذان الذي نسمعه يوميا خمس مرات ولا نكاد نتأثر به على الإطلاق. ومن ذلك ما نشرته صحيفة الرياض[3] عن سائحة كندية فوجئت بمشهد العمال المسلمين وهم يصلون في بهو الفندق، فدخلت في موجة من التساؤلات، فقرأت ما كان في مكتبة الفندق من كتب عن الإسلام في ليلة واحدة، وبعد يومين كانت في عداد المسلمين، واتخذت اسم "سلطانة". هذا وإن أول قصة تطالعك في سلسلة كتب "رجال ونساء أسلموا" هي قصة المسلم الألماني محمد صديق الذي كانت بداية إسلامه رؤيته لصلاة الجماعة[4].

ومن أراد الاستزادة فعليه بالكتب التي تقصص حال من أسلموا ففيها مادة غزيرة عن التأثر بالشعائر الإسلامية.

وقد لا يبلغ الأثر حد الدخول في الإسلام، وهذا الفيلسوف الفرنسي أرنست رينان يقول: "ما دخلت مسجدا قط، دون أن تهزني عاطفة حادة، وبعبارة أخرى، دون أن يصيبني أسف محقق على أنني لم أكن مسلما"[5]، هذا وهو من يُحسبون أحيانا في خانة المتحاملين على الإسلام.

وشعائر الإسلام كثيرة إلى الحد الذي لا يكاد يفلت منها نظر زائر لبلاد المسلمين، فالصلوات تشمل مساحة اليوم ويؤديها المسلمون في كل مكان، ثم صلاة الجمعة التي تؤدى كل أسبوع، ثم صيام رمضان الذي يشغل شهرا في السنة، ثم أيام الحج المشهودة، وارتباط المسلمين بها أمر ظاهر ملموس في كل بلدانهم، وهو ما يفسره الفيلسوف الفرنسي الشهير مونتسكيو بقوله "إن المرء لأشد ارتباطا بالدين الحافل بكثير من الشعائر منه بأي دين آخر أقل منه احتفالا بالشعائر، وذلك لأن المرء شديد التعلق بالأمور التي تسيطر دائما على تفكيره"[6].

ولربما يحاول البعض تفسير هذا التحول لمجرد رؤية الشعائر الإسلامية بأن فيها من المساواة والبساطة ومظاهر وحدة المسلمين ما هو جدير بجذب القادمين من مجتمعات رأسمالية طبقية أو مجتمعات عنصرية أو مجتمعات تعاني من الخلافات الأهلية، ولا ريب أن هذا صحيح، لكنه لا يصلح وحده لتفسير هذا التحول الكبير والأثر المباشر، ويبقى في الأمر سر إلهي رباني يخاطب الروح والنفس مما لا ندرك كنهه على الحقيقة.

ومما يتبع هذا ضرورةُ أن تكون الكتب والمواد التي تشرح الإسلام موجودة دائما أمام أعين السائحين والزائرين أينما حلوا، في الفنادق والمجمعات التجارية (المولات) والمطاعم والمكتبات والأماكن السياحية والأثرية ووسائل المواصلات بحيث تكون جاهزة للإجابة عن الأسئلة وإدراك لحظة التأثر في أي مكان كان.. إذ نحن لا ندري من أي شيء وفي أي موطن ستبدأ لحظة الهداية.

 

2. آثار المسلمين

بداية، فإن الإسلام يبيح دخول غير المسلمين إلى المساجد –ما عدا المسجد الحرام- شريطة الالتزام بالثوب المحتشم وتوقير المسجد وعدم إتيان المخالفات فيه[7]، وهذا أمر يتقبله 99% من السائحين ويلتزمون به، بحسب تصريح لنقيبة المرشدين السياحيين في مصر ليلى قنديل[8].

ولا ريب أن هذه الأماكن التي عُبِد فيها الله، وقُرِيء فيها القرآن وصُلِّيَت فيها الصلوات، لها تأثير روحي كبير على القادمين من بلاد تشكو من الضغط العنيف للمادية، هذا الضغط الذي يجعل البوذية أحد أكثر الأفكار رواجا في الغرب لأنها متطرفة في الجانب الروحي الذي يقابل التطرف المادي هناك.

تروي ليلى قنديل قصة أستاذ جامعي بلجيكي أسلم بعد زيارة إلى مساجد القاهرة القديمة وحصوله على نسخة مترجمة لمعاني القرآن الكريم[9]، ونحن حين نطالع قصص من أسلموا نجد الأسفار إلى بلاد المسلمين تمثل جزءا بارزا منها، بل نجد بعض القصص ليست إلا فصولا من التأثر بآثار المسلمين وبلادهم، كقصة الشاب المجري جوليوس ووفر بدأت بتأثره بآثار العثمانيين في المجر ثم لم يجد الراحة والقرار إلا في بلاد المسلمين التي تنقل فيها أو عبر بها فتعلق بها قلبه حتى أسلم[10].

ومما يتبع الاهتمامَ بحضارة المسلمين، الاهتمامُ بإعداد المرشد السياحي، فذلك هو الذي سيلتقط لحظة التأثر فيضرب على الحديد وهو ساخن، فإن كان أكثر كفاءة فباستطاعته صناعة هذا التأثر وإنشائه، ومما يذكر في هذا الشأن ما رواه المرشد السياحي المصري عز الدين أحمد سالم أن وفدا سياحيا كاملا تأثر بالإسلام بعد أن حدثهم عن بعض جوانب إعجاز القرآن أثناء زيارتهم لأحد المساجد الأثرية بالقاهرة، ثم رَتَّب لهم لقاء مع أساتذة من كلية أصول الدين استغرق 4 ساعات، ولم ينته هذا الاجتماع إلا بعد أن أعلن عدد كبير من هؤلاء عن رغبتهم في اعتناق الإسلام[11]. فهذا مجرد نموذج لما يمكن أن يصنعه مرشد سياحي مؤهل للحديث لا عن الإسلام، ولكن عن لفتة إسلامية مؤثرة في ثنايا شرحه للمعالم السياحية، ثم يمكن للمختصين أو المراكز المختصة أن تقدم المعلومة الأفضل والأكمل لمن أراد أن يتوسع أو أن يسأل.

ومما يتبع الاهتمامَ بحضارة المسملين أيضا، الاهتمامُ بالملصقات والمطبوعات الإرشادية للآثار الإسلامية، إذ ينبغي ألا تكتفي المادة التعريفية بعرض تاريخ إنشاء الأثر وعصره، بل تضيف إليه نبذة عن صاحبه وعصره والغرض من بنائ وما إذا كانت ثمة مواقف ذات أثر أو قيمة إسلامية حدثت عنده، فهذا ما يعطي المكان قيمته الروحية والحضارية فضلا عن قيمته المادية والفنية والمعمارية، وإذا تحقق هذا في المطبوع الإرشادي لكل أثر فنكون قد حكينا للسائح -دون أن نشعر نحن ولا هو- تاريخ البلد وحضارته، وأعطيناه رحيق وخلاصة روح البلد وثقافته، وهذا يعمق الارتباط النفسي والروحي بين السائح والبلد، وهو في حد ذاته قيمة اقتصادية بحتة، ولو لم نهدف إلى التعريف بالإسلام.

وربما لا يبلغ التأثر حد الدخول في الإسلام، ولكنه يساهم في كسر الصورة المشوهة عنه في بعض النفوس، فها هي الكاتبة البريطانية المعروفة كارين أرمسترونج التي كانت راهبة كاثوليكية وصارت الآن من وجوه الدفاع عن الإسلام في أوروبا والدفاع عن قضايا المسلمين مثل القدس، كانت بداية تعرفها على الإسلام رحلة إلى سمرقند حيث تأثرت بالروحانية التي تفيض من العمارة الإسلامية[12].

 

3. أخلاق المسلمين

وهو الباب الأوسع للدخول في الإسلام، إذ هو يحدث في كل موقف وكل لحظة، ويكون بغير تكلف من المسلمين، وهذا الباب يؤتي ثماره في القديم كما في الحديث، فغالب من أسلموا من غير المسلمين إنما كان إسلامهم من هذا الباب، ومن نَظَر في الكتب التي تقصص قصص من أسلموا وجد ذلك واضحا لا يحتاج إلى إثبات.

وهذا الباب مستمر معنا في كل ما يخص غير المسلمين، سواء أكانوا سائحين أم مقيمين أم من أهل البلد أم كان المسلم في بلاد غير المسلمين، فلا نطيل الحديث فيه الآن، وربما أفردناه بمجموعة مقالات في نهاية هذه السلسلة.

***

وكل ما أوردناه من اقتراحات وأفكار يستطيع المجتمع أن يقوم بها بدون السلطة، أو في أكثر الأحوال لا يحتاج الأمر إلا مجرد "السماح" من السلطة، فالمتطوعون من الدعاة والمراكز الإسلامية يرحبون بأن يضعوا هم جداول الزيارات السياحية وإعداد مواد الإرشادات والمطبوعات وإقامة دورات التأهيل للمرشدين السياحيين واستقبال كل راغب في الاستزادة من المعرفة عن الإسلام وغير ذلك مما يتطلبه الأمر.

والخلاصة أننا نحاول اقتناص كل فرصة ممكنة –مهما كانت سريعة وبسيطة- في هذه الزيارة القصيرة التي يقوم بها غير المسلم لبلادنا الإسلامية، وهو أمر سيجد في نفسه موضع قبول وترحيب لأنه جديد عليه لا يجد مثله في بلاده وهو بطبيعة الحال متشوق للمعرفة والاطلاع على ما في بلادنا من أسرار وكنوز، فأرض الشرق ما تزال تمثل عند كثيرين –وخصوصا الغربيين- أرض الأسرار والكنوز والشمس والسحر واللبن والعسل، وهو من آثار التاريخ الطويل بين الغرب والشرق منذ الأندلس والحروب الصليبية وقصص ألف ليلة وليلة.

 نشر في مجلة البشرى الكويتية، يناير 2014، صفر 1435



[1] د. عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا 2/161.
[2] برنامج من واشنطن، بتاريخ 11/9/2006. (الرابط)
[3] بتاريخ 5/12/2008.
[4] د. عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا 1/15 وما بعدها.
[5] توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص459.
[6] السابق ص458.
[7] انظر فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز على هذا الرابط
[8] تحقيق صحفي: المساجد الأثرية مراكز لدعوة غير المسلمين، موقع الشبكة الإسلامية، 10/6/2002. (الرابط)
[9] تحقيق الشبكة الإسلامية.
[10] د. كمال العشي: رجال ونساء أسلموا 2/167 وما بعدها.
[11] تحقيق الشبكة الإسلامية.
[12] كارين أرمسترونج: سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ص22.