الجمعة، مارس 29، 2013

ول ديورانت يتحدث عن معاوية رضي الله عنه



يجب علينا ألا نظلم معاوية. لقد استحوذ على السلطة في بادئ الأمر حين عينه الخليفة الفاضل النزيه والياً على الشام، ثم بتزعمه الثورة التي أوقد نارها مقتل عثمان، ثم بما دبره من الدسائس البارعة التي أغنته عن الالتجاء إلى القوة إلا في ظروف جد نادرة، ومن أقواله في هذا المعنى "لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولم أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت" قيل: وكيف يا أمير المؤمنين؟ قال: "إذا مدوها خليتها وإن خلوها مددته".

ولقد كان طريقه إلى السلطة أقل تخضباً بالدماء من طرق معظم من أسسوا أسراً حاكمة جديدة.

وكان يحس كما يحس كثيرون من المغتصبين أنه بحاجة إلى أن يحيط عرشه بالأبهة والمظاهر الفخمة، وتشبه في هذا بأباطرة الدولة البيزنطية، الذين تشبهوا هم أنفسهم بملك ملوك الفرس. وإن بقاء هذا الطراز من الحكومة الملكية الفردية من عهد قورش إلى يومنا ليوحي بصلاحيته لحكم الشعوب الجاهلة واستغلالها.

وكان معاوية نفسه يشعر بأن حكمه هذا يبرره ما عاد على البلاد في أثنائه من الرخاء، وانقطاع النزاع بين القبائل، وما بلغته الدولة العربية الممتدة من نهر جيحون إلى نهر النيل من قوة وتماسك. وكان يرى ألا سبيل إلى اتقاء النزاع الذي لابد أن يحدث عند اختيار الخليفة إذا ما اتبع مبدأ الانتخاب، وما يؤدي إليه

هذا النزاع من اضطراب وفوضى، إلا إذا استبدل به النظام الوراثي، فنادى بابنه يزيد وليَّاً للعهد، وأخذ له البيعة من جميع ولايات الدولة العربية.

انتهى!

المؤرخ الأمريكي ول ديورانت (قصة الحضارة 13/81)

للمؤرخين الأجانب والمستشرقين نظرات عجيبة في تاريخنا الإسلامي، مفيدة للغاية، فهم ينظرون لتجربتنا بعيونهم وبخبراتهم في التاريخ الغربي، تكون مجحفة أو منصفة، مقنعة أو غريبة بحسب كاتبها وحظه من العلم والأمانة والذكاء!

وبشكل عام فإن ول ديورانت واحد من أهم وألمع وأمتع وأنصف من قرأت لهم من المؤرخين.. لولا أن مات كافرا لاستغفرت له!

وهذه العبارة هي أبسط قراءة عادلة لسيرة معاوية رضي الله عنه، فيها علم وعمق وبساطة ووضوح وإدراك لحقائق تاريخية كثيرة.. شيئ يذكرك بقول الغزالي "اللهم إيمانا كعجائز نيسابور"، حتى لتكاد تهتف "اللهم تأريخا كمنصفي الأمريكان"